نظرة على مستقبل السينما الكويتية

فيلم شيابني هني الصحافة الكويتية
أبطال الفيلم الكويتي-السعودي للمخرج الكويتي زياد الحسيني 2022 "شيابني هني" (الصحافة الكويتية)

يحلم الشاب أسد بأن تصعد به أغنيته الراب الجديدة سلم المجد والثراء السريع، لكن حلمه يتحطم على صخرة الواقع؛ فقد حقق ما يصبو إليه من شهرة لكن الثروة لم تعرف طريقها إليه، فيحاول أن يجد سبيلا آخر للثراء السريع، فيكتشف أسد وصديقه سالم مخبأ للبنادق ويتجهان نحو تجارة الأسلحة والمواد الممنوعة.

تقودهما هذه التجارة إلى عالم المرتزقة والتجارة غير الشرعية، ويجد أسد نفسه في أماكن غريبة ومواقف لا يحسد عليها، عندها تعود به ذاكرته إلى الوراء ويصيح: ما الذي أتى بي إلى هنا؟ أو باللهجة الخليجية "شيابني هني". وهو عنوان الفيلم الكويتي-السعودي للمخرج الكويتي زياد الحسيني إنتاج عام 2022.

أحد مقومات السينما الوطنية الناجحة محليا ودوليا أن تغوص في الثقافة المحلية وتكشف أسرارها للعالم، وتقدم لوحات عن الماضي والحاضر والجغرافيا والتاريخ والعادات والتقاليد والتحديات الاجتماعية وفق رؤية فنية نقدية

يعد الفيلم آخر إنتاج سينمائي من الأفلام الكويتية، ويمثل دخولا غير تقليدي للسينما الكويتية في عالم الإنتاج السينمائي الخليجي الصاعد حاليا؛ فقد استغرق العمل على الفيلم 5 سنوات بين الكويت والولايات المتحدة، وضم نخبة من مشاهير النجوم في الخليج والعالم، حيث شارك فيه الممثل الأميركي رون بيرلمان المعروف بدوره في المسلسل الأميركي "الجميلة والوحش" في حقبة الثمانينيات، بالإضافة إلى الممثل الهندي جافيد جفري. ويزيد من جرعة الإثارة للفيلم تصريحات منتجه مشاري المطوع بأن الفيلم مبني أصلا على قصة واقعية حدثت بالفعل.

الممثل الأميركي رون بيرلمان المعروف بدوره في المسلسل الأميركي "الجميلة والوحش" في حقبة الثمانينيات (مواقع التواصل)

حاول الفيلم القفز إلى النجاح السريع، وربما اتبع الطريقة ذاتها التي وردت في القصة، ولكن بطريقة مشروعة وهي الجمع بين هوليود وبوليود من ناحية وبين الكوميديا والأفلام الغنائية والحركة من ناحية أخرى. كما أنه جمع بين الهويتين الإنتاجيتين الكويتية والسعودية. وهذا أمر يمكن أن يحقق نجاحا وقتيا على صعيد شباك التذاكر والانتشار في المهرجانات، لكنه ليس نجاحا مستمرا مؤسسا لسينما وطنية؛ فأحد مقومات السينما الوطنية الناجحة محليا ودوليا أن تغوص في الثقافة المحلية وتكشف أسرارها للعالم، وتقدم لوحات عن الماضي والحاضر والجغرافيا والتاريخ والعادات والتقاليد والتحديات الاجتماعية، وفق رؤية فنية نقدية، وليس ضروريا أن تجمع كل هذه العناصر في فيلم واحد.

لقد استعرض المخرج في هذا الفيلم قدراته الإخراجية بشكل مكثف، وقد لا يكون ضروريا، وكان الأفضل توفيره لأفلام أخرى. وربما تعود هذه الخلطة الإنتاجية والإخراجية لطبيعة التجربة الأولى للمخرج الكويتي زياد الحسيني مع فيلم روائي طويل بهذا الحجم. وهذا أمر معتاد في التجارب الأولى، إذ يكون لدى المخرج عادة قلق مهني من أجل السعي للنجاح وتحقيق انطلاقة قوية، بعدها يفهم غالبا نقاط قوته ويكتسب مزيدا من الثقة في النفس. ولهذا تكون التجارب التالية أكثر تعبيرا عن شخصية المخرج وأكثر تحديدا للمجال الذي يود التركيز عليه سينمائيا من ناحية القصة ونوعية الأفلام.

مقومات نجاح السينما الكويتية

ضربت قصة هذا الفيلم الكويتي على عدة أوتار مهمة لدى الشباب الكويتي خاصة والخليجي عموما، وهي محاولة الثراء السريع والعلاقة مع العالم والثقافات المختلفة التي يحتك بها هذا الشباب محليا وعند السفر للخارج، سواء للدراسة أو العمل أو السياحة، بالإضافة إلى مزاج هذا الشباب الفني مع أغاني الراب. وهي مقدمة جيدة لموجة جديدة من الأفلام الكويتية يمكن أن تقدم رؤية لنفسها والعالم بلغة فنية مختلفة حيث تتوافر لها عدة مقومات للنجاح.

  • أول هذه المقومات أن تعمل في مناخ من الحريات السياسية والاجتماعية ليس موجودا في كثير من الدول العربية، حيث يوفر لها هذا المناخ فرصة واعدة للتعبير عن القضايا الشائكة والمشاكل المحلية والعربية والدولية. فلنتخيل شكل السينما التي تنتقل بها مناقشات مجلس النواب الساخنة وما تموج به الصحافة الكويتية من نقاش وجدال إلى الشاشة الفضية. وبذلك تكون السينما في الكويت قد تحقق لها أحد أهم شروط العمل الفني الناجح وهو سقف الحرية. وهذا السقف يختلف عن الرقابة، فلست ممن يعدّون الرقابة عائقا أمام الإبداع مهما بلغت درجتها ما دامت شروط أخرى ضرورية تحققت وسنأتي على ذكرها، فضلا عن أن تاريخ الكويت السينمائي ليست لديه مرارات أو تجارب سلبية مع منع الأفلام وحجبها.
  • ثانيا أن هذه التجارب السينمائية تأتي وسط إرث ثقافي للكويت ومناخ من التفاعل الفكري له من العمر ما يزيد الآن على 6 عقود. وإذا تم استثمار هذا الإرث وتوظيفه سينمائيا بشكل جيد يستطيع أن يقدم سينما عربية متميزة بعيدة عن الغرض التجاري والبحث إلى الهدف السينمائي الجمالي الثقافي الأوسع. وهذا يعني أن تتجاوز النظرة للإنتاج السينمائي الغرض الربحي من دون تجاهله، لكن ألا يصبح الربح هو المعيار الأول أو الوحيد.
  • ثالثا أن لدى الكويت تجربة اجتماعية غنية بها مزيج من الخبرة الأليمة مع الحرب والفقد والتوترات الإقليمية، بالإضافة إلى حراك عام متعلق بكشف المشاكل الاجتماعية ونقاش عام مفتوح حول كيفية علاجها. وهو ما يمثل منبعا خصبا للقصص والدراما إذا تم استثمار هذا الحراك إبداعيا لتقديم رؤى خيالية لرصده ومحاولة إصلاحه، وهذا أحد أوجه التفاعل الإيجابي مع مشكلات الحياة.
  • رابعا أن البلاد بها رجال أعمال ومناخ استثماري كبير إذا حدث تماس بينه وبين صناعة السينما يمكن أن يمثل قيمة استثمارية وتجارية كبيرة إذا تم بالشكل المطلوب، بالإضافة إلى القيمة الفنية من ناحية الثقافة والمعرفة. وهناك تجربة محلية ناجحة مع شركة "سينيسكيب"، ولكنها شركة لدور العرض وليست للإنتاج السينمائي.

كل هذه العوامل هي إمكانات غير مستغلة لدى الكويت، ومن أجل أن يتم استثمارها الاستثمار الأمثل هناك عدة خطوات ينبغي اتباعها، وعلى رأسها إعادة النظر في شكل التعليم السينمائي، سواء على مستوى الجامعة أو الدورات. فمن الصعب النهوض بصناعة سينما من دون تأسيس مهني وأكاديمي جيد، والأهم من ذلك هو صناعة حالة نقاش وتذوق عامة توفرها هذه المؤسسات التعليمية، وأيضا ضرورة إنشاء صندوق لدعم التجارب السينمائية الجديدة وتوفير بيئة إنتاجية مشجعة وآمنة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.