زلزال تركيا وسوريا وإعادة التفكير في الدولة

المناطق التي تضررت في سوريا تخلو من سلطات الدولة منذ سنين طويلة بل في حالة عداء معها (وكالات)

تضع الجوائح والكوارث الطبيعية يوما بعد آخر الدولة -أيًّا كان شكل النظام السياسي بها ديمقراطيا أم تسلطيا- أمام تحديات صعبة وتفرض عليها التحول الدائم والمستمر، والأهم أنها تثير أسئلة كثيرة حول قدرتها على مواجهة هذه التحديات وطبيعة أدوارها ووظائفها، خاصة أنها قدمت في عالمنا على أنها المطلق/المقدس الذي يجب المراهنة عليه بتقديم فروض الطاعة والولاء، وقد ثبت في مواجهة كورونا والتغير المناخي والأعاصير والزلزال… إلخ أنها وإن كانت مهمة لإدارة الجهود وتنسيقها للتعامل مع هذه التحديات؛ فإنها وحدها خلق من خلق البشر يجري عليها ما يجري على البشر من عجز وتقلبات وتغيرات.

ففي كورونا تمدّدت الدولة باستخدام التكنولوجيا في مساحات كثيرة؛ إذ تطلّب التعامل مع الجائحة فرض الرقابة على المواطنين، وتقييد حريتهم في الحركة والتنقل، وإعادة تنظيم العمل، وإلزامية التطعيم… إلخ، وكلها إجراءات تحدّ من حرية المواطنين وتكاد تلغي الاختلاف بين نظم تسلطية شمولية كالصين ونظم ديمقراطية تحترم الحريات الشخصية وإرادة المواطنين كالولايات المتحدة وأوروبا.

هنا ملاحظة جديرة بالاعتبار وهي أن ذروة الإجراءات التي اتخذتها الدولة المعاصرة قامت بها الصين التي رفعت شعار صفر كورونا واستمر منذ الجائحة في فبراير/شباط ومارس/آذار 2020 حتى تراجعت عنه أخيرا أوائل هذا العام تحت ضغط شعبي، وهو مثل من أمثلة عديدة على أن الدولة المعاصرة مهما أوتيت من جبروت يظل سلطانها مقيدا.

ولمعالجة تداعيات كورونا الاقتصادية تدخلت الدول بأشكال كثيرة من الدعم المالي والاقتصادي لأصحاب الأعمال والعاملين الذين تضرروا من الإغلاق الذي فرضته السلطات العامة، واستمر هذا الدعم أيضا لمعالجة تداعيات العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا عقب غزوها لأوكرانيا.

كانت ذروة هذا التدخل بالدعم في الدول الرأسمالية الغربية حيث استخدمت الاقتراض الحكومي لدعم الاستهلاك بما يجعل الانقسام التقليدي بين دول رأسمالية -تعتمد آليات السوق- في مواجهة اشتراكية -تعتمد تدخل الدولة- يتلاشى ويجعلنا أمام دولة تختفي معها أو تكاد الثنائيات المتعارضة التي حكمت تفكيرنا منذ عقود طويلة، مثل الانقسام بين دولة رأسمالية وأخرى اشتراكية أو شيوعية.

إن سلاسل التوريد التي أخذت قوة دفعها الأساسي بعد الحرب الباردة من العولمة؛ أسهمت إعادة صياغتها نتيجة جائحة كورونا -التي خلقت مشاكل في التداعي والتدفق الحر للمنتجات بسبب الإغلاق- في قيام الدول المختلفة بضرورة ضمان هذا التدفق.

وكان من ضمن السياسات المتبعة نقل كثير من مكوناتها إلى داخل الدولة ذاتها أو قريبا منها لضمان السيطرة والتحكم فيها بما يعيدنا مرة أخرى إلى مفهوم الدولة القومية بالمعنى التقليدي وما يرتبط بها من مفاهيم السيادة -سيادة الدولة- في مواجهة سيادة ناعمة فرضتها مقتضيات العولمة وتصاعد أدوار الفاعلين من غير الدول.

شكّل "كوفيد-19" تحديا هائلا لقدرة الدولة -أيا كانت طبيعتها- على التعامل مع الاضطراب البشري والاقتصادي الناجم عن الفيروس. ونظرًا لنطاقه العالمي، حفز الوباء التعاون الدولي في بعض الحالات، ومع ذلك فقد ولّد أيضًا ديناميكيات تنافسية بين الدول، لكنها لم تصل إلى حد القطيعة على غرار الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي نتاج عوامل التداخل الاقتصادي والثقافي والمعلوماتي إلا إذا وقع اعتداء على أراضي الدولة القومية كما في الحرب الأوكرانية.

شكّلت خطابات التدخل الإنساني مثل مسؤولية الحماية تهديدًا واضحًا لسيادة الدولة، وأضرّت بعلاقات الجهات الفاعلة الإنسانية مع الأنظمة الاستبدادية في العديد من القضايا البارزة. في دارفور -على سبيل المثال- دفعت جهود المحكمة الجنائية الدولية لإدانة الرئيس البشير إلى اتخاذ قرار بطرد 13 منظمة غير حكومية دولية في عام 2009، كما فرض نظام بشار الأسد قيودا على جهود الإغاثة الدولية للمناطق التي لا تقع تحت سيطرته.

السياسة التشاركية

رغم ما يبدو من خلاف بين الحالة التركية وتلك السورية في التعامل مع الزلزال الحالي؛ فالأولى توجد بها سلطة مركزية تستند إلى هياكل الدولة التقليدية، في حين أن المناطق التي تضررت في سوريا تخلو من سلطات الدولة منذ سنين طويلة بل في حالة عداء معها. وعلى الرغم مما يبدو من خلاف ظاهر بين الحالتين، فإننا يجب أن نلحظ الدور الذي تقوم به ما أطلقت عليه بعض الدراسات الهياكل الأساسية غير المادية من أدوار في التعامل مع الكوارث الطبيعية.

تقع هذه الهياكل في المجتمع المحلي وتجد جذورها في شبكاته الاجتماعية والثقافية، هذه الشبكات الاجتماعية والمعلومات والمعارف التي يتبادلونها فيما بينهم هي ما يسمى "الهياكل الأساسية غير المادية". ويمثل هذا المفهوم نقيض "الهياكل الأساسية المادية" أي المنظمات، والقواعد التنظيمية، ونظم المراقبة والموارد المادية، والطرق، وخطوط الأنابيب التي تهدف إلى الحد من المخاطر.

تطرح كل من الحالتين التركية وتلك السورية سؤالا مهما وإن كان من منظور مختلف: ما حدود قدرة الدولة على التعامل مع المستجدات الطارئة؟ وما الأدوار التي يمكن أن يضطلع بها المجتمع المحلي سواء في حال غيابها بالكلية كحالة سوريا أو حضورها كحالة تركيا؟

تثبت الدولة يوما بعد آخر أن قدرتها محدودة، لكن في الوقت نفسه لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن تدخلها لا بد أن يرتبط بالشبكات والإمكانات المحلية وتنميتها أيضا أو يرتبط بالهياكل غير المادية التي عادة ما يمتلكها المجتمع المحلي.

نقول: إن الهياكل الأساسية غير المادية هي التي تذلّل الصعاب بالفعل، وإنه يتعين على المؤسسات الوطنية والدولية وصانعي القرار في مجال الحد من مخاطر الكوارث أخذ هذا الأمر على محمل الجد. يتفاعل ما يوصف كثيرا "بالمجتمعات المحلية التقليدية" مع بيئته الطبيعية ويعمل على تكييف التنظيم الاجتماعي والثقافة مع الاختلافات القائمة في ديناميات الطبيعة.

تشكل هذه المعارف قدرة معزَّزة على تحمل آثار الكوارث، فعندما انهارت -على سبيل المثال- شرايين النقل الرئيسة في بنغلاديش في مواجهة فيضان كبير حدث في عام 2006 تكفلت الشبكات الاجتماعية غير الرسمية بإيصال الأغذية إلى المدينة، وصناعة الخبز في الأحياء العشوائية ونقله إلى المناطق الأغنى بواسطة الباعة المتجولين.

ذاع صيت سكان جزيرة سايميلو الإندونيسية إثر نجاتهم من كارثة تسونامي بفرارهم إلى أعلى نقطة جغرافية، ورغم أن المنطقة لم تشهد تسونامي على مدى أكثر من قرن من الزمان، فقد أبقت الحكايات والأغاني الشعبية الذاكرة الثقافية للكوارث السابقة حية.

وبصرف النظر عن احتمال عدم القبول بالشبكات الاجتماعية غير الرسمية من منظور حكومي، فإن مسألة الوصول إلى الموقع تظل أيضا على المحك. لا تعمل الشبكات والمعارف في هذه المجتمعات بوصفها رأس مال اجتماعي وثقافي فحسب، بل ربما أيضا بوصفها رأس المال الوحيد الذي بحوزتها، كما تتصل فيما بينها من خلال الشبكات الاجتماعية التي تنتشر عبر القارات.

في هذا السياق، يمكن أن نشير إلى حالة التضامن العربي الواسعة مع ضحايا الزلزال والتي ترجمت إلى مساندة مالية كبيرة وأدوار للمتطوعين. تشكلت مجتمعات محلية جديدة على شبكة الإنترنت بصورة افتراضية، وتطورت المجتمعات التقليدية من خلال وسائط الاتصال الافتراضي ووسائط التواصل الاجتماعي، وهنا نلحظ التضامن الذي وجد من مجتمعات الشتات السورية مع المناطق المنكوبة في الوطن الأم.

وفي حين أن الشبكات المحلية ظاهرة معقدة ودينامية، فإنها تشكل رصيدا قيِّما في الاستجابة لحالات الكوارث، ويجري تشكيلها وامتدادها بصيغ جديدة. ورغم الخطاب الذي يشجع على إشراك الناس في التخطيط للتأهب والحد من المخاطر، فقلّما يتمكن أفراد المجتمع المحلي بالفعل من تحمل هذه المسؤولية، خاصة إذا تعرض للإنهاك المستمر كما في سوريا، كما أن السلطات لا تقبل دائما ما هو قائم محليا من رأس مال اجتماعي ومعارف ثقافية ولا تجيز الأخذ به وقد تدخل في عداء معه إن لم تسيطر عليه.

وتتمثل إحدى المشاكل في الفجوة القائمة في الاتصالات والمعارف والتفاعل بين السلطات المسؤولة عن الاضطلاع بجهود الحد من مخاطر الكوارث والإنعاش وبين أفراد المجتمع المحلي. إن هذه الفجوة سائدة، وفي الوقت نفسه تتوقع السلطات بشكل متزايد أن يتحمل المواطنون فرادى والمجتمعات المحلية مسؤوليات الحد من مخاطر الكوارث تحت مسمى "القدرة المحلية على التحمل".

وفي المناطق المعرضة للخطر، تكون المعارف المحلية بشأن المخاطر وكيفية التصدي لها قائمة عموما على الذاكرة الجماعية والتاريخ. وحيثما تشكل الكوارث ظواهر متكررة، تعلم الناس من التجربة قراءة علامات الخطر وتقييم حدّته، ووضعوا مرجعا للتصدي له.

الدولة عندما تحل محل الأفراد أو تضعف المجتمعات المحلية فإنها تضعف قدرتهم على التعامل مع الكوارث الطبيعية أيضا. فعلى سبيل المثال، ذاع صيت سكان جزيرة سايميلو الإندونيسية إثر نجاتهم من كارثة تسونامي بفرارهم إلى أعلى نقطة جغرافية. ورغم أن المنطقة لم تشهد تسونامي على مدى أكثر من قرن من الزمان، فقد أبقت الحكايات والأغاني الشعبية الذاكرة الثقافية للكوارث السابقة حية.

وفي مدينة سانتافي (الأرجنتين) يحتفظ سكان الضواحي بمعارف تتعلق بالفيضانات عبر الأجيال عن طريق الممارسات الاجتماعية المتعددة المتصلة بتلك البيئة النهرية تحديدا، وما هذه إلا بضعة أمثلة توضح أن أفراد المجتمع لا يتعلمون على حدة فحسب، وإنما أيضا بشكل جماعي. وكثيرا ما يتم تجاهل المجتمعات المحلية والشبكات الاجتماعية غير الرسمية في الأزمات، في حين أنها ضرورية في واقع الأمر لإنعاش المناطق المتضررة، ورغم أن إسهام المتطوعين في حالات الكوارث أساسي ويبعث على الإعجاب كخدمات الإنقاذ التي يقدمونها، فينبغي لنا ألا نستخف بذلك الإسهام.

سيتمكن القسم الأكبر من ضحايا الكوارث من النجاة بفضل الأقارب والجيران والأصدقاء والمارّة، لأنهم موجودون بالفعل في الموقع، على نحو ما شهدته معظم الحالات. ويمكن لخطاب الاعتماد على الذات أن يلهم المجتمعات المحلية للتركيز على الحل الجماعي للمشكلات مع عزل أنفسهم عن سياسات الدولة كما في حالة سوريا، أو يمكن أن يدفع المجتمعات إلى الاشتراك في المطالبة بمعايير للمجتمع والحكم كما في الحالة التركية التي ساءلت أردوغان ونظامه عن مصير ضريبة الكوارث التي جمعت على مدار السنوات السابقة وفي أعقاب زلزال 2008.

الكوارث ابتلاء للدولة؟

شاع في خطابنا الديني أن الكوارث ابتلاء من الله للأفراد والمجتمعات، ولكن لم يتوقف أحد للتساؤل: هل هو ابتلاء للدولة المعاصرة وهياكلها أيضا؟

ففي أعقاب الكوارث المفاجئة، تكثر التحديات العاجلة التي ينبغي التصدي لها؛ تشهد الدولة تحوّلًا بالغ الأهمية من البنى والنظم إلى شكل من أشكال الشبكات بحكم عوامل كثيرة. تحللت كثير من هياكل الدولة -خاصة تلك التي لها احتكاك كبير بالسوق أو المجتمع أو ظواهر العولمة وأدواتها- لتتحرك متفاعلة مع ذلك كله، ليس باعتبارها هياكل وبنى متماسكة ولكنها تتحلل إلى عدد من الشبكات التي لا يجمعها في أحيان كثيرة رابط الهيكل، وإنما ما يمكن أن نطلق عليه أصحاب المصلحة.

هنا أنا أتحدث عن التفاعل الطبيعي والمحكوم بالقواعد بين هياكل الدولة وأصحاب المصلحة في السوق والمجتمع والعالم، ولا أشير إلى اختراق هياكل الدولة بالفساد وضعف قدرتها على فرض القواعد والقوانين كما حدث في تجاوزات المقاولين في الحالة التركية. يرتبط التحدي الرئيس الذي تثيره الحوكمة بالحاجة إلى إشراك أنواع مختلفة جدًّا من أصحاب المصلحة، مثل السكان والسلطات العامة بتنوعها، والمشغلين الخاصين، والمشغلين من مختلف القطاعات، ووسائل الإعلام… إلخ.

يُعبّر عن هذه الحاجة في مفهوم حوكمة الشبكة الذي اقترحه أحد الباحثين، فلكل مجموعة من أصحاب المصلحة مصالحها الخاصة، ومن ثم فهمها لما يعنيه تحقيق المرونة وبناء المقاومة والصمود لمواجهة الكوارث. قد تنشأ التضاربات المحتملة -على سبيل المثال- عندما لا تتوافق المصالح التجارية مع الأمن العام، ويتغير دور الدولة فيما يتعلق بمؤسسات الاستثمار عندما يحدث التحرير أو الخصخصة، فلم يعد بإمكانها التأثير المباشر على تكوين وإدارة نظام التعامل مع الكوارث، بل عليها التركيز على وضع شروط إطارية لعمليات الإنتاج والأسواق ومن ثم التنظيم بما يتطلبه من المفاوضات بين مختلف أصحاب المصلحة.

قضية أخرى هي مساءلة الدولة والسلطة المركزية؛ ففي غيابها كما في سوريا لا يمكن أن تسائلها إلا من مدخل أخلاقي قيمي فقط، وتؤدي الكوارث بشكل متزايد إلى إثارة مطالبات عامة بمساءلة الخبراء وصانعي القرار بالإضافة إلى السلطات العامة. ثمة سؤالان تلوح نذرهما في بيئة ما بعد الكوارث هما: لماذا لم تكن تعلم أن الكارثة ستقع؟ أو لماذا لم تعمل على منع وقوعها؟! ويضاف إليهما سؤال ثالث: كيف كان أداء أصحاب المصلحة في الكارثة واستجابتهم لها؟
سُمعت بالفعل صرخات احتجاج قوية تتعلق بعدم تعزيز قوانين البناء السارية لمكافحة الزلازل في تركيا. وفي حالات كثيرة مماثلة، يبدو للوهلة الأولى على الأقل، أن التكيف أو التعلم من التجارب السابقة كان ضئيلا. وتساءل السوريون في المناطق المتضررة عن التأخر في تقديم العون من المنظمات الدولية والدول الأخرى.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.