مكانة قناة السويس في الاقتصاد المصري

نحو 30% من حاويات الشحن في العالم يمر عبر قناة السويس (غيتي)

تمثل قناة السويس أهمية خاصة للاقتصاد المصري باعتبارها أحد أهم موارد النقد الأجنبي، إلى جانب تميزها بأن زبائنها أكثر حرصا على استمرار عملها بقدر حرص السلطات المصرية على استمرار عملها، وهو ما بدا جليًّا في اتصال الإدارة الأميركية خلال فترة ما بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بالمجلس العسكري القائم على إدارة البلاد آنذاك لتأكيد الحرص على ضرورة  استمرار الملاحة بالقناة، وعرض المساعدة في تأمين المجرى الملاحي في حالة عدم قدرة السلطات المصرية على ذلك.

والنتيجة أنه بينما أثرت أحداث الثورة المصرية عام 2011 على موارد البلاد، من السياحة والاستثمار الأجنبي بنوعيه المباشر واستثمار الحافظة والتصدير، فقد ظلت الملاحة في قناة السويس بمعدلاتها الطبيعية نفسها، مع تعزيز قوات الجيش وجودها على طول مجرى القناة لتأمين سلامة السفن العابرة.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة احتلت قناة السويس مكانة متميزة على خريطة موارد النقد الأجنبي، حيث ظلت تمثل المورد الثالث من حيث القيمة، بعد تحويلات المصريين بالخارج والصادرات السلعية في أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

وهو أمر ليس بجديد فحينما تعطلت الملاحة بقناة السويس مع حرب يونيو/حزيران 1967 لمدة 8 سنوات، سارعت عدة دول للمشاركة في عمليات تطهير المجرى الملاحي من الألغام والمقذوفات والسفن والكراكات الغارقة، منها طيران وقطع بحرية من الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا، حتى عادت الملاحة مرة أخرى في الخامس من يونيو/حزيران 1975، أي بعد أقل من عامين من انتهاء حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

كان إرسال شاه إيران ابنه ولي العهد لحضور حفل افتتاح عودة الملاحة بالقناة إشارة إلى مدى إفادة القناة للصادرات الإيرانية النفطية المتجهة إلى أوروبا، نظرا لما تمثله القناة من أهمية دولية للربط بين آسيا وكل من أوروبا وأميركا الشمالية، ولهذا حرص قادة عدة دول في عام 1888 على عقد معاهدة القسطنطينية التي تنص على أن تكون القناة على الدوام حرة ومفتوحة، سواء في وقت الحرب أو وقت السلم لكل سفينة تجارية أو حربية من دون تمييز لجنسيتها.

القناة ممر عالمي على أرض مصرية

تشير الأسماء الموقعة على المعاهدة التي ما زالت تحكم حركة الملاحة بالقناة حتى الآن إلى مدى أهميتها لهم، وهم: ملكة إنجلترا وإمبراطور ألمانيا وإمبراطور النمسا وملك إسبانيا ورئيس فرنسا وملك إيطاليا وملك الأراضي المنخفضة ودوق لوكسمبورغ وإمبراطور سائر الروس وإمبراطور العثمانيين.

ولما كان عمق المجرى الملاحي لما قبل حرب 1967 لم يعد مناسبا للتطور الذي لحق بناقلات النفط التي زادت أحجامها وحاجتها لأعماق أكبر خلال سنوات إغلاق القناة الثماني، فقد أسهمت اليابان بشركاتها وتمويلها في عمليات تعميق المجرى الملاحي بعد الافتتاح ليتواءم مع أحجام السفن، وأسهمت في تمويل ذلك التطوير السعودية والإمارات والكويت وقطر من حيث هي بلدان مستفيدة من التطوير لتصدير نفطها.

تتعدد الأقاليم الجغرافية المستفيدة من القناة لتشمل شرق وجنوب شرق البحر المتوسط، وشمال البحر المتوسط وغرب وجنوب البحر المتوسط وشمال وغرب أوروبا، وبلدان البحر الأسود وبلدان بحر البلطيق والولايات المتحدة الأميركية، وفي الجنوب بلدان شرق أفريقيا وبلدان البحر الأحمر والخليج العربي وشرق آسيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأقصى وأستراليا.

شاهد آخر هو تصدّر أخبار تعطل عبور أي سفينة للقناة لأي سبب للنشرات الإخبارية في أنحاء العالم، وهو ما ظهر مع تعطل السفينة "إيفرجيفن" عام 2021 ، حين عرضت الولايات المتحدة خدماتها لتحريك السفينة الجانحة، وظلت جهود تحريك السفينة تتصدر الأخبار العالمية، وما تلاها من متابعة لعبور السفن التي تعطل مرورها بسبب جنوح إيفرجيفن، بل متابعة عبور السفينة ذاتها للقناة بعد ذلك بمدة.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة احتلت قناة السويس مكانة متميزة على خريطة موارد النقد الأجنبي، حيث ظلت تمثل المورد الثالث من حيث القيمة، بعد تحويلات المصريين بالخارج والصادرات السلعية في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، حتى إنها احتلت المركز الثاني بعد تحويلات العاملين بالعام المالي 1993/1994، ثم تراجع مركزها إلى ما بين الخامس والسادس طوال بقية سنوات التسعينيات وطوال سنوات العشرية الأولى والثانية من الألفية الجديدة مع ارتفاع قيمة إيرادات السياحة والصادرات البترولية.

دائما ما كانت إيرادات قناة السويس من أبرز موارد الموازنة المصرية، حيث ظلت تتقاسم مع هيئة البترول صدارة أعلى فوائض تحققها الهيئات الاقتصادية.

استفادة القناة من الحرب الروسية الأوكرانية

خلال العام المالي الأخير 2021/2022 احتلت موارد القناة المركز السابع بين موارد النقد الأجنبي بعد القروض الخارجية وتحويلات المغتربين والصادرات غير البترولية، وصادرات النفط والغاز الطبيعي والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر بقيمة 7 مليارات دولار بنسبة 4.3% من مجمل الموارد البالغة 162.6 مليار دولار، بعد أن كان نصيبها النسبي من موارد النقد الأجنبي خلال سنوات التسعينيات يراوح بين 8 إلى 11%.

وإذا كان الاقتصاد المصري قد تضررت بعض قطاعاته من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية مثل السياحة، فقد استفادت قناة السويس من تلك الحرب استفادة واضحة، حيث تسبب الحظر الأوروبي للطاقة الروسية في بحثها عن بدائل، كان بعضها في دول الخليج العربي ودول آسيوية، وكذلك بحث روسيا عن أسواق بديلة لنفطها وغازها الطبيعي المسال.

هذا الأمر عزز من عبور ناقلات النفط والغاز الطبيعي عبر القناة، سواء من الخليج وجنوب آسيا إلى أوروبا أو من روسيا إلى الهند وغيرها من الأسواق الآسيوية، كذلك تسبب ارتفاع سعر البترول الذي بلغ متوسطه خلال عام الحرب الروسية نحو 100 دولار، مما يزيد من تكلفة إبحار السفن القادمة من آسيا متجهة إلى أوروبا أو إلى أميركا الشمالية، أو العائدة من أوروبا متجهة نحو آسيا في حالة اتخاذها طريق رأس الرجاء الصالح.

هذا مكّن القناة من رفع رسوم عبورها أكثر من مرة عام 2022 وتقليل نسب الخفض التي كانت تمنحها لبعض أنواع السفن تشجيعا لها على المرور عبر القناة، والنتيجة تحقيق القناة نحو 8 مليارات دولار مثلت إيرادات في عام الحرب الروسية، وهو رقم غير مسبوق تاريخيا من خلال تحقيق كمّ من حمولات من البضائع غير مسبوق أيضا.

غموض حول توجه فوائض القناة للموازنة

جاءت زيادة إيرادات القناة بمنزلة طوق إنقاذ للإدارة المصرية في ظل أزمة حادة لنقص العملات الأجنبية بعد خروج مكثف للأموال الساخنة، كذلك على الجانب المعنوي بوجود مرفق يحقق نجاحا في ظل أزمة شديدة للقطاعات الإنتاجية، وارتباك بالمشهد الاقتصادي والشعبي نتيجة غلاء الأسعار استدعى عقد اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي.

ودائما ما كانت إيرادات قناة السويس من أبرز موارد الموازنة المصرية، حيث ظلت تتقاسم مع هيئة البترول صدارة أعلى فوائض تحققها الهيئات الاقتصادية، لكن الصدارة أصبحت لهيئة القناة بالسنوات الأخيرة، إلى جانب الضرائب التي تدفعها بنسبة نحو 40% من أرباحها. وحسب آخر بيانات ختامية منشورة بالعام المالي 2020/2021، فقد سددت هيئة قناة السويس ضرائب بقيمة 28.7 مليار جنيه مقابل 31 مليار جنيه بالعام المالي الأسبق.

كما بلغ صافي ربحها الذي يؤول إلى وزارة المالية 47 مليار جنيه، مقابل 44.8 مليار جنيه بالعام المالي الأسبق، لكن الحاكم المصري صرح في المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي بتوجيهه لرئيس القناة بإنشاء صندوق للقناة من حصيلة فوائضها توجه حصيلته لتنمية القناة.

وذلك ما يدعو للتساؤل عن مدى استمرار حصول وزارة المالية -أي حصول الموازنة المصرية- على فوائض القناة، خاصة مع ما ذكره الحاكم المصري من أن حصيلة صندوق قناة السويس قد بلغت 70 مليار جنيه، أي إنه قد أنشئ بالفعل قبل أن يصدر قانون رسمي بإنشائه.

ومع عرض قانون إنشاء ذلك الصندوق على البرلمان في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، لقي معارضة من قبل عدد من أنصار النظام قبل المعارضين، مما دفع النظام الحاكم إلى التريث في إصداره، حيث إن موافقة البرلمان عليه كانت بصورة مبدئية فقط ومن ثم لم يصدر به تشريع به حتى الآن.

مخاوف من التفريط بالقناة لعلاج الفجوة الدولارية

يعدّ إنشاء الصندوق حرمانا للموازنة العامة من مورد رئيس، وهي الموازنة التي تعاني من عجز مزمن يدفعها إلى استمرار الاقتراض الداخلي والخارجي، كما يعدّ مخالفا لمبدأ وحدة الموازنة وضرورة خضوع الجهات الحكومية كافة من صناديق وهيئات لتكون تحت عباءة الموازنة العامة للدولة.

جاء ما نُشر أخيرا على مواقع التواصل الاجتماعي وهو ما سمي بعقد امتياز إدارة مرافق القناة لمدة 99 سنة صادما للمصريين، ولذلك سارعت هيئة القناة بإصدار بيان بعدم صحة ذلك العقد، لكن الأمر لم ينته بتكذيب الهيئة للعقد، حيث استمر المعارضون للنظام الحاكم في إبداء مخاوفهم أن يكون تسريب ذلك العقد قد تم من قبل النظام نفسه كبالون اختبار، وبحيث يتم تنفيذ اتفاق شبيه له مع دولة خليجية بدلا من التعاقد مع شركة إسرائيلية وبمدة زمنية أقل مما ورد بالعقد.

يعزز مخاوفهم ما اعتبروه تفريطا من جانب النظام الحاكم في الحدود البحرية بالبحر المتوسط لمصر، لمصلحة قبرص واليونان وإسرائيل مما أفقد مصر كميات ضخمة من الغاز الطبيعي كانت موجودة بتلك الأراضي، وكذلك ما اعتبروه تفريطا في جزيرتي تيران وصنافير بما يتيح لإسرائيل حرية الحركة بخليج العقبة، وأيضا ما يرددونه من تنازل النظام عن حقوق مصر في مياه النيل لإثيوبيا، نظير مساعدة إثيوبيا في إنهاء تعليق عضوية مصر بالاتحاد الأفريقي.

ولاحقا التفريط في الشركات المصرية لمصلحة صناديق سيادية خليجية حسب رأيهم، لسد الدين الخارجي لدول تلك الصناديق، ولهذا يرون أنه يمكن أن تكون مشكلة نقص الموارد الدولارية الحالية سببا في قبول ذلك الاتفاق بشأن القناة، ولذلك لم تنته مخاوفهم ويعطون لأنفسهم مهلة 6 أشهر للحكم على مدى صحة عقد الامتياز الخاص بإدارة قناة السويس، وهي المدة التي من المقرر فيها -حسب العقد المزعوم- إقامة سور بطول مجرى القناة في سيناء، وعدم دخول المصريين إلى تلك المنطقة إلا بموافقة الشركة صاحبة الامتياز، ويرون أن الشروع في بناء ذلك السور سيكون تأكيدا لصحة العقد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.