كاريكاتير "شارلي إيبدو" الساخر من زلزال تركيا والتوجهات الغربية تجاه المسلمين

مقر الأسبوعية الفرنسية الساخرة "شارلي إيبدو" في باريس (غيتي)

تمثل "شارلي إيبدو" العقلية الاستعمارية الأوروبية، حيث تقود حملة الغرب الإعلامية التي تستهدف إهانة المسلمين واحتقارهم وإذلالهم ونشر الإسلاموفوبيا، لكن هذه المجلة الفرنسية تكشف ما يحاول الغرب أن يخفيه. فبينما أطفالنا مازالوا تحت الأنقاض والآلاف من شهدائنا صعدت أرواحهم إلى بارئها، وعشرات الآلاف من مصابينا يئنون من فرط الألم، وفرق الإنقاذ مازالت تواصل العمل تنشر "شارلي إيبدو" كاريكاتيرا يسخر من المسلمين، ويعني أن الزلزال قام نيابة عن دباباتهم بقتل المسلمين وتدمير مبانيهم، فلم تعد دول الاستعمار تحتاج لإرسال دباباتها لتدمير تركيا.

هذه بعض المعاني التي يتضمنها كاريكاتير "شارلي إيبدو"، وهو يكشف أن العقلية الاستعمارية تختزن العداء والحقد والغل ضد المسلمين، وتبتهج بما يتعرضون له من مآس وكوارث.

أين الإنسانية؟

هناك الكثير من الجهلاء -الذين يدعون الثقافة- يعتبرون أن وسيلتهم الأولى للتقرب من الغرب هي بالهجوم على الإسلام وترويج الصورة النمطية التي شكلها الغرب للمسلمين باتهامهم بالتطرف والإرهاب والعنف.

هذا الكاريكاتير الذي نشرته "شارلي إيبدو"، والذي يصور فرحة الغرب بما حققه الزلزال لهم من أهداف بقتل المسلمين وتدمير مدنهم، يشكل صفعة قوية على وجه المثقفين المتغربين الذين يدعون الإنسانية فقط عندما تتعرض هذه المجلة الفرنسية لهجوم؛ فيرفعون شعار "كلنا شارلي إيبدو".

الآن يجب أن يسأل هؤلاء أنفسهم: أين الإنسانية والضمير والقيم والأخلاق؟ فـ "شارلي إيبدو" تسخر من دماء المسلمين ومأساتهم وتشمت بهم وتعتبر أن الزلزال حقق أهداف الغرب، فلم تعد هناك حاجة لتحريك دباباتهم لتدمير تركيا، فهل مازال بعض المثقفين المتغربين مستعدين لأن يرفعوا شعار "كلنا شارلي إيبدو"! من خلال دراستي لسلوكهم، ومشاركتي في الكثير من المناقشات معهم، أعتقد أنهم سيواصلون الهجوم على الإسلام إرضاء للغرب الذي يخضعون له.

الكاريكاتير الذي نشرته "شارلي إيبدو" للسخرية من زلزال تركيا (مواقع التواصل)

الجهل الأحمق

سلوك هؤلاء المتغرّبين يوضح ارتباط التبعية بالجهل والغرور والحماقة، فهل هناك من يجادل في أن كاريكاتير "شارلي إيبدو" يتناقض مع الإنسانية والحضارة، ويعبر عن غرور الغرب واستكباره وعنصريته.

إن من يسخر من دمائنا، ويفرح في مأساتنا بسبب عدائه لديننا، لا يمكن وصفه بالإنسانية؛ فقد بلغ درجة من القسوة والوحشية تخجل منها الذئاب. فـ "شارلي إيبدو" ترى أن الزلزال أغناهم عن إرسال دباباتهم لقتل المسلمين وإبادتهم، ووفر عليهم بذل الجهد في تدمير المدن التركية والسورية.

إن المسلمين في كل أنحاء العالم يشعرون بالحزن والألم، والإنسانية تفرض تقديم العزاء لمن فقدوا أحبابهم، هكذا تعلم المسلمون من حضارتهم، فالعزاء يتضمن معاني المشاركة في الألم والحزن ومساعدة الآخرين على التغلب على أحزانهم، وفي هذه الحالة فالأمة الإسلامية كلها حزينة.

الحضارة الإسلامية علمتنا أن نتأدب أمام الموت ونحتقر من يفرح في مصائب الآخرين، ونعتبر أن المشاركة في تخفيف الآلام وتضميد الجراح والمواساة هي من آداب الحضارة، فهل يمكن أن توصف فرنسا بأنها متحضرة عندما تسمح لـ "شارلي إيبدو" بالتعبير عن الفرح في مأساة المسلمين والسخرية من دماء شهدائهم؟! وعلى كل من يدعي الحضارة والإنسانية أن يسأل نفسه: ماذا يعني أن الزلزال أغناهم عن إرسال الدبابات؟! فهل كانوا ينوون إرسالها لقتل المسلمين في تركيا وسوريا؟!

ادعاء الحضارة والآداب

من المؤكد أن هذا الكاريكاتير يوضح أن الغربيين فقدوا الذوق والأدب والإنسانية والحضارة والأخلاق، وهذا يدفعنا إلى قراءة التاريخ بعمق لمراجعة سلوك الأوروبيين طوال القرنين الماضيين. يدفعنا لإعادة الوعي لشعوبنا بأن من يسخر من أحزانها ويفرح بمأساتها لا يمكن أن يكون متحضرا، وفرنسا التي تدعي الأدب والحضارة قامت بإبادة الملايين من المسلمين في الجزائر وأفريقيا وهي اليوم تفرح لأن الزلزال قام نيابة عن دباباتها بقتل المسلمين!

ليست حرية رأي وتعبير

نتوقع أن يقول جاهل إن فرنسا تحمي حرية الرأي والتعبير، لكن هل حرية الرأي تقتصر على الهجوم على الإسلام والسخرية من دماء المسلمين ونشر الإسلاموفوبيا والترويج للعنصرية الغربية؟! هل التعبير عن الرأي في الغرب الذي يدعي الحضارة يقتصر على إهانة المسلمين والإساءة لرسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم؟!

تلك أسئلة تحتاج إلى إجابة جديدة تربط الحرية بالعدل والأخلاق، فحرية الرأي والتعبير تتعرض للانتهاك والتقييد في كل دول العالم، والدول الغربية تعتبر الدعوة للإسلام والدفاع عنه تطرفا وإرهابا، وأكثر من يتم تقييد حريتهم في الرأي والتعبير هم المسلمون حتى في الدول العربية التابعة للغرب.

لذلك يتم الدفاع عن حرية الرأي باستخدام معايير مزدوجة ومكاييل متعددة، وهذا يشكل ظلما للمسلمين، وإدارة للصراع معهم، فهل يعتبر النظام العالمي السخرية من دماء المسلمين ودينهم وعقيدتهم حرية "رأي"؟!

إثارة الكراهية كخطر يهدد البشرية كلها

من يتابع وسائل الإعلام العالمية يدرك جيدا أن الكثير من المضمون الذي تنشره هذه الوسائل يتضمن جرائم التحريض على العنصرية والكراهية ضد الإسلام، وأن الغرب يستخدم وسائل الإعلام لإدارة الصراع ضد الإسلام؛ بإقناع الغربيين بأن شن العدوان على المسلمين مشروع وأنه لا قيمة لدمائهم.

هذه الوسائل تستخدم أساليب ذكية للتأثير على الجماهير بشكل غير مباشر، تقوم بإخفاء الحقائق، أما "شارلي إيبدو" فإنها تتميز بالصراحة والوقاحة والعنجهية والاستكبار؛ فلا تحتاج لاستخدام أساليب غير مباشرة، إذ أنها تعلن العداء للإسلام بكل وضوح، وتتعامل مع المسلمين باحتقار.

هذا الكاريكاتير -الذي نشرته تعليقا على الزلزال- يكشف حقيقة مهمة هي أن نشر الكراهية مقدمة لحروب قادمة لن يكون فيها لدماء المسلمين أهمية.

جريمة ضد الإنسانية

هذا الكاريكاتير يشكل جريمة ضد الإنسانية تضاف إلى الجرائم التي ارتكبتها هذه المجلة من قبل بالإساءة لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى جرائم فرنسا بإبادة المسلمين في الجزائر وأفريقيا، وليس من حق أحد أن ينتهك حقوق المسلمين في الدفاع عن دينهم ورسولهم ودماء شهدائهم بادعاء أن ما نشرته هذه المجلة تعبير عن الرأي. فهذا الكاريكاتير يشكل انتهاكا للميثاق العالمي لحقوق الإنسان، فهو تحريض عنصري على الكراهية وإذلال المسلمين.

 كيف نرد بحكمة تتناسب مع حضارتنا؟

نحن لا ننتظر من الغرب الاستعماري المستكبر أن يتضامن معنا في مأساتنا، لكننا يجب أن نرد على هذا الكاريكاتير بأساليب مبدعة تعبر عن وعينا بحضارتنا عن طريق التضامن مع المسلمين في تركيا وسوريا، وأن نوضح للعالم أننا أمة واحدة نعرف حقوق شهدائنا، ونرفض أن يسخر أحد من دمائنا، وأن مأساتنا يمكن أن توحدنا وتزيد اعتزازنا بحضارتنا التي علمتنا الأدب والأخلاق والذوق والإنسانية.

إننا أمة وحّدها الإسلام، وسوف تزيد دماء الشهداء وعينا لنعيد بناء قوتنا وحضارتنا التي اشتدت حاجة البشرية لها في هذا العصر الذي ينتشر فيه الظلم والعنصرية الغربية، وتدير فيه العقلية الاستعمارية الصراع مع المسلمين بترويج الإسلاموفوبيا والكراهية وفرض النظم المستبدة.

فرنسا تنتهك أخلاقيات الإعلام والصحافة

سأناقش تأثير هذا الكاريكاتير الذي نشرته "شارلي إيبدو" من ناحية أخرى، فهذه المجلة تنتهك أخلاقيات الإعلام، وتحريضها على العنصرية والكراهية يشكل عارا على الصحافة، لذلك يجب أن يدافع الصحفيون عن كرامة مهنتهم ويحمونها من أن تتحول إلى وسيلة لتبرير إبادة المسلمين وإدارة الصراع مع الإسلام.

لقد عشت حياتي أدافع عن حرية الصحافة والإعلام فهي أساس الديمقراطية والتقدم، لكنني ربطت في دراساتي ومحاضراتي بين الحرية والأخلاقيات، ذلك أن الالتزام بالمواثيق الأخلاقية من أهم الأدلة على أن مهنة الصحافة بلغت درجة النضج والحكمة، ومن أهم ما اتفقت عليه هذه المواثيق هو حظر الترويج للعنصرية والكراهية.

من المؤكد أن دلالات الكاريكاتير الذي نشرته "شارلي إيبدو" خطيرة، فهل يقبل صحفي أن تروج صحيفة أن الزلزال دمر تركيا بدلا من أن تقوم الدبابات بتدميرها؟! هل يعني ذلك أن فرنسا تخطط لتدمير تركيا! هل يمكننا اعتبار هذه رسالة مضمّنة؟!

هل يشعر الصحفيون بالعار لقيام صحيفة بنشر هذا الكاريكاتير! لذلك أدعو كل الصحفيين في العالم للدفاع عن مهنتهم وإعلان رفضهم للترويج للكراهية والعنصرية والإسلاموفوبيا، واستخدام وسائل الإعلام للصراع مع الإسلام، والتبرؤ من "شارلي إيبدو" والتأكيد على أهمية الالتزام بأخلاقيات الإعلام للدفاع عن حرية الصحافة، وبناء صورة إيجابية لها تقنع الجماهير باحترامها.

التحيز ضد الإسلام تقييد لحرية الإعلام

هناك أيضا قضية مهمة هي أن سلوك "شارلي إيبدو" يوضح تحيز وسائل الإعلام الغربية ضد الإسلام، وكان من أهم نتائج ذلك التحيز حرمان الجماهير الغربية من حقها في معرفة الإسلام الذي يقدم حلولا للمشكلات التي تهدد وجود البشرية، ومن أهمها التفرقة العنصرية والكراهية والظلم، فالغرب يدرك جيدا أن الإسلام يمكن أن يقود كفاح الشعوب للتحرر من التبعية والاستعمار، وتحقيق الاستقلال الشامل.

لذلك لا يمكن قراءة دلالات الكاريكاتير الذي نشرته "شارلي إيبدو" -وكل ما نشرته من قبل- إلا في ضوء دراسة التحيز الغربي ضد الإسلام، واستخدام وسائل الإعلام في إدارة الصراع معه.

هذه ليست مجرد إساءة

دلالات الكاريكاتير توضح أن المشكلة أكبر من مجرد الإساءة للإسلام، أو ابتهاج بما أحدثه الزلزال من دمار في تركيا وسوريا، ولكنها استخدام وسائل الإعلام في إدارة صراع طويل المدى، وإشارة إلى أن العالم يمكن أن يشهد خلال السنوات القادمة صدام حضارات وحروب إبادة يشنها الغرب بدباباته ضد المسلمين خاصة تركيا التي عبرت "شارلي إيبدو" عن فرحها بما أحدثه الزلزال فيها من دمار.

دراسة مضمون وسائل الإعلام الغربية.. لماذا؟

إن هذا يدفعنا إلى التفكير في إنشاء مراكز علمية متخصصة في تحليل مضمون وسائل الإعلام الغربية، فالحرب تبدأ في عقول البشر، وتستخدم فيها الكلمات والصور قبل أن تتحرك الدبابات لتدمر العمران، وتحرق المدن.

كاريكاتير "شارلي إيبدو" يشير بوضوح إلى استخدام الدبابات، لكن الزلزال أدى إلى تأجيل استخدامها بعدما أدخل السعادة والفرح على نفوس الغربيين، إنها الحقيقة التي كشفها الكاريكاتير الذي يوضح أن العقلية الاستعمارية ما زالت تحكم الغرب، وأنها تستعد لاستخدام القوة الغاشمة، لكن جاء الزلزال ليؤجل تحرك الدبابات لتدمير تركيا!

أعتقد أننا أصبحنا نمتلك القدرة على التحليل والتفسير وشرح دلالات الكلمات والمفاهيم وكيفية استخدامها في إدارة الصراع، لذلك يجب أن نستخدم عقولنا وقدراتنا العلمية لحماية أمتنا، والتخطيط لمستقبلنا حتى لا تتكرر المذابح التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر.

إننا لا ننتظر العزاء في شهدائنا من الذين يخططون لاستخدام الدبابات لتدميرنا، ويفرحون لأن الزلزال قام بتدمير مدن المسلمين نيابة عن دباباتهم فلم تعد هناك حاجة لتحريكها!

لكننا يمكن أن نوضح للغرب -في هذه اللحظة التاريخية- أنه أصبح لدينا القدرة على فهم أهدافه ومخططاته، وأننا يمكن أن نتوقع أحداث المستقبل عن طريق تحليل مضمون الرسائل الإعلامية وتفسيرها، وأن المآسي التي تمر بها أمتنا ستجعلها تدرك الخطر، وتستخدم عقولها لمواجهته.

أما تركيا فإنها ستتمكن -بعون الله وفضله وقوته- من إعادة بناء مدنها التي دمرها الزلزال، سنودع شهداءنا، ونعالج مصابينا ونعيش حزننا النبيل، وسنكتشف أصدقاءنا وأعداءنا ونستعد لبناء المستقبل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.