عام على الحرب في أوكرانيا (4) | هل ستتوقف الحرب؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي المصدر: رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)

بعد أن استعرضنا المحاور الثلاثة الرئيسية التي هيمنت على الخطاب المكثّف لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بمناسبة مرور عام على حربها في أوكرانيا ضد إدارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهي محور كل من أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة، بدا واضحًا أن مدى تعقيد وصعوبة الموقف السياسي والعسكري الراهن، لا يشير إلى أي نهاية قريبة لهذه الحرب.

إن نظرة سريعة لتقرير وزارة الدفاع الأميركية حول الدعم العسكري الذي ضخّته في العام الأول من هذه الحرب، إضافة إلى الدعم الألماني والبريطاني على وجه الخصوص، تجلّي لنا حجم كثافة النيران التي تشهدها ساحة المعركة ضد القوات الروسية، ومستوى تطور الأسلحة والمعدات التي تستخدمها ضدها، مما لم تشهده روسيا في حروبها السابقة منذ الحرب العالمية الثانية. العالم كله يتابع بلهفة شديدة تطورات الحرب في أوكرانيا، وهي في غاية القلق مما يمكن أن تؤول إليه. فإلى أين تتجه هذه الحرب؟ وما السيناريوهات المستقبلية المتوقعة لها؟

لا يوجد أي بصيص أمل في توقّف الحرب في العام الجاري، وهذا يعني أنها ستتجه إلى مزيد من التصعيد في المعدات والأساليب، وإلى مزيد من الخسائر البشرية واللوجستية دون أن يتمكن أي طرف من حسمها لصالحه

مما يزيد من تعقيدات هذه الحرب، أنها أصبحت مصيرية لجميع الأطراف المشتركة فيها، روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا والدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا وبريطانيا، وأصبح من المحتم على كل طرف من هذه الأطراف أن يخرج منتصرا ليتمكن من تحقيق أهداف مشاركته فيها، وتبرير الخسائر والتضحيات التي قدمها من أجلها، وهي تضحيات وخسائر هائلة، لا يمكن غفرانها دون انتصار، ولا يمكن تجاوز نتائجها وآثارها المستقبلية في كافة المجالات، وعلى كافة الأصعدة والمستويات.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة

في ضوء مواقف الأطراف المشتركة في الحرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، ولاستشراف مستقبل هذه الحرب، نستعرض السيناريوهات الرئيسية المحتملة التي قد تنتهي إليها، ومرتكزات كل منها، وهي على النحو التالي:

السيناريو الأول: توقّف الحرب

يتعامل هذا السيناريو مع مدى إمكانية حدوث متغيّرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، قد تدفع أطراف الحرب الرئيسية -أحدها أو جميعها- إلى إعلان إيقاف الحرب في وقت قريب، قبل نهاية عامها الثاني على أبعد تقدير. ويتحقق هذا السيناريو عادة بحدوث أحد الاحتمالات التالية:

أولا: انطلاق مفاوضات سياسية ناجحة بين أطراف الحرب، تحت إشراف الأمم المتحدة، أو بوساطة خارجية. وهذا الاحتمال مستبعد الحدوث للأسباب التالية:

  • تمسك كل طرف من أطراف الحرب بمطالبه، ورفضه تقديم أي تنازلات من أي نوع، حيث تصرّ روسيا على حقها في الأراضي الأوكرانية وحقها في تأمين حدودها، وعلى رفض هيمنة الولايات المتحدة والغرب على النظام الدولي، وتصرّ أوكرانيا على بسط سيادتها على كامل الأراضي الأوكرانية، بما فيها جزيرة القرم، وعلى حقها في الدخول في التحالفات الأمنية التي تناسبها، كما تصرّ الولايات المتحدة، ومن ورائها حلفاؤها وشركاؤها، على دعم أوكرانيا في بسط سيادتها واستقلال قرارها، وعلى إخضاع روسيا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وإيقاف تهديدها للأمن والاستقرار الدوليين والنظام الدولي القائم على القواعد.
  • لا تستطيع الأمم المتحدة إجبار أطراف الحرب على إيقافها.
  • اتساع المسافة بين مطالب أطراف الحرب، وعدم وجود أي فرصة لالتقائها، وعدم وجود أي أرضية مستقرة وثابتة تصلح لإنجاح أي مبادرة للوساطة الخارجية بين أطراف الحرب.
  • ادعاء كل طرف من أطراف الحرب بأن التفوق فيها والسيطرة على ميدان المعركة هو لصالحه، وأن النصر حليفه.
  • حرص الولايات المتحدة وحلفائها على تغذية الحرب حتى تتحقق لهم أهدافهم.

ثانيا: إعلان إيقاف الحرب من طرف واحد دون شروط، من جانب روسيا أو أوكرانيا. وتروّج الولايات المتحدة وحلفاؤها حاليا لفكرة أن إيقاف الحرب بيد الرئيس بوتين، فهو الذي بدأها، وهو القادر على اتخاذ قرار إيقافها والانسحاب غير المشروط من الأراضي الأوكرانية. وهذا الاحتمال مستبعد الحدوث كذلك للأسباب التالية:

  • أن هذا الإعلان لن يحدث من الطرف الروسي، فهو يمثل بالنسبة للرئيس بوتين نهايته السياسية، ونهاية نظامه. وهذا يعني تلقائياً إحلال نظام سياسي جديد في روسيا، منسجم مع القيم الغربية وخاضع للهيمنة الأميركية والنظام الدولي القائم على القواعد. وسيترتب على ذلك خسارة روسيا لمكانتها كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية كبرى مؤثرة في الساحتين الإقليمية والدولية. وهذا ما لن يسمح به بوتين على الإطلاق.
  • أن هذا الإعلان لن يحدث من الطرف الأوكراني مهما طال الوقت وبلغت الخسائر والتضحيات، لأن ذلك يعني سقوط أوكرانيا بيد الجيش الروسي، ومجيء حكومة أوكرانية موالية تنهي التاريخ السياسي للرئيس الأوكراني ونظامه. وهذا سيدفع الرئيس الأوكراني إلى المزيد من التشدد في المواقف السياسية والتصعيد العسكري، وتطوير القدرات القتالية للجيش الأوكراني.
  • أن إعلان إيقاف الحرب من الطرف الأوكراني يعني كذلك إنهاء المشروع الغربي في أوكرانيا، ووصول الناتو إلى الحدود الروسية، وإنهاء أهداف الولايات المتحدة في إخضاع روسيا، ومن ورائها الصين، للقيم الغربية والنظام الدولي القائم على القواعد. ومن هنا شددت إدارة الرئيس الأميركي بايدن على التزام الولايات المتحدة، بحزبيها الديمقراطي والجمهوري، بالوقوف إلى جانب أوكرانيا حتى تحقيق النصر مهما طال الوقت، وحثّت الجيش الأوكراني والشعب الأوكراني على الصمود والاستبسال في المعركة حتى تحقيق النصر مهما بلغت التضحيات.

تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على إنهاء الحرب عن طريق إحداث اضطرابات داخل روسيا تؤدّي إلى التخلّص من الرئيس بوتين ونظامه، وخفض تكلفة الحرب ومنع توسيعها خارج أوكرانيا، أو انتقالها إلى حرب غير تقليدية يستخدم فيها بوتين أسلحة دمار شامل تكتيكية للسيطرة على أوكرانيا

ثالثا: حدوث اضطرابات عسكرية واقتصادية وشعبية داخل روسيا بسبب ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف الجيش وطول أمد الحرب وارتفاع تكلفتها دون تحقيق نصر حاسم كما كان متوقعا، مما قد يؤدي إلى ردة فعل شعبية تنتهي بسقوط نظام الرئيس بوتين. وهذا الاحتمال هو الأقرب والأسهل والأقصر الذي تسعى إليه الولايات المتحدة والدول الغربية سياسيا وعسكريا وإعلاميا، وتعوّل عليه لإنهاء الحرب وخفض تكلفتها ومنع توسيعها خارج أوكرانيا، أو انتقالها إلى حرب غير تقليدية تضطر بوتين إلى استخدام أسلحة دمار شامل تكتيكية للسيطرة على أوكرانيا، وتسعى الولايات المتحدة والدول الغربية إلى ذلك باللجوء إلى ما يأتي:

  1. عزل روسيا دوليا، ونبذها ووصمها بأقذع الصفات، واتهامها بزعزعة الاستقرار الدولي والتمرد على الشرعية الدولية والنظام الدولي القائم على القواعد.
  2. تحريك منظمات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ضد روسيا والرئيس بوتين.
  3. تكبيد الجيش الروسي خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات.
  4. تزويد الجيش الأوكراني بأحدث الأسلحة التقليدية التي أنتجتها المصانع الحربية الغربية، وزيادة قدرته على الردع.
  5. إقناع الشعب الروسي والعالم بأن هذه الحرب هي حرب الرئيس بوتين، وليست حرب الشعب الروسي.
  6. تصعيد الحرب النفسية ضد أفراد الجيش الروسي، وبث أخبار ومعلومات كثيرة لإضعاف الدافع القتالي لديهم، من قبيل المبالغة في عدد القتلى في صفوف الجيش الروسي، وعجزه عن تحقيق تقدم في المعركة، وإقناعه بأن بوتين يدفع روسيا لمواجهة الولايات المتحدة والغرب دون مبرر، والحديث عن حدوث صراع بين قيادة وزارة الدفاع الروسية وقوات فاغنر، وحدوث صدامات بين قواتهما في ميدان المعركة، وكذلك الحديث عن زيارة أشخاص مقنعين للمدارس الثانوية الروسية لإقناع الطلاب بالالتحاق بصفوف الجيش، الذي تمعن الولايات المتحدة والغرب في اتهامه بارتكاب جرائم إنسانية في حق المدنيين، واغتصاب النساء واختطاف الأطفال الأوكرانيين ونقلهم إلى روسيا.
  7. التهديد بجمع المعلومات ومحاكمة المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم والانتهاكات أمام محكمة الجنايات الدولية.
  8. تشديد العقوبات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية على الأفراد والشركات.

ورغم المنطقية التي يتسم بها هذا الاحتمال، فإن حدوثه في العامين القادمين على الأقل غير ممكن إذا استمر إيقاع المعارك على النحو القائم حاليا، فالرئيس بوتين يتابع جيدا هذه التفاصيل، ويعمل على مواجهة آثارها، وتعبئة الشعب الروسي والجيش الروسي لصالح الحرب، باعتبارها حربا قومية مفصلية ضد الغرب الذي يسعى إلى تقويض مكانة روسيا الإقليمية والدولية، وتهديد مصالحها المستقبلية.

وترتفع إمكانية حدوث هذا الاحتمال إذا تجاوزت الحرب عامها الثالث، وفشلت إدارة بوتين في السيطرة على كامل أوكرانيا، وليس المقاطعات الشرقية فحسب، حيث سيبدأ الوضع داخل روسيا في الغليان ضد الرئيس بوتين، وتزداد شراسة موقف الولايات المتحدة وحلفائها ضده سياسيا وعسكريا.

وفي خلاصة هذا السيناريو، فإنه لا يوجد أي بصيص أمل في توقّف الحرب في العام الجاري، وهذا يعني أنها ستتجه إلى مزيد من التصعيد في المعدات والأساليب، وإلى مزيد من الخسائر البشرية واللوجستية دون أن يتمكن أي طرف من حسمها لصالحه.

(يتبع.. السيناريو الثاني: استمرار الحرب)

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.