الحكاء (41) | ليلة القبض على الرئيس

رئيس البوسنة الراحل علي عزت بيغوفيتش (رويترز)

(1)

خُطِف رئيس الدولة، وحُجز في غرفة صغيرة، إلا أن نجاته كانت مدهشة. أربعة حراس في أركان غرفته، وهاتف عتيق يعتلي الطاولة، يدق فجأة، يخطف السماعة ويصيح في المواطنة المتصلة، أبلغي شعبي أني قيد الحبس.

(2)

كان الربيع قد بدأ يحل على استحياء. لم تكن البوسنة والهرسك تتخيل أن صيفها الذي تنتظره سيكون بهذه السخونة، يهاجمها الجيش اليوغسلافي الذي يسيطر عليه الصرب مدنها، ويحاصر عاصمتها.

تتدخل المجموعة الأوروبية داعية إلى مفاوضات بين أطراف الأزمة في لشبونة، تَعِدُ الرئيس البوسني بالأمان: "سوف تصحبك ناقلاتنا من مدينتك المحاصرة إلى مطارها، تحميك ووفدك في الذهاب والإياب".

يخبرهم علي عزت بيغوفيتش أنه لن يشارك في المفاوضات ما لم توقف القوات الصربية هجومها على عاصمة بلاده. يستجيب المعتدي لطلبه، وما إن يصل لشبونة، ويبدأ المحادثات إلا ويعاود الصرب هجومهم، فيقرر الانسحاب من المفاوضات والعودة إلى سراييفو.

"سيدتي، أنا علي عزت بيغوفيتش، رئيس الدولة، موجود في المطار، بعد أن أسرتني قوات الجيش اليوغسلافي، أرجوكِ اتصلي فورًا بالرئاسة وبالتلفزيون وأبلغيهم بالأمر".

يتوجّه إلى طائرة المجموعة الأوروبية هو ووفده المكوّن من ابنته المترجمة سابينا، ورئيس الحكومة البوسنية، وفرد من الحرس الخاص، وذلك في اليوم الثاني من الشهر الخامس لعام 1992.

تتوقف الطائرة قليلًا في روما للوقود، ثم تنطلق لتستكمل مسارها. تقترب من سراييفو، وإذا بقائد الطائرة يبلغ الرئيس أن المطار الواقع تحت احتلال الجيش اليوغسلافي أو بالأحرى الصربي، لا يرد على اتصالاته، ويخيّره بين الهبوط في العاصمة الصربية بلغراد، أو العاصمة الكرواتية زغرب.

يفكر الرئيس قليلًا ثم يختار زغرب، لعلها أقل حماقة من بلغراد، وما إن تحول الطائرة اتجاهها حتى يعود الصرب فيتصلوا بقائد الطائرة ليبلغوه أنَّ المطار جاهز لاستقباله، وكأنهم يخشون أن يفقدوا صيدهم.

(3)

كان المطار حينها قديمًا، مثالا للأبنية الشيوعية الكئيبة، مغلقا ولا يستقبل أي طائرات، خاليا إلا من جنود الجيش اليوغسلافي المحتل، منقطعا عن العالم كله لإحكام الحصار على سراييفو.

تهبط الطائرة، يطل "علي" من نافذتها، فلا يرى غير دبابات قد وجهت فوهاتها إلى طائرته، لا وجود للقوات الأوروبية، ولا لناقلاتهم ولا لوعودهم بتأمين عودته ووفده إلى بلاده.

تنظر سابينا هي الأخرى من نافذة الطائرة، فترى رجلًا مدنيًّا في بدلة رمادية، تتخيل أنه نفس الرجل من المجموعة الأوروبية الذي رافقهم إلى المطار في رحلة ذهابهم. تبلغ والدها، فيقول: "آه، إنه إذن دويل من المجموعة الأوروبية. جيد، فهذا يعني أنهم جاؤوا لاصطحابنا، فلنخرج".

يهبط مع فريقه، يلتف العسكر حوله، يقتادونه وفريقه إلى غرفة صغيرة بائسة، والرجل المدني الذي كان بصحبتهم، إنما هو مدير المطار الذي عيّنه الصرب.

يجلسونهم حول طاولة تتوسط الغرفة، ويختار قائد المطار أربعة من جنوده ليوزعهم على زوايا الغرفة الأربع، وقد هيؤوا أسلحتهم لوضع الإطلاق، ووجهوها في مشهد مسرحي إلى الرئيس ووفده.

يطلب بيغوفيتش الاتصال بالهاتف، يجيبونه بأن الخطوط مقطوعة، يخرج قائدهم من الغرفة. بعد دقيقتين يرن هاتف الغرفة الراقد على الطاولة رغم ادعائهم أنه لا يعمل. سابينا تعرف أن أباها قد يلتقط السماعة، مما يعرضه للقتل في الحال، فتسارع هي بذلك.

المتصل سيدة تسأل بعفوية إذا كانت هناك أي طائرة ستغادر سراييفو قريبًا. سابينا ممسكة بالسماعة، وأبوها يقاطعها آمرًا بأن تعطيه إياها، الجنود مرتبكون، قائدهم ليس هنا، وبيغوفيتش مهما كان هو رئيس البلاد، أحيانًا عليك أن تأخذ قرارك في بضع ثوان وإلا هربت منك الفرصة، وهذا ما فعله علي، خطف السماعة، وقال للسيدة التي ذُهِلَت:

"سيدتي، أنا علي عزت بيغوفيتش، رئيس الدولة، موجود في المطار، بعد أن أسرتني قوات الجيش اليوغسلافي، أرجوكِ اتصلي فورًا بالرئاسة وبالتلفزيون وأبلغيهم بالأمر".

كان الجنود الشبان في ذهول، لا يعرفون ماذا يفعلون، هل يطلقون النار أم لا، فالقائد غير موجود، وعندما عاد لم يجرؤ أحد منهم على إبلاغه بما جرى.

(4)

تفعل السيدة ذلك، ويبدأ الخبر في الانتشار. يقرر القائد الصربي نقل الرئيس البوسني ووفده إلى ثكنة عسكرية في لوكافيتسا، مهددًا بأن ذلك سيجري سواء وافق الرئيس أو رفض، واعدًا إياه بمنحه فرصة الاتصال الهاتفي، وعند الوصول يجلسونهم جميعًا في بهو كبير، ولا بأس ببعض الطعام، فيما ضباط كثر يروحون ويجيئون.

التوتر سيّد المكان، يحتشد خارج الثكنة مجموعة كبيرة من الفلاحين الصرب المدججين بالسلاح، يطلبون رأس الرئيس، فقبل حوالي أسبوعين، هاجمت مجموعة من قوات دفاع سراييفو ناقلة جنود صربية، وأوقعت معظمهم في الأسر، وكان بينهم بعض رجالهم.

يحاول الجنرال الصربي التفاوض مع علي، آملًا مبادلته مع جنرال صربي آخر تحاصره المقاومة البوسنية التي ستصبح لاحقًا جيشًا.

ثمة ضابط يحاول أن يكون لطيفًا مع الرئيس الأسير ووفده، يردد أن الصدفة وحدها هي التي وضعته في هذا الموقع، وكأنه يبرر وجوده في مشهد اختطاف رئيس البلاد واعتقاله. يحضر لهم علب الحليب ويفتحها أمام أعينهم، لكي لا تساورهم أي شكوك.

سابينا تحاول الاتصال بالسفير الأميركي في بلغراد، واضح أنها مضطربة جدًّا، والضابط اللطيف يقوم بالاتصال ويصلها بالسفير الذي أخبرته بما يجري. الخبر إذن انتشر في كل مكان، وعرض المبادلة يطمئن إلى نية الصرب في حل المشكلة، ويفسر وعدهم بأن يمنحوا الرئيس فرصة الاتصال بالهاتف.

(5)

في مبنى التلفزيون البوسني بسراييفو، وفي تمام الثالثة ظهرًا، يبدأ واحد من أشهر مذيعي البوسنة -وهو سناد حجي فيزوفيتش- في بث برنامجه شبه الإخباري على الهواء.

في السابعة والدقيقة الثالثة والعشرين، كان سناد المتعب لا يزال يقدم على الهواء برنامجه الشهير حين يدق الهاتف فيظنه مشاهدًا يرغب في المشاركة.

يأتيه الصوت من الجهة الأخرى "أنا علي". صحيح أنه يعرف صوته جيدًا، لكنه ظن أن تلك خديعة من غرفة التحرير للمزاح معه، لكنَّ عليًّا واصل الحديث وشرح له الموقف.

يبلغ الرئيس سناد بأن الجنرال فويسلاف جورجيفاتس يتفاوض معه، وهو نفس الجنرال الذي عمل سناد قبل نحو 10 سنوات تحت إمرته في الجيش اليوغسلافي الذي كان يمثل كل جمهوريات يوغسلافيا.

(6)

تمر ليلة هي من أصعب ليالي علي، ربما أصعب من ليالي السجن كما وصفها هو نفسه، فمن هذه الثكنة كانت القوات الصربية تواصل قصف المدينة، يعني أنك تقضي ليلة في مكان غير آمن على نفسك، ولا على ابنتك التي أصابتها الأنفلونزا، ولا على شعبك الذي تقصفه المدافع الصربية.

بعد ظهر اليوم التالي تتم المبادلة، يفرج البوسنيون عن القائد الصربي، ويفرج الصرب عن رئيس البوسنة.

افتتاحية للحرب تنذر بما سيفعله الصرب، وما ستفعله أوروبا.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.