كيف يُمكن لتركيا التعافي سريعا من الزلزال؟

صدع
الزلزال تسبب في تشققات عميقة في الطرق بين منطقتي أنطاكيا وجيلوة غوزو في ولاية هاتاي جنوبي تركيا (الأناضول)

مع مضي أسبوعين على كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب جنوبي تركيا، تُقدم الخسائر البشرية الكبيرة والأضرار المادية الهائلة صورة شبه كاملة عن حجم الكارثة التي حلّت بالبلاد. الخسائر المؤلمة في الأرواح لا يُمكن أن تُعوض بأي حال، لكنّ تقديم الدعم اللازم للمتضررين والشروع في عملية إعادة إعمار المناطق المنكوبة والاستفادة من الدروس القاسية للكارثة؛ يُمكن أن تقود إلى التعافي السريع منها.

كانت تركيا تواجه قبل هذه الكارثة تحديات اقتصادية كبيرة بسبب التضخم، لكنّ الزلزال ضاعف حجم هذه التحديات، كما ينتظر البلاد اختبار وطني كبير آخر يتمثل في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة؛ مما يزيد الضغط على الرئيس رجب طيب أردوغان. تركيا دولة قوية بما يكفي للتعامل مع كل هذه التحديات، لكنّ التعافي السريع من الكارثة ينبغي أن يكون أولوية كبرى في هذه المرحلة.

خلال الأسبوعين الماضيين، كانت جهود الإغاثة تتركز في مراحلها الأولى على محاولة إنقاذ أكبر عدد من الناجين من تحت الأنقاض، وتقديم العون الفوري للمتضررين من رعاية طبية ومواد غذائية وتأمين أماكن إيواء مؤقتة لهم. ولم تخل هذه المرحلة من صعوبات لوجيستية بفعل الحجم الكبير للأضرار والاحتياجات الإنسانية الكبيرة والظروف الطبيعية السيئة التي عقّدت جهود الإغاثة، لكنّ المرحلة الثانية من الاستجابة محورية في جهود التعافي السريع.

انتقاد أحزاب المعارضة استجابة الحكومة كان مدفوعا بشكل أساسي بالحسابات السياسية والانتخابية، إلا أن محاسبة المسؤولين المحتملين عن ارتفاع أعداد الضحايا ستكون ضرورية في عملية التعافي

ستعمل المرحلة الثانية على 3 مسارات متوازية، هي:

  • تقييم كامل لحجم الخسائر الاقتصادية.
  • وضع خطة طوارئ اقتصادية للشروع في إعادة الإعمار.
  • الاستفادة من دروس الكارثة، بما في ذلك تحديد نقاط الضعف التي أدّت إلى مفاقمة الخسائر البشرية، ومحاسبة المسؤولين المحتملين عن التسبب في إزهاق العدد الكبير من الأرواح، فضلا عن الحد من تداعيات الزلزال على الوضع السياسي الداخلي، وتوفير الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات ضمن مواعيدها الدستورية أو تأجيلها إن استدعت الحاجة.

بالنظر إلى أن تركيا لم تشهد في تاريخها الحديث كارثة طبيعية بهذا الحجم، فإن عملية التعافي لن تكون سهلة لكنّها مُمكنة ونجاحها مرهون بالدرجة الأولى بالإدارة الجيدة لها. لا يُحسد الرئيس رجب طيب أردوغان على هذا الوضع الصعب، حيث إن جزءا رئيسيا من إرثه الوطني يقوم على النهضة الاقتصادية الكبيرة التي قام بها على مدى عقدين من حكمه، وتطوير استجابة تركيا للزلازل من خلال فرض معايير صارمة على البناء، وتحديث البنية التحتية، وإنشاء مؤسسة إدارة الكوارث الطبيعية (أفاد)، وهو بالتأكيد لا يُريد أن يُتوج هذا الإرث بالإخفاق في التعافي من هذه الكارثة، كما أن التحدي الذي يواجهه الآن لا يتعلق بالحفاظ على هذا الإرث فحسب، بل في الحد من تداعيات كارثة الزلزال على مستقبله السياسي.

إعادة الإعمار وتحدياتها

لدى الرئيس رجب طيب أردوغان تجارب ناجحة في التعامل مع الكوارث الطبيعية خلال فترة حكمه، لكنّ جميعها كانت صغيرة من حيث حجم الخسائر البشرية والمادية؛ لذا فإن عملية التعافي من زلزال السادس من فبراير/شباط الجاري تواجه تحديات كبيرة، خاصة في الجوانب الاقتصادية. ومع أنّه لا يزال من الصعب تقييم الحجم النهائي للأضرار الاقتصادية، فإن التعافي سيتطلب إعادة بناء المنطقة الشاسعة التي دمرها الزلزال وتُقدر بـ500 كيلومتر مربع، فضلاً عن ترميم نحو مليون مبنى سكني.

لا تزال تقديرات الخسائر الاقتصادية تختلف اختلافًا كبيرًا نظرًا لمحدودية المعلومات حول حجم الضرر، لكنّ تكلفة إعادة الإعمار تتراوح بين 10 و50 مليار دولار أميركي. تعهد أردوغان بإعادة إعمار المناطق المنكوبة في غضون عام وإسكان المتضررين في منازل جديدة على نفقة الدولة بالكامل؛ وسيتطلب الشروع في إعادة الإعمار تخصيص موارد مالية كبيرة لها.

لكن الوصول إلى هذه الموارد لن يقتصر على تلك المتوفرة في خزينة الدولة، بل يشمل أيضا انخراط مؤسسات القطاعين العام والخاص في جهود التعافي. كانت حملة التبرعات الوطنية التي أطلقت الأسبوع الماضي وجمعت حتى الآن ما يزيد على 6 مليارات دولار أميركي صورة مضيئة للاستجابة الوطنية لهذه الكارثة. ومن المهم إجراء عملية تخطيط مدروسة وشاملة لضمان إعادة بناء المدن بشكل صحيح.

المحاسبة والاستفادة من الدروس

منذ لحظة وقوع الزلزال، واجهت الحكومة أسئلة صعبة حول كفاءتها في الاستجابة الأولية ومراقبة معايير البناء السيئ التي أدّت إلى مفاقمة الخسائر البشرية. ومع أن انتقاد أحزاب المعارضة استجابة الحكومة كان مدفوعا بشكل أساسي بالحسابات السياسية والانتخابية، فإن محاسبة المسؤولين المحتملين عن ارتفاع أعداد الضحايا ستكون ضرورية في عملية التعافي.

اعتقلت السلطات حتى الآن العشرات -بمن فيهم متعهدو بناء- بشبهة ارتكابهم أعمال خداع في البناء أو تسهيل منح رخص البناء من دون اتباع المعايير الملائمة للزلازل. كما تعهدت وزارة العدل بمعاقبة أي شخص تثبت مسؤوليته، وأسست وحدات تحقيق جنائي في الزلزال، وبدأت النيابة جمع عينات من المباني للحصول على أدلة على المواد المستخدمة في البناء.

إن المشكلة الأساسية في عدم اتباع معايير البناء الآمن في المناطق المنكوبة لا تكمن في عدم وجود قوانين صارمة كانت الحكومات المتعاقبة في عهد أردوغان فرضتها بالفعل للتعامل بشكل أفضل مع الزلازل، بل في عدم مراقبتها كما ينبغي.

يتمثل الاختبار الحقيقي بعد الكارثة في قدرة الحكومة على فرض اللوائح وبناء هياكل أكثر أمانًا في المستقبل، وسيكون إظهار الشفافية الكاملة الآن في المحاسبة والاستفادة من الدروس القاسية لزلزال كهرمان مرعش ضروريا لتحقيق التعافي.

الاستقطاب السياسي والانتخابات

في وقت كان من المفترض فيه ألا يكون مكان للحديث في السياسة إلى حين التعافي من الكارثة، إلا أن مسارعة أحزاب المعارضة إلى التعامل معها على أنّها فرصة لتعزيز حضورها السياسي الداخلي والحصول على ميزة انتخابية جديدة فرضت تحديا آخر على جهود التعافي، ويتمثل في تجنب تعميق الاستقطاب السياسي والمجتمعي وعدم تأثير الكارثة على الاستحقاق الانتخابي المقبل.

ومع أنه من الصعب معالجة الاستقطاب الراهن، فإن قدرة الرئيس أردوغان على تخفيفه في هذه المرحلة تتوقف على أمرين أساسيين: أولا، تجنب الانخراط في جدل سياسي مع المعارضة حول الاستجابة الحكومية للزلزال، واتخاذ قرار مصيري بشأن مستقبل العملية الانتخابية.

حتى الآن، لم يطرأ تعديل واضح على المواعيد الدستورية المحتملة لإجراء الانتخابات، وهي 14 مايو/أيار أو 18 يونيو/حزيران المقبلين، إلا أن بعض الشخصيات المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم أثارت احتمالية تأجيل الانتخابات إلى موعد آخر من أجل التفرغ لعملية التعافي من الكارثة.

بالنظر إلى أن احتمالية تأجيل الانتخابات ستخلق على الأرجح ظرفا سياسيا أشد استقطابا في هذه المرحلة، فإن الخيار الأفضل لتجنب الدخول في منطقة سياسية مضطربة هو المضي في إجراء الاستحقاق الانتخابي في المواعيد الدستورية أو تحقيق توافق وطني على تأجيله.

أخيرا، بقدر حاجة تركيا إلى التعافي السريع من كارثة الزلزال، فإن الحد من الاستقطاب السياسي والمجتمعي سيكون ضروريا لخلق بيئة سياسية وطنية مناسبة تُساعد في عملية التعافي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.