فلسطين بعيون الأجيال الغربية الجديدة في فيلم "بيت في القدس"

فيلم "بيت في القدس" للمخرج الفلسطيني مؤيد عليان من إنتاج مشترك بين عدة دول في عام 2023 (مواقع التواصل)

تحت جنح الظلام، تطرق فتاة بملامح غربية باب منزل سيدة فلسطينية مسنة تعيش وحيدة في بيت لحم. تدعوها السيدة للدخول مستغربة من قدوم هذه البنت الأجنبية الصغيرة ليلا من دون سابق معرفة.

وبينما تطلب الفتاة من السيدة إحدى العرائس القماش التي تصنعها يدويا، تطرق شابة الباب مدعية أنها جارة للعجوز وقد أتت بفطائر لها ليتضح أنها من عناصر الشرطة الإسرائيلية بزي مدني. تقتحم هذه العناصر المكان فجأة ويحملون الفتاة الصغيرة عنوة في سيارة ويمضون بها نحو منزل أبيها في القدس الغربية في فيلم "بيت في القدس" للمخرج الفلسطيني مؤيد عليان من إنتاج مشترك بين عدة دول في عام 2023.

يحاول الأب جاهدا رعاية الفتاة وتعويض غياب أمها دون جدوى، فيلجأ لطبيبة نفسية تعقد معهما جلسات علاجية وتتبع أسلوب الحقن أحيانا وأسلوب العقاقير الطبية أحيانا أخرى. غير أن الفتاة تتظاهر بأنها تأخذ الدواء لكنها تلفظه وتخبئه تحت غطاء السرير

تدور قصة الفيلم حول ريبيكا الفتاة اليهودية البريطانية التي تنتقل مع أبيها من إنجلترا للعيش في القدس الغربية لتبدأ حياة جديدة كي تتعافى من صدمة وفاة والدتها في حادث سير. وهو من الأفلام الخيالية الخارقة للطبيعة التي تظهر فيها أشباح وأمور غير معقولة لتعكس ما يدور في نفسية البطلة في محاولة محمودة من مخرج ومؤلف الفيلم لنقل رؤية الأجيال الجديدة من الغربيين للقضية الفلسطينية والقدس إلى نوع جديد من الأفلام بعيدا عن السردية التاريخية التقليدية والرواية المباشرة لمعاناة الفلسطينيين.

الفيلم في هذا الإطار يقيم مقارنة ذكية بين معاناة الطفل الغربي الحديث ومعاناة الطفل الفلسطيني القديم إبان النكبة ليرسم في خيال المشاهد كيف يمكن أن تكون معاناة الطفل الفلسطيني حديثا. وبتركيزه على معاناة الفقد والألم والصدمة لدى الطفل الغربي يضرب نموذجا ومثالا لتوصيل معنى جديد لمفهوم هذه المعاناة.

يبدو نسيج الفيلم في معظمه وكأنه في سياق غربي كامل من حيث الشكل والشخصيات، ويكتنف الغموض نحو ثلث مدة الفيلم، حيث يأخذنا في رحلة داخل نفسية الطفلة ريبيكا التي تنتابها هلاوس سمعية وبصرية بسبب حزنها لفقد الأم. ويحاول الأب جاهدا رعاية الفتاة وتعويض غياب أمها دون جدوى، فيلجأ لطبيبة نفسية تعقد معهما جلسات علاجية وتتبع أسلوب الحقن أحيانا وأسلوب العقاقير الطبية أحيانا أخرى.

غير أن الفتاة تتظاهر بأنها تأخذ الدواء لكنها تلفظه وتخبئه تحت غطاء السرير، وهنا تتعلق الفتاة بشبح فتاة أخرى تدعى رشا يظهر لها بين الفينة والأخرى من بئر في حديقة البيت، ويخبرها شبح رشا بأنها تنتظر أمها التي غابت بسبب دخول الجنود للبيت. ولم يكن هذا الشبح سوى ظلال لما حدث أثناء النكبة عام 1948.

اللغة البصرية في الفيلم ضعيفة نسبيا وتعكس ضعف القدرات الإنتاجية وقد عوّضها المخرج بتوظيف جيد للإضاءة الطبيعية والصناعية. أما نقطة قوة الفيلم الرئيسية فهي قوة المعالجة والقصة والتي أتصور أن هناك متخصصًا في الطب النفسي قد شارك فيها، فإيقاع الفيلم يبدو بطيئا لكنه نجح في أن يجذب المشاهد ويجبره على المكوث أمام الشاشة في ترقب وفضول لما ستسفر عنه الأحداث.

نسيج فيلم "بيت في القدس" يبدو في معظمه وكأنه في سياق غربي كامل من حيث الشكل والشخصيات (مواقع التواصل)

القدس في الوجدان الغربي

المشهد الرئيسي في الفيلم أو كما يسمى (Master Scene) عندما سارت ريبيكا وحيدة من القدس الشرقية لتعبر الجدار العازل في الليل. وبينما تهم لعبور أحد الحواجز دخل أمامها موكب مسيحي به راهبات ينشدن بعض الترانيم الكنسية فانضمت للمجموعة العابرة وكأنها موكب ديني مهيب من الشرق والغرب يخترق حصون العزل بين ثقافتين وشعبين.

هنا نرى الجدار العازل ليلا خاليا من البشر يقف وحيدا ترسم عليه إضاءة الشارع بعض الظلال وتنظر الكاميرا بعيني الطفلة لهذا الجدار وما عليه من رسومات وشعارات لنكتشف معها كم هو عال وكبير. وعينا الطفلة زاوية تصوير منخفضة أو التي تسمى في فن العمارة عين النملة وهو منظور يتيح نظرة من أسفل للأشياء ويظهر كيف يراها الطفل كبيرة وضخمة ربما أضخم من حجمها الطبيعي. وهنا تتفتح عينا الصغيرة على واقع مختلف لم تعرفه من قبل فتطل الدهشة من عينيها وهي تعاين وجوه الفلسطينيين التي لم تألفهم وتمد بصرها للقماش المنسوج يدويا على الأرصفة وتتساءل عن مصدره ومعناه.

هذا المنظور البصري استخدمه المخرج أيضا أثناء تجول ريبيكا في مدينة القدس الشرقية. وهنا قدم المخرج لوحات بصرية استكشافية لتضاريس المدينة المعمارية من حارات ومحلات ومداخل العمارة القديمة والتي وإن كانت مألوفة للبعض فإن زاوية تصويرها بعين الطفلة جعلتنا نعيد اكتشافها مرة أخرى والتأمل في دلالاتها. شخصيا شعرت بأنني أرى مدينة القدس لأول مرة من خلال هذه اللقطات العابرة حين جعلنا المخرج نتقمص شخصية الصغيرة وهي تسير.

مع نهاية الفيلم تبدأ خيوط الماضي والحاضر في التلاقي على المستوى الشخصي والتاريخي مع قصة ريبيكا والسيدة الفلسطينية المسنة. ويجمعهما مشهد مؤثر حين لا يجد الأب بدا من إحضار السيدة الفلسطينية المسنة إلى منزله لتكتشف أنه منزلها الذي هُجّرت منه أثناء النكبة فتلمس بحنين الأشجار والأغصان ويأتي رجال الشرطة لإخراج هذه السيدة لأن وجودها في القدس مخالف للقانون، وهو ما يثير استهجان واستغراب الأب والابنة. ولبرهة تحاول ريبيكا وأبوها فهم ما حدث ويحدث وكيف وصل هذا البيت إلى ملكية جدها وطبيعة هؤلاء البشر خلف الجدار وكيف أنهم محكومون بقوانين أخرى غير القوانين السارية عندهم؟

عندها تبدأ ريبيكا رحلة التعافي الحقيقية، ولكن في إنجلترا وليس في فلسطين. وهنا تجسيد لصورة القدس في التراث الإنجليزي التي ترى فيها جنة الله على أرضه، وأنها النموذج الحالم للمدينة الفاضلة التي يجب أن تستنسخ في إنجلترا. يكفي أن نعرف أن النشيد الوطني غير الرسمي لإنجلترا في عديد من المحافل الرياضية هو أغنية القدس للشاعر الإنجليزي ويليام بليك التي كتبها مطلع القرن التاسع عشر ويقول أحد أبياتها:

لن أتوقف عن الكفاح العقلي

ولن ينام سيفي في يدي

حتى نبني القدس

في أرض إنجلترا الخضراء الجذابة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.