الخوف.. الحزن والترفيه.. حول استدامة الموارد الفكرية والوجدانية للمجتمعات

ما زال عدد موتى الزلزال المدمر في كل من سوريا وتركيا مستمرا في الارتفاع (وكالة الأناضول)

ما زال عدد موتى الزلزال المدمر في كل من سوريا وتركيا مستمرًا في الارتفاع، على الأقل حتى وقت كتابة هذه السطور. وما زالت مشاعر التعاطف ومظاهر التراحم صامدة على الرغم من الملهيات، ولا شك أن الحياة ستستمر وينبغي لها أن تستمر خاصة لأهل المناطق المنكوبة في تركيا وسوريا.

غير أنه على مستوى التدبر والتبصر وإدماج الأحداث وذكراها في رؤيتنا للحياة على هذه الأرض فإن العبء مشترك بين من أصابهم الزلزال وبين من حولهم، بل قد يكون أشد علينا في دول المنطقة خاصة مع الهجوم المتكرر لأعباء الحياة اليومية للبعض وإيحاءات الرفاهية الخالدة لآخرين.

أتى الزلزال، في أحد معانيه، للتذكير بأن هذه الأرض غير مستقرة جيولوجيا واجتماعيا وأنها لا يمكن أن تكون وطنا دائما تبنى على أرضه أحلام الاستدامة والخلود، وأن الحياة هنا لا تخلو من الخوف والحزن. تذكرة بأن حالة "… لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ…" مؤجلة لحياة أخرى. أما هنا فالخوف والحزن لا يمكن التخلص منهما أو تجاهلهما، ربما إدارتهما.

بعد الخضوع لله، لا يوجد ما هو أعلى من أن تضع ابتسامة على وجه أبنائك. لكن هذا شيء وتجفيف مشاعرهم ومخزونهم الوجداني في أروقة مهرجانات ومواسم الترفيه شيء آخر، هذه الأخيرة ممارسة تغيب عنها معايير الاستدامة

أتى الزلزال أيضًا وكثير من دول المنطقة قد أعلت من الترفيه واستعلت به حتى أصبح معيارًا للتنمية والتقدم. والترفيه الذي أقصده ليس ذاك الذي يبدأ بنزهة في حديقة أو ينتهي بجلسة على البحر أو في البر بل الترفيه كقطاع اقتصادي ومشروع سياسي يُكره الحواس على الانبهار ويخترق بوابات الفكر والوجدان ليفرض الامتثال.

اليوم يقدم قطاع الترفيه والسياحة والتسوق كأحد أهم مسارات تنويع الدخل في الدول المعتمدة على مصدر دخل واحد غير مستدام. وهذه حقا مفارقة عجيبة، أن يكون الترفيه جسرًا للاستدامة. فإذا كانت الاستدامة تعني التعامل بمسؤولية مع الموارد بما يضمن الاحتياجات الحالية دون الإخلال باحتياجات الأجيال المقبلة فإن الترفيه لا يبدو الاختيار الأفضل لتحقيق هذه المعادلة.

والحجة ضد الترفيه كأحد المسارات الواعدة للاستدامة تتطلب النظر في أدوار الترفيه الأخرى، ومنها: إدارة الخوف والحزن، إدارة تعد بتحقيق حالة "… لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ…" الآن في هذه الدنيا، وهذا دور سياسي بامتياز كما سيأتي، الآن تكفيك نظرة واحدة على أجندة الترفيه في المنطقة لترى مدى تنوع وكثافة الأنشطة الترفيهية، فما أن تنتهي فاعلية حتى يبدأ مهرجان، ليبدأ معرض قبل أن ينتهي المهرجان، فتزاحمهما حفلة، قبل أن يبدأ موسم وهكذا. ما أن تدير عنقك لتولي وجهك وجهة أخرى حتى حاصرتك الأضواء والضوضاء، لتجد نفسك، من جديد، تركض بأطفالك وسط الزحام لعلك تدرك انعكاس الضوء ابتسامة على وجه ابنك.

وبعد الخضوع لله، لا يوجد ما هو أعلى من أن تضع ابتسامة على وجه أبنائك. لكن هذا شيء وتجفيف مشاعرهم ومخزونهم الوجداني في أروقة مهرجانات ومواسم الترفيه شيء آخر، هذه الأخيرة ممارسة تغيب عنها معايير الاستدامة. والاستدامة التي أقصدها ليست تلك التي تستشرف جفاف منابع الموارد الطبيعية، بل جفاف منابع القوة الوجدانية والفكرية للتعامل مع جفاف منابع الموارد الطبيعية وتغير الأحوال بشكل عام. والترفيه كما يقدم اليوم شكلاً وموضوعًا وكما وكيفا لا يبدو أنه يحترم هذا البعد من الاستدامة.

سيكون هناك حزن وسيكون هناك خوف، ببساطة لأن هذا جزء من الحياة الدنيا. ستكون هناك كوارث طبيعية، وأخرى من صنع الإنسان، وأخرى خليط بينهما، وقتها ستحتاج الأجيال المقبلة لسمات وقدرات نفسية وقيم أخلاقية كالصبر والعزم والشجاعة والعزة والكرامة. وهذه بدورها تحتاج مخزونا وجدانيا وفكريا مستداما ينبغي التعامل معه بمسؤولية تمامًا كما نتعامل مع الموارد الطبيعية والمادية حتى تكون للأجيال المقبلة فرصة لإدارة الخوف والحزن وعدم تضييع هذه الحقوق المستقبلية في سبيل أهداف سياسية آنية.

والأهداف السياسية للترفيه تبدو واضحة، ومنها تجريف الأرضية الثقافية التي تساعد حركات وجماعات غير "دولاتية" على جذب وحشد الأنصار وما تطلبه هذه الحركات من ولاءات عاطفية وفكرية وسياسية متجاوزة للدولة وجماعتها الوطنية، أي تجفيف الأرضية الثقافية والوجدانية لخطاب هذه الحركات والاستجابة له. قد تتفق أو تختلف مع هذا الهدف وبالتأكيد على الترفيه كالوسيلة الأفضل لتحقيقه، ولكن في كل الأحوال من الصعب تجاهل أن هذه الممارسة لا تتسم بالاستدامة، إنها ذهبت بعيدًا، أو عميقًا، حتى أصبح يخشى على قدرة الأفراد والمجتمعات في الاستجابة الفكرية والوجدانية لأحداث دنياهم.

أيضًا، إذا كان الترفيه هو البضاعة فإن الدولة هنا هي "تاجر السعادة"، وعمل الدولة على إسعاد جماعتها الوطنية أمر محمود ومقدر ومعتبر لا شك في ذلك، ولكن حصر السعادة في الترفيه بل في أنواع معينة من الترفيه ومن ثم جعل هذا الترفيه حجر زاوية في علاقة الدولة بالمجتمع وأحد أركان شرعية السلطة السياسية فهذه ممارسة تتسم بمستوى عال من المخاطر. فالغاية لا تدرك "… لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ…" والوسيلة (الترفيه) قاصرة ومؤقتة.

هذه السطور بالطبع لا تعبر عن وجهة نظر رافضة للترفيه بمعناه العام وبالتأكيد ليست ضد السعادة ولكنها فقط تذكير بأن الاستدامة الاقتصادية والاستقرار السياسي مرتبطان بقدرة المجتمعات على التعامل مع تقلبات الحياة، وهذا بدوره يتطلب استدامة الموارد الفكرية والوجدانية لتلك المجتمعات وأن الترفيه بشكله ومضمونه الحالي وأدواره الاقتصادية والسياسية الآنية لا يخدم هذه الاستدامة.

اليوم، ما زلنا قادرين على التعاطف، بل وعلى التقمص العاطفي لنشعر بحزن وخوف الآخرين، ما زلنا نعجب بالصبر ونصفق للشجاعة وتلهمنا العزة، هذا كله يجب أن يكون متاحًا للأجيال المقبلة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.