تأثير الزلزال على السياسية الخارجية التركية

من المتوقع أن يكون لكارثة بهذا الحجم أثر بالغ في مختلف المجالات، ومن ضمنها السياسة الخارجية (الجزيرة)

ما زال الزلزال الذي ضرب جنوبي تركيا الحدث الأبرز، ويكاد يكون الوحيد، في البلاد مسيطرا على المشهدين السياسي والإعلامي، وتاركا بصمته على مختلف المجالات، ومن المتوقع أن تكون له انعكاسات على السياسة الخارجية لأنقرة.

معطيات

عبر التاريخ، كان للكوارث الطبيعية الكبيرة تأثير كبير في مسار الدول والحضارات، بل لربما أسهمت أحيانا في نشوئها وانهيارها. ولتركيا سوابق من هذا النوع، إذ كان زلزال مرمرة عام 1999 -وفشل الدولة في التعامل معه- من ضمن العوامل الرئيسة التي أسهمت في سقوط النخبة السياسية في البلاد وبحث الناخبين عن بديل، الذي تمثل في انتخابات 2002 في حزب العدالة والتنمية (حديث التأسيس).

ولا شك أن زلزال كهرمان مرعش الحالي قد تجاوز في قوته التدميرية وخسائره البشرية والعمرانية زلزال 1999، إذ أعلن وزير الداخلية سليمان صويلو -حتى لحظة كتابة هذه السطور- وفاة أكثر من 43 ألف شخص (مقارنة بـ18 ألفا تقريبا في زلزال مرمرة) وإصابة أكثر من 80 ألفا.

كما تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان عن خطة لإعادة بناء زهاء 200 ألف مبنى، بين ما تهدم بالكامل أو تعرض لأضرار شديدة أو متوسطة جعلته غير صالح للسكن. من جهة ثانية، فقد أُجلي عن المنطقة ما يقرب من نصف مليون إنسان، ووصلت تأثيرات الزلزال المباشرة وغير المباشرة لأكثر من 15 مليون إنسان على امتداد 11 محافظة تركية يعيش فيها نحو 15% من سكان البلاد.

ولذلك، فمن المتوقع أن يكون لكارثة بهذا الحجم أثر بالغ في مختلف المجالات، ومن ضمنها السياسة الخارجية. ولعله من المفيد قبل الولوج لهذه المتغيرات المرور على بعض المعطيات المهمة بهذا الصدد.

أول هذه المعطيات هو أن الشأن الداخلي سيكون أولوية أولى لدى صانع القرار بشكل بارز. وكان ذلك متوقعا أصلا بسبب قرب الانتخابات، إلا أن الزلزال -الذي سماه أردوغان "كارثة القرن"- فرض نفسه على الخطاب السياسي وجدول الأعمال بشكل ملحوظ؛ ذلك أن إغاثة وإيواء ملايين الناس وإعادة الحياة للمحافظات المنكوبة وتسيير التعليم والصحة وباقي الخدمات وكذلك إعادة الإعمار أعمال تتطلب تركيزا واهتماما من جهة، وتخصيصا للموارد المالية والبشرية والإدارية من جهة أخرى.

من جهة ثانية، مما يعزز هذا المعطى أن الإجراءات الحكومية سالفة الذكر ذات ارتباط وثيق بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة من باب تأثيرها على النتيجة، وهي الانتخابات التي باتت أكثر أهمية وحساسية بعد الزلزال. ولذلك، فإن حرص الحكومة على إتمامها بالشكل الأمثل والوقت الأقصر سيكون مضاعفا للسبب ذاته.

كما أن الزلزال وتبعاته والإجراءات المطلوبة من الحكومة ستزيد من الضغوط على الاقتصاد الذي لم يكن قد تعافى تماما واستُنزف إضافيا بسبب "اقتصاد الانتخابات"، أي صرف الحكومة في كثير من المجالات وتقليل جباياتها من المواطنين تخفيفا للأعباء المالية عليهم قبيل الانتخابات.

ومن المعطيات الدعم والتعاطف اللذان حصلت عليهما أنقرة من مختلف الدول، ومن بينها دول تسود علاقاتها معها خصومة واضحة، مثل اليونان التي لم تكتف بإرسال فريق ليشارك بأعمال الإنقاذ، ولكن أيضا أوفدت وزير خارجيتها للتعاون ومد يد العون.

ومنها كذلك أن الأعمال والمشاريع المطلوبة لإعادة إعمار المناطق المنكوبة وإحيائها وإعادتها للحياة الطبيعية قد تجعل تركيا محتاجة للدعم الخارجي. صحيح أن أكبر تقديرات لتكلفة الزلزال -حتى اللحظة- لا يكاد يتجاوز 10% من ناتجها القومي، إلا أن التكلفة الباهظة في وقت زمني قصير (في ظل وعد أردوغان بإتمام إعادة الإعمار خلال عام واحد) قد يدفع تركيا للسعي للحصول على دعم أو قروض خارجية.

وأخيرا، بين يدي البحث في تأثير الزلزال على السياسة الخارجية من المهم عدم نسيان أن تركيا كانت قد بدأت قبل عامين مسار تهدئة وحوار مع عدد من الأطراف الإقليمية، وقطعت أشواطا مهمة مع بعضها، وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات ودولة الاحتلال "الإسرائيلي" وحتى أرمينيا واليونان.

السياسة الخارجية

وعليه، ثمة ملامح عامة لانعكاسات الزلزال على السياسة الخارجية التركية في المدى المنظور. أولها استمرار مسار التهدئة مع مختلف الأطراف الإقليمية بما يتجاوز استحقاق الانتخابات؛ فالانشغال بالشأن الداخلي سيتطلب تخفيف الأعباء عن السياسة الخارجية، ولا سيما حالات التوتر والتصعيد.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك التوتر مع اليونان الذي كان سائدا قبل الزلزال وكان مرشحا للتفاقم أكثر مع اقتراب الانتخابات في البلدين. بينما كانت المشاركة اليونانية في أعمال الإنقاذ وزيارة وزير خارجيتها دافعا لترطيب الأجواء بين البلدين، كما كانت خطوة افتتاح التلفزيون اليوناني بثه بأغنية تركية -تعاطفا مع ضحايا الزلزال- ذات بعد رمزي ملموس، واستُقبلت في أنقرة بشكل جيد. ولذلك، رغم اقتراب الانتخابات في البلدين الجارين، فمن غير المتوقع أن يعود التوتر للعلاقات بينهما في المستقبل القريب.

من جهة أخرى، يرجح أن تستمر أنقرة في سياسة التوازن بين روسيا والغرب قدر الإمكان، كما فعلت حتى اللحظة رغم الحرب في أوكرانيا. فلئن أمكن للدول الغربية المشاركة في التمويل أو الدعم المباشر -أو حتى صفقة مقاتلات "إف-16" (F-16) الأميركية- فإن لموسكو دورا مهما في ما يتعلق بالطاقة إن كان لجهة الكميات أو الأسعار، وهو أمر لا غنى عنه بطبيعة الحال.

كما من المتوقع أن يستمر -ثم يتعمق- مسار التهدئة والتعاون مع دول الخليج العربي التي يمكن أن تؤدي دورا مهما في تمويل إعادة الإعمار، فضلا عن أهمية استثماراتها في البلاد وانعكاسات تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية معها على الاقتصاد التركي عموما.

ومن المفترض أن تكون لكل ذلك ارتدادات على الأدوار التي تضطلع بها أنقرة في عدد من الملفات والنزاعات الإقليمية باتجاه سياسة أكثر انفتاحا وأقل صداما مع الأطراف الإقليمية. ففي ليبيا -على سبيل المثال- من المتوقع أن تكون لأنقرة مقاربات أكثر تقبلا للأطراف المحلية الأخرى وأكثر تنسيقا مع القاهرة تحديدا، لا سيما أن ذلك نهج متوقع من الأخيرة كذلك.

ولئن كانت الحرب على الإرهاب استثناء في هذا السياق، بمعنى استمرار الأنشطة التركية المكافحة للعمال الكردستاني في العراق مثلا، إلا أن وتيرتها ودرجتها يمكن أن تتأثر مرحليا. فضلا عن أن العملية البرية التي كانت تلوح بها أنقرة في سوريا على مدى الشهور الفائتة مفتوحة على تأجيل طويل الأمد على أقل تقدير، بسبب الأضرار التي تسبب فيها الزلزال للمناطق الحدودية مع سوريا وكذلك في الداخل السوري، فضلا عن تفاصيل أخرى متعلقة بالمؤسسة العسكرية.

أخيرا، يتوقع كثيرون أن يؤدي الزلزال لتأجيل -أو إعاقة- مشروع إعادة السوريين المقيمين في تركيا، بسبب الأضرار التي حلت بالشمال السوري. لكن ذلك ليس على إطلاقه، ذلك أن الآلاف من السوريين قد غادروا البلاد فعلا نحو شمالي سوريا بعد الزلزال، ومن المتوقع أن يحذو حذوهم آخرون في ظل حاجة إعادة الإعمار لوقت طويل. من جهة أخرى، يبدو أن المنازل التي بنتها تركيا في الشمال السوري لم تتضرر بشكل كبير، وهو ما قد يشجع لاحقا على استمرار المشروع، كما أن الزلزال قد يكون دافعا لزيادة وتيرة التواصل مع النظام. وبالتالي، يمكن أن يعوق الزلزال المشروع مؤقتا، لكن لا يوجد أثر كبير له على المدى البعيد.

في الخلاصة، سيكون للزلزال المدمر آثاره على سياسة تركيا الخارجية، تثبيتا وتعميقا لمسار التهدئة الذي انتهجته أنقرة في السنتين الأخيرتين، مع التركيز على الشأن الداخلي، والسعي للحصول على تمويل ودعم لإعادة الإعمار، والابتعاد عن التوتير والتصعيد في عدة قضايا، لكن من دون المساس بأولويات سياستها الخارجية أو منطلقات أمنها القومي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.