لماذا لا يصدق المصريون المؤشرات الرسمية للتضخم؟

Egyptians shop at a vegetables market in Cairo, Egypt, 18 August 2016. Egyptian consumer goods prices have increased between 50 to 100 percent in Egypt among rumors that the Central Bank of Egypt will be devaluating the Egyptian pound against the US dollar.
حساب معدل التضخم حسب القانون المصري وغير مسموح لأي جهة غير حكومية (الأوروبية)

خلال السنوات الأخيرة لحكم الرئيس حسني مبارك وفي ميدان العتبة بالقاهرة حيث تنتشر العديد من الأسواق الشعبية للملابس والأحذية والأجهزة المنزلية وغيرها، وقف مراسل إحدى الفضائيات ممسكا بالميكروفون وأمامه مصور يحمل كاميرا ضخمة على كتفه ليستوقف أحد المارة سائلا عن رأيه في ارتفاع معدلات التضخم، لكن الدهشة والحيرة تملكت الرجل للحظات انصرف بعدها لشأنه، ومع إيقاف شخص ثان وثالث، وتكرار نفس السؤال، كان نفس رد الفعل.

وأدرك المراسل أن هناك مشكلة في التواصل مع الجمهور فغير صيغة سؤاله إلى "إيه رأيك في ارتفاع الأسعار" وهنا وجد اندفاعا من قبل الجمهور في الشكوى واستعراضا للأمثلة لتلك الارتفاعات السعرية، وعدم تناسبها مع الدخول، ليتضح أن معنى لفظ التضخم لم يكن معروفا لدى الجمهور البسيط من المواطنين.

وذكرت أن تلك اللقطة قد حدثت بعهد مبارك، لأنه منذ النصف الثاني من عام 2013 أصبح دخول كاميرا تلفزيونية إلى أحد الأسواق لسؤال الناس عن الأسعار أمرا محفوفا بالمخاطر، حيث يتم الإمساك بحامل الميكروفون والمصور والذهاب بهما إلى أقرب قسم شرطة وهناك يتم التأكد من الجهة التي يعملان بها، فإذا كانت حكومية يتم إطلاق سراحهما أما إذا كان غير ذلك فالاحتجاز مصيرهما.

الاكتفاء بأسعار الجملة دون التجزئة

أدركت الصحف والمواقع الإلكترونية سواء الحكومية أو الخاصة مدلول ذلك، فامتنعت عن التوسع في متابعة التغيرات السعرية للسلع واكتفى بعضها بعرض أسعار سوق الجملة للخضر والفاكهة والأسماك، وهي أسعار تختلف تماما عما يجده المستهلكون بأسواق التجزئة، وكلما زادت موجات زيادة الأسعار زاد تجنب التعرض لها، على اعتبار أن تناول قضية ارتفاع الأسعار يعد انتقاصا من إنجازات النظام الحاكم.

وازداد هذا التجنب خاصة مع عتاب الحاكم المصري لوسائل الإعلام على تناولها زيادة سعر طبق البيض، خلال حديثه بالمؤتمر الاقتصادي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ولذلك فإن من يريدون تناول الأسعار من المواقع الإلكترونية الخاصة فإنهم يستندون إلى ما يرد بموقع مركز معلومات مجلس الوزراء عن الحد الأدنى والأعلى لأسعار السلع، لإيثار السلامة والبعد عن الذهاب إلى الأسواق الشعبية.

ومع عزوف وزير التموين عن الحديث بالفضائيات فقد دفعني تحدثه، لإحدى الفضائيات التابعة لجهة سيادية، إلى سماع وجهة نظره فيما يحدث بالأسواق، وتخلل حديثه سؤال عدد من المواطنين عن رأيهم في الأسعار، فأشادوا بالأسعار التي تعرضها المجمعات الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين، ووجدت منهم إشادة بما تقوم به الدولة بشكل مبالغ فيه، واستمر لقاء نفس الأشخاص على فترات لسؤالهم عن إجراءات مختلفة تقوم بها الوزارة.

فوجدت منهم تدفقا في الردود التي تنم عن متابعة لتفاصيل فنية بتلك القرارات، وذكرهم معلومات لا أعرفها رغم متابعتي للملف التمويني، وهنا أدركت أن هؤلاء إما موظفون بجهات تابعة للوزارة، أو تم توزيع الأسئلة والإجابات عليهم من قبل من قاموا بتصويرهم! وهي أمور يكشفها المشاهد بسهولة، بسبب التمادي في المدح وضعف المصداقية، الأمر الذي ينعكس على مصداقية البرنامج لديهم وربما القناة، والذي يدفعهم إلى سرعة ضغطهم على الريموت كنترول لتغيير القناة.

تساهم الصحف في توسيع الفجوة بين الجمهور وأرقام التضخم، حيث تنشر في العناوين رقم التضخم الشهري، والذي يكون بالطبع رقما منخفضا لقصر مدة قياس التغير خلاله، وتضع المؤشر السنوي للتضخم نظرا لكبره داخل متن الأخبار لعدم إغضاب السلطات

جهة حكومية وحيدة لحساب التضخم

إذا كان تعريف التضخم ببساطة أنه الارتفاع العام بالأسعار، فإن طريقة حساب ذلك الارتفاع، لأسعار السلع والخدمات، تتم حسب القانون المصري من خلال جهة حكومية هي الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التابعة لوزارة التخطيط، وغير مسموح لأية جهة أخرى بحساب معدل التضخم سوى تلك الجهة، حتى لو كانت إحدى كليات التجارة التابعة لإحدى الجامعات الحكومية أو أحد المراكز البحثية الاقتصادية الرسمية.

ويقوم الموظفون التابعون لجهاز الإحصاء بالمرور على الأسواق بالقرى والمدن من بداية الشهر إلى يوم 28 منه لمتابعة التغير بالأسعار، وهناك عدد من السلع شائعة الاستهلاك ودائمة التغير لأسعارها يتم رصد تغيراتها أسبوعيا، بحيث يتم إعلان رقم مؤشر الرقم القياسي لأسعار المستهلكين في أنحاء البلاد باليوم العاشر من الشهر التالي لشهر البيان.

ويتم إعلان رقم قياسي سنوي وآخر شهري يقيس التغيرات التي حدثت بأسعار السلع والخدمات خلال تلك الفترة، حيث يقيس الرقم السنوي التغيرات التي حدثت ما بين شهر البيان بالمقارنة لنفس الشهر بالعام السابق، ويقيس الرقم الشهري التغير ما بين شهر البيان والشهر السابق له.

ولكنه مع إعلان الرقم القياسي لأسعار المستهلكين خاصة السنوي، والذي يطلق عليه الكثيرون مجازا معدل التضخم أي النسبة التي زادت بها الأسعار خلال العام السابق لشهر البيان، لا يجد ذلك المؤشر قبولا سواء لدى المتخصصين أو العوام الذين يرون أنه أقل مما يعانون منه من ارتفاعات سعرية.

وتلك المصداقية الضعيفة لها ما يبررها، حيث يتم حساب مؤشر أسعار المستهلكين الرسمي من خلال جمع بيانات 958 سلعة وخدمة، وبالتالي فإن التغيرات السعرية التي تحدث بتلك السلع والخدمات في بسط النسبة يتم قسمتها على مقام النسبة المكون من 958 سلعة وخدمة، وهو المقام الذي يتضمن كثيرا من السلع التي يتم تسعيرها من قبل الحكومة، ولهذا تظل أسعارها فترات ثابتة مثل الخبز البلدي المدعم، وأسعار الأوتوبيسات العامة والقطارات والسجائر المحلية والمنتجات البترولية، وكذلك إيجارات المساكن القديمة، مما يجعل الرقم الناتج عن القسمة قليلا.

الزعم بإنفاق 36% من الدخل على الطعام

نظراً لأن عموم الناس خاصة الفقراء -الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان- لا يستهلكون كل تلك السلع والخدمات، ويتركز استهلاكهم في عدد أقل من السلع والخدمات والتي يرون أن نسب الزيادة بها كانت أعلى ما جاء به مؤشر أسعار المستهلكين، فإنهم لا يصدقون النسبة الرسمية للتضخم.

ولنُعطِ مثالا خلال يناير/كانون الثاني الماضي، حيث أظهرت البيانات التفصيلية لحساب التضخم، داخل جهاز الإحصاء، أن نسب الزيادة بالأسعار عن نفس الشهر من عام 2021 بأسعار دقيق القمح كانت 98%، المكرونة 91%، الدواجن 89%، البصل 86%، زيت الطعام الحر 85%، العدس 79%، الجبن 70%، الأرز 65%، البيض 64%، الفول 57%، الأسماك الطازجة والسكر الحر 55%، الشاي 51%، اللبن الحليب 48%. بينما يجدون أن الرقم القياسي لأسعار المستهلكين السنوي خلال الشهر كان 26.5%.

ويتصل بذلك أن جهاز الإحصاء وهو يتابع التغيرات في 958 سلعة خدمية قد قسمها إلى 12 قسما، وأعطى لكل قسم وزنا نسبيا، حيث أعطى لقسم الطعام والشراب 35.9%، المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود 18%، الرعاية الصحية 9%، النقل والمواصلات 6%، الملابس والأحذية 4.7%، المشروبات الكحولية (الخمور) والدخان 4.6%، التعليم 4.4%، المطاعم والفنادق 4.3%، الأثاث والتجهيزات المنزلية والصيانة 4.1%، الاتصالات 2.3%، السلع والخدمات المتنوعة 4.5%.

من هنا فمهما كانت نسبة زيادة أسعار الطعام فإن وزنها النسبي في الإنفاق حسبما يرى جهاز الإحصاء أقل من 36% من مجمل الإنفاق، مما يقلل من تأثيرها على الرقم الإجمالي للتضخم،  بينما يشير الواقع العملي والكتابات الاقتصادية، سواء بالبلدان النامية أو بمصر، أن الإنفاق على الطعام تزيد نسبته لدى الفقراء من مجمل الإنفاق لديهم، حتى أنها يمكن أن تصل إلى أكثر من 70% من مجمل إنفاقهم.

ويتدنى أو يتأجل إنفاقهم على بعض البنود مثل الملابس والأحذية والتجهيزات المنزلية والترفيه، بل حتى الرعاية الصحية أحيانا، حتى يمكن أن يلاحقوا الزيادات في أسعار الطعام، ومن هنا لا يتسق واقع الحال لدى غالبية المصريين، من الشرائح الدنيا وحتى المتوسطة، مع التوزيع النسبي للإنفاق على أقسام السلع والخدمات التي يتعامل بها جهاز الإحصاء.

مؤشر المركزي يستبعد الخضر والفاكهة

ويرى علماء الاقتصاد أن لكل شخص سلة مختلفة من السلع والخدمات التي يستهلكها، وبالتالي فإنه يحتاج إلى رقم قياسي خاص به لحساب نسبة التضخم الخاصة به، فعلى سبيل المثال هناك حوالي 35 مليون مواطن لا يحصلون على الخبز البلدي المدعم والبالغ سعره 5 قروش، وهؤلاء يشترون خبزا من الأسواق يبدأ سعره من 1.5 جنيه فأكثر، وبالتالي فإن إنفاقهم على الخبز سيختلف عمن يحصلون على الخبز المدعم، سواء كان يكفيهم أم يشترون بجانبه كمية من الخبز غير المدعم.

ويتكرر ذلك في العديد من النواحي، فمن يستقلون حافلات النقل العام، خلال توجههم اليومي إلى أعمالهم، سيكون إنفاقهم أقل ممن يستقلون سيارات الميكروباص الأعلى سعرا. ومن يسكنون بنظام الإيجارات القديمة بقيمتها الزهيدة، يختلفون عمن يسكنون بنظام الإيجارات الجديدة الذين يدفعون مبالغ أكبر. ومن يلتحق أولادهم بالمدارس الحكومية سيختلف إنفاقهم عن الملتحقين بالمدارس الخاصة، وكذلك عن الملتحقين بالمدارس الدولية في الإنفاق على التعليم، وهو ما يتكرر بالصحة، فمن يتعاملون مع الوحدات الصحية بالريف يختلفون عمن يتعاملون مع العيادات الخاصة أو مع المستشفيات الخاصة.

وفي فترة الرئيس مبارك وسعيا نحو مؤشر منخفض للتضخم يتداوله المسؤولون خلال تصريحاتهم محليا وخارجيا، قام البنك المركزي بإعداد مؤشر للتضخم يسمى الأساسي، يعتمد على بيانات مؤشر جهاز الإحصاء، لكنه استبعد منها السلع التي يتم تسعيرها إداريا أي المسعرة  جبريا، كما استبعد الخضر والفاكهة باعتبار أن تغيرات أسعارها متسارعة، لكن الخضر والفاكهة تمثل جانبا كبيرا وأساسيا من إنفاق عموم المصريين مما جعله غير معبر عن الواقع المصري.

وأيضاً تساهم الصحف في توسيع الفجوة بين الجمهور وأرقام التضخم، حيث تنشر في العناوين رقم التضخم الشهري، والذي يكون بالطبع رقما منخفضا لقصر مدة قياس التغير خلاله، وتضع المؤشر السنوي للتضخم نظرا لكبره داخل متن الأخبار لعدم إغضاب السلطات، ولأن الكثيرين من الجمهور يكتفون بقراءة عناوين الأخبار خاصة الاقتصادية، فإن انطباعهم السلبي عن أرقام التضخم الرسمية يترسخ.

ومن هنا فقد لجأ عموم المصريين منذ عقود إلى مقاييس شعبية سهلة لقياس التغير بأسعار السلع، منها سعر اللحوم حيث يقيسون تغيرات الأسعار بما حدث من تغيرات لسعر كيلو اللحم، ويقيس آخرون بتغير سعر صرف الدولار عبر السنوات المختلفة، ويستند غيرهم إلى سعر طبق الكشري أو ساندوتش الفول والطعمية أو سعر البيض، كمقاييس سهلة ومعروفة لديهم، ويمكن من خلالها مقارنة تغيرات الأسعار خلال عدد كبير من السنوات، بخلاف مؤشر التضخم الذي يقيس التغير بالأسعار خلال عام واحد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.