هل يحكم ترامب أميركا من السجن؟

الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب (الأوروبية)

"لا أحد فوق القانون"، تتكرر هذه العبارة في الولايات المتحدة دائما عند توافر شكوك في ارتكاب أحد كبار المسؤولين أو أفراد عائلاتهم مخالفات أو جرائم يحاسب عليها القانون.

إلا أن المبدأ القانوني وسيادة القانون نفسها تخضع لاختبار عسير على يد الرئيس السابق دونالد ترامب؛ فمع زيادة المتاعب القانونية التي يواجهها ترامب، أصبح سيناريو إدانة الرئيس السابق، والمرشح للرئاسة في انتخابات 2024، وسجنه؛ تشغل بال كثير من الأميركيين.

لكن المثير في الوقت ذاته أن الدستور الأميركي لا يمانع أن يترشح ترامب ويخوض حملته الانتخابية، بل ويمكن في حال فوزه أن يحكم من وراء القضبان. وأكد عدد من خبراء القانون الدستوري الأميركي عدم وجود ما يمنع ترشح ترامب لانتخابات 2024، حتى لو تمت إدانته، أو حتى لو كان يقضي عقوبة السجن.

دستور الولايات المتحدة لا يمنع المجرمين المدانين من متابعة أو شغل مناصب منتخبة، بما في ذلك الرئاسة

ولا يمكن للرئيس الأميركي العفو عن نفسه، ولا يمكنه كذاك العفو عن جرائم غير فدرالية، ويواجه ترامب احتمال الإدانة في جريمتين في ولاية نيويورك، وفي ولاية جورجيا. ويواجه ترامب مخاطر قانونية جادة في عدة قضايا، منها تحقيقان جنائيان، أولهما يتعلق بتدخله لتغيير نتائج انتخابات 2020 في ولاية جورجيا، والآخر يرتبط بتهم وجرائم مالية في مخالفة لقانون تمويل الحملات الانتخابية.

وتدور القضية حول إذا كان ترامب قد تستر بشكل غير قانوني على مبلغ 130 ألف دولار دفعها محاميه السابق مايكل كوهين إلى ستورمي دانييلز لالتزام الصمت على علاقة جنسية سابقة مزعومة قبل انتخابات عام 2016. ويمكن أن تمثل هذه الحادثة انتهاكا لقانون تمويل الحملات الانتخابية.

وفي ولاية جورجيا، يشير نائبها العام إلى وجود تسجيلات لترامب يطالب فيها بتزوير نتائج انتخابات الولاية لصالحه، بدلا من جو بايدن الفائز بها.

من هنا، تستعد المؤسسات السياسية والقانونية الأميركية لاختبار متطرف لديمقراطيتها العتيدة، مع احتمال أن يتعرض الرئيس السابق دونالد ترامب للإدانة الجنائية، وتزايد احتمال أن يتم الحكم علية بقضاء عقوبة السجن.

ومن شأن توجيه الاتهام أن يختبر مرة أخرى حقيقة قوة وهيمنة ترامب على الحزب الجمهوري، إذ يخشى معظم المشرعين والمسؤولين الجمهوريين من أنهم ملزمون باسترضاء ترامب من أجل الحفاظ على حياتهم ومستقبلهم السياسي. ومن شأن إدانة ترامب وسجنه زيادة الحماس وسط القواعد الشعبية الواسعة المؤيدة له، وهو ما يزيد حظوظ فوزه في الانتخابات القادمة.

مما يؤكد قبضة ترامب القوية على قاعدة الحزب الجمهوري أن منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي دفع العديد من منتقديه الجمهوريين إلى الاصطفاف بجانبه. وقال نائب الرئيس السابق مايك بنس -الذي يفكر في منافسة ترامب على الترشح عام 2024- "يبدو الأمر كأنه محاكمة مشحونة سياسيا هنا. وأنا من ناحيتي أشعر بأن هذا ليس ما يريد الشعب الأميركي رؤيته".

وستكون لتوجيه الاتهام لترامب تداعيات خطيرة؛ فهي المرة الأولى التي يتم توجيه اتهام جنائي إلى رئيس سابق على مدار التاريخ الأميركي. ويؤمن أنصار ترامب بأن ذلك يعد ترصدا جديدا بترامب بعد فشل عزله مرتين أثناء سنوات حكمه الأربع.

في حين يرى بعض القانونيين أنه حتى لو كانت القضايا المرفوعة ضد ترامب مبررة قانونا، فإن المدعين العامين في نيويورك -وكذلك في جورجيا- يواجهون لحظة محفوفة بالمخاطر ومجهولة العواقب.

وما يزيد من خطورة الوضع أن ترامب أعلن بالفعل ترشحه للانتخابات، وبدأ بالفعل الظهور في فعاليات انتخابية وحشود جماهرية. وبدأ ترامب تكرار سردية تعرضه للاضطهاد، كما أنه يعد برئاسة "الانتقام" من خصومه إذا فاز بالمكتب البيضاوي مرة أخرى.

ويسعى ترامب إلى تصوير الملاحقات القضائية ضده على أنها أسلحة ذات دوافع سياسية للعدالة، وهو ما يمثل تحديا جديدا للرئيس جو بايدن، خصمه السابق وربما المستقبلي في الانتخابات العامة.

في سياق آخر، من المحتمل أن تؤدي لائحة الاتهام إلى قلب الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الجمهوري لعام 2024 رأسا على عقب. ولم يعلق حاكم فلوريدا رون ديسانتيس -المرشح الجمهوري المحتمل- على موقف يضعه في معضلة مريبة. لكن لديسانتيس مصلحة قوية في منع الحملة التمهيدية لعام 2024 من التركيز حصريا حول تصوير ترامب نفسه على أنه "شهيد سياسي".

يؤمن كثير من الجمهوريين بأن الوقت قد حان للانتقال من الدراما والفوضى والمعضلات القانونية التي يسببها سلوك ترامب باستمرار، وطوي هذه الصفحة التي كلفت الحزب فقدان أغلبية سهلة بمجلسي الكونغرس خلال الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. إلا أن توجيه لائحة اتهام سيزيد الجدل حول إذا كانت شخصية ترامب وجاذبيته السياسية قد تضررت لدرجة أنه لا يمكن أن يفوز في الانتخابات العامة.

وخلال الأسابيع الأخيرة، وسع ترامب تقدمه على حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، المنافس الأهم على بطاقة الحزب الجمهوري لانتخابات عام 2024. وحصل ترامب على دعم 46%، مقارنة بـ32% لديسانتيس، مع العلم أن ديسانتيس لم يعلن رسميا خوضه سباق الانتخابات الرئاسية بعد.

قبل 100عام، لم يمنع وجود يوجين دبس في السجن ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 1920، رغم وجوده في سجن فدرالي بمدينة أتلانتا بولاية جورجيا

أخذت فرضية قيام الرئيس بالحكم من السجن الكثير من حيز النقاش، خاصة مع توقع فوز ترامب بترشيح الحزب الجمهوري. ويجمع خبراء القانون الدستوري على إمكانية ترشح ترامب، وحتى الفوز رغم إدانته. ولكنه قد يضطر إلى ممارسة واجباته من مكان غير البيت الأبيض، وهو السجن في هذه الحالة.

ويقول خبير القانون الدستوري بجامعة "هارفارد" آلان ديرشوفيتز إنه يتوقع توجيه الاتهام إلى ترامب وإدانته في مدينة نيويورك بسبب ما عدّه "النظام القانوني غير العادل". وأضاف أيضا أن الرئيس السابق لا يزال بإمكانه الترشح للرئاسة وحتى الخدمة في منصبه من السجن إذا أدين.

ولا يمنع دستور الولايات المتحدة المجرمين المدانين من متابعة أو شغل مناصب منتخبة، بما في ذلك الرئاسة. ومع ذلك، فإن التعديل الدستوري رقم 14 مكّن الكونغرس من تمرير القوانين التي تمنع الأفراد الذين شاركوا في تمرد ضد البلاد من شغل مناصب، رغم أن البعض قال إن هناك مجالا لترامب لمحاربة هذا الاحتمال، إضافة إلى استحالة موافقة مجلس النواب ذي الأغلبية الجمهورية على مثل هذا الاقتراح.

ويحدد الدستور شروطا حصرية تتضمن 3 مؤهلات للرئيس؛ أولها ألا يقل عمره عن 35 سنة، وأن يكون أميركيا عند مولده، وأن يكون أقام 14 عاما داخل الأراضي الأميركية. وتنطبق على ترامب الشروط الثلاثة التي لن تغيرها محاكمة أو إدانة الرئيس وسجنه.

وسبق أن رأت المحاكم أن فرض شروط إضافية خارج تلك المنصوص عليها في الدستور أمر غير مسموح به.

وقبل 100 عام، لم يمنع وجود يوجين دبس (زعيم اشتراكي وعمالي معروف أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20) في السجن ترشحه للرئاسة عام 1920، رغم وجوده في سجن فدرالي بمدينة أتلانتا بولاية جورجيا.

وحصل دبس على 913 ألف صوت، أي 3.4% من إجمالي أصوات الناخبين، التي ذهبت بأغلبية ساحقة للجمهوري وارن هاردينغ الذي فاز بهامش ساحق بنسبة 60% على المنافس الديمقراطي جيمس كوكس.

وكان هذا الزعيم الاشتراكي يقضي عقوبة سجن تبلغ 10 سنوات بدأت عام 1918 بسبب التحدث علنا عن تورط أميركا في الحرب العالمية الأولى، خاصة لتثبيط الرجال عن التعاون مع التجنيد العسكري.

وتعهد ترامب في السابق بمواصلة حملته الرئاسية لعام 2024، حتى لو تم توجيه الاتهام إليه، ولكن ترامب لم يتحدث عن إمكانية حُكم الولايات المتحدة من السجن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.