معركة الاعتكاف ومعركة الهوية في المسجد الأقصى

فلسطينيون يتظاهرون في المسجد الأقصى بينما يحضر المسلمون الفلسطينيون صلاة الجمعة, البلدة القديمة، القدس 2023 (رويترز)

أسئلة كثيرة أثارتها أحداث الاعتكاف في المسجد الأقصى المبارك في الأيام الماضية، فبينما كان اعتكاف المصلين قائما في المسجد الأقصى ابتداء من الخامس من رمضان في العام الماضي ومر دون مشاكل تذكر، كان للتعنت الإسرائيلي والإصرار الشديد لدى شرطة الاحتلال على منع الاعتكاف في المسجد الأقصى هذا العام وقصره بالقوة على العشر الأواخر من رمضان صدى واسع أثار استغراب الكثيرين، وأثار أصداء عالمية واسعة، لم يتمكن معها الأمين العام للأمم المتحدة من إخفاء شعوره بالصدمة من مشاهد العنف الشديد الذي أقدمت عليه قوات الاحتلال ضد المعتكفين العزل داخل الجامع القبلي في المسجد الأقصى.

السؤال الذي يطرحه الكثيرون في هذا السياق هو: لماذا الآن؟ ولماذا هذا العام بالذات تصر إسرائيل على منع الاعتكاف في الأقصى قبل العشر الأواخر من رمضان؟

في الحقيقة، توجد الكثير من الدلائل والإرهاصات التي تبين الأسباب الحقيقية الكامنة وراء التوجه الإسرائيلي الجديد هذا العام. بالطبع يمكن هنا بسهولة ابتداء ملاحظة دور وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير في العملية، كونه حامل لواء تيار أقصى اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو الحالية، وكونه كذلك يعد جزءا من جماعات المعبد المتطرفة التابعة لما بات يعرف بمجلس "السنهدرين الجديد"، وهو المجلس الديني الذي شكله عدد من المرجعيات الدينية لمستوطني الضفة الغربية، في محاولة منها للخروج على آراء الحاخامية الرسمية لإسرائيل، التي تراها هذه المرجعيات متساهلة فيما يتعلق بما تسميه "الحقوق الدينية لليهود" في المسجد الأقصى.

والواقع أن دور بن غفير في هذا الجانب معنوي أكثر منه مادي، فاتحاد منظمات المعبد رأى في أدبياته أن هذه السنة تعتبر استثنائية بعد وصول اثنين من أعضائها الفاعلين -بن غفير وسموتريتش- إلى قلب اثنتين من أهم الوزارات السيادية في الحكومة الإسرائيلية، وهما الأمن القومي والمالية، ولذلك كان الاتحاد قد حشد كل طاقته هذا العام لتنفيذ حلمه بالسيطرة التامة على المسجد الأقصى المبارك وتنفيذ كافة الطقوس الدينية فيه.

فالوزير بن غفير بات الآن يتحكم بشرطة الاحتلال في المسجد الأقصى، ولا ننسى بطبيعة الحال أن عددا لا بأس به من أفراد شرطة الاحتلال في الأقصى هم من أتباع هذه الجماعات المتطرفة. فقد نشر اتحاد منظمات المعبد قبل أكثر من 3 أعوام نداء لأفراده للالتحاق بشرطة المسجد الأقصى، وهو ما بدأت نتائجه تظهر الآن في مستوى الوحشية الشديد الذي تعاملت به شرطة الاحتلال مع المعتكفين، بل وفي ظهور أحد أفراد الشرطة وهو يحمل ماعز القربان خارج المسجد الأقصى بصحبة بعض أفراد جماعات المعبد المتطرفة خلال بداية عيد الفصح العبري.

إن التجارب الماضية تثبت أننا الآن بتنا أمام مشروع إسرائيلي يريد الاستفراد بالمسجد الأقصى المبارك عبر سلسلة من الإجراءات التي تضمن قلب المعادلة في المسجد، ليصبح في المرحلة الأولى على الأقل مقدسا مشتركا، لا للمسلمين وحدهم. ودوافع هذا المشروع ترجع في الحقيقة إلى أن إسرائيل بكافة تياراتها العلمانية والدينية المتصارعة في شوارع تل أبيب تكاد تجمع على أن المسجد الأقصى ينبغي أن يكون مفتوحا لأداء الطقوس الدينية لأبناء الدين اليهودي كما هو مفتوح لأبناء الدين الإسلامي، وذلك باعتباره رمز هوية وطنية وتاريخية لإسرائيل.

وهذا الأمر ليس جديدا، بل كان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه ديان قد عبر عنه في مذكراته إبان احتلال شرقي القدس والمسجد الأقصى عام 1967. بمعنى آخر، أغلب الإسرائيليين مجمعون على أن المسجد الأقصى ينبغي أن يكون مقدسا مشتركا، وليس للمسلمين وحدهم.

ضمن هذا المشروع، كان ينبغي لإسرائيل التخلص من الغطاء البشري الحامي للمسجد الأقصى المبارك وهم المصلون والمعتكفون والمرابطون، ولذلك شرعنت إسرائيل منذ عام 2015 عدة قوانين لتصنيف تعبير "الرباط" باعتباره دعوة للعنف، وإغلاق المؤسسات التي كانت ترعى هذا الغطاء البشري، لتصل في هذا العام إلى محاولة تكريس واقع جديد في المسجد الأقصى عنوانه أن من يدير المسجد لم يعد دائرة الأوقاف الإسلامية، وإنما أصبح جهاز الشرطة الإسرائيلية، باعتبار المسجد الأقصى مقدسا مشتركا، وبالتالي يتم تحديد دور الأوقاف الإسلامية في القدس ليصبح مجرد إدارة الوجود الإسلامي في الأقصى، لا إدارة شؤون الأقصى نفسه.

هذه المعادلة تفسر لنا كافة الإجراءات التي أقدم عليها الاحتلال في السنوات الماضية، ابتداء من البوابات الإلكترونية عام 2017، ومحاولة إغلاق باب الرحمة نهائيا بداية عام 2019، مرورا باقتحام المسجد الأقصى يوم عيد الأضحى في العام نفسه، والإصرار على أن يعاد فتح الأقصى بعد إغلاق جائحة كورونا عام 2021 يوم الأحد لا يوم الجمعة، بحيث يكون مفتوحا للمسلمين واليهود معا، وليس في يوم خاص بالمسلمين حسب التصنيف الإسرائيلي، وانتهاء بما جرى هذا العام من هجوم غير مسبوق على المعتكفين وفكرة الاعتكاف في المسجد الأقصى في بداية شهر رمضان.

المتابع لسير الأحداث يمكنه ملاحظة أن قطاعا جيدا من الفلسطينيين فهموا ما يجري وما ستؤول إليه الأمور لو تم التسليم للاحتلال في موضوع الاعتكاف في الأقصى، بل إن المقدسيين اعتبروا أن شعيرة الاعتكاف هي بوابة مواجهة مشروع الاحتلال في هذه المرحلة، ولذلك أعلنوا فتح الاعتكاف في الأقصى منذ اليوم الثاني من شهر رمضان في تحدٍ كان واضحا أنه فاجأ الاحتلال، بعد أن ظن أنه يمكن أن يمضي قدما في مشروع تمكين الشرطة من إدارة شؤون المسجد الأقصى وبسط سيادتها عليه، فكان العنف الشديد الذي تعامل به الاحتلال مع المعتكفين تعبيرا عن هذه المفاجأة.

غير أن هناك عاملا مهما وخطيرا أيضا لا بد من الإشارة إليه في هذه المعادلة، وهي محاولة الاحتلال إقحام النظام الرسمي العربي في مواجهة المقدسيين بعد أن رأى أن تدخله الفج لمنع الاعتكاف في الأقصى كاد يؤدي إلى انفجار عدة جبهات في الشمال والجنوب والداخل في الوقت نفسه، ونشير هنا إلى مطالبة وزارة الخارجية الإسرائيلية علنا وعلى حسابها في تويتر أن يقوم الأردن بطرد المعتكفين من المسجد الأقصى نيابة عن إسرائيل، في محاولة فاشلة لجر الأردن إلى مواجهة مع المعتكفين، وبالتالي تبني الرؤية الإسرائيلية للمسجد باعتباره مقدسا مشتركا.

هذه المحاولة تشي برؤية إسرائيلية باتت ترى أن النظام الرسمي العربي لن يسعى لمواجهتها في هذه المرحلة، وأن هذا يمكن أن يكون مدخلا لجر الأنظمة الرسمية العربية لمربع الرؤية الإسرائيلية للأماكن المقدسة، مع كل ما في هذه الرؤية من عنجهية واستعلاء مع قصور وانعدام فهم لحسابات الجانب العربي الرسمي والشعبي على حد سواء.

إن معركة الاعتكاف في المسجد الأقصى في الأيام الماضية كشفت عن مدى مركزية هذا الموقع المقدس في الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية للقدس والمنطقة كلها، وهذا أمر لا يختلف فيه اليمين واليسار في إسرائيل، على أن صعود اليمين المتطرف للسلطة سرع في ظهور هذا التوجه بشكله العنيف والصادم، وهو وإن بين مدى العنجهية التي تنظر بها إسرائيل إلى العرب والمسلمين، فإنه كذلك بين مدى القدرة التي تتمتع بها القدس ومقدساتها وعلى رأسها المسجد الأقصى على زلزلة المنطقة كلها إلى حد الانفجار.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.