أي تأثير للزلزال على المستقبل السياسي لأردوغان؟

لدى أردوغان تجارب ناجحة في التعاطي مع الكوارث الطبيعية والتعافي منها (الجزيرة)

يكاد يكون الأسبوع الماضي أطول وأكثر أسبوع مأساوي يمر على تركيا في تاريخها الحديث بفعل الزلزال المدمر الذي ضرب جنوبي البلاد وخلّف كارثة إنسانية لم يشهدها البلد منذ ما يقرب من قرن من الزمن. في هذه المحنة الكبيرة، كان من المفترض أن تسود الوحدة الوطنية محل الاستقطاب السياسي، وأن لا يكون هناك مكان للحديث في السياسة، أقلّه حتى الانتهاء من انتشال العالقين من تحت الأنقاض ودفن جثث القتلى ونقل المشردين من منازلهم المدمرة إلى أماكن سكن مؤقتة، لكنّ ذلك لم يحدث تماما.

سارع قادة أحزاب المعارضة، بمن فيهم زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو الذي يُقدم نفسه مرشحا للانتخابات الرئاسية، إلى تصويب النقد نحو الرئيس رجب طيب أردوغان وتحميله مسؤولية الكارثة، واتّهام حكومته بالفشل في إدارة الإغاثة وعدم الاستعداد اللازم قبل الكارثة.

على مدى عقدين من الزمن، تميّز أردوغان بالإصرار على تنفيذ مشاريع بناء كبيرة، لكنّ عامل الوقت قد لا يكون مناسبا له هذه المرة لإظهار قدرته على التعافي من الكارثة في ظل أن الانتخابات المقبلة لم يتبق لها سوى أقل من 3 أشهر

وعلى الرغم من أن أردوغان نفسه أقر بوجود ثغرات في عملية الإغاثة، وأرجعها إلى أسباب مثل الأضرار الكبيرة التي أحدثها الزلزال والعوامل المناخية الصعبة التي عقّدت وصول فرق الإغاثة بشكل سريع إلى جميع المناطق المنكوبة، فإن انتقاد المعارضة بدا مدفوعا بشكل رئيسي بما تعتقد أنّها فرصة لحشد الرأي العام خلفها قبل الانتخابات، التي يُفترض أن تُجرى في الأشهر القليلة المقبلة.

لقد جلبت الكارثة معها منذ اللحظة الأولى أسئلة كبيرة وصعبة حول أثرها المتوقع على السياسة الداخلية، وفرضت تحديا جديدا على أردوغان في وقت يستعد فيه لخوض أصعب اختبار انتخابي له في مسيرته السياسية. لدى تركيا تجربة غير بعيدة مع كارثة طبيعية مشابهة حدثت قبل أكثر من عقدين عندما ضرب زلزال مدمر منطقة مرمرة وأودى بحياة 17 ألف شخص، وأحدث تداعيات سياسية عميقة مهّدت الطريق أمام أردوغان للوصول إلى السلطة بعد 3 سنوات.

كانت الاستجابة الضعيفة للدولة وقتها في إدارة الكارثة سببا رئيسيا في ذلك التحول السياسي. مع أن إدارة أردوغان حتى الآن لكارثة زلزال السادس من فبراير/شباط الجاري لا يُمكن تشبيهها على الإطلاق بإدارة كارثة 1999، إلا أنّها قد تؤدي إلى نتيجة سياسية مشابهة إذا لم ينجح في إدارة عملية التعافي منها بشكل سريع. بعض الأضرار الفورية التي لحقت بأردوغان قد لا يُمكن إصلاحها خصوصا في ظل الأسئلة المطروحة حول الجودة الرديئة للعديد من المباني التي انهارت بفعل الزلزال، إلا أن الشفافية في محاسبة المسؤولين وإدارة جيدة وسريعة للتعافي من الكارثة ستحدان من الضرر.

لدى أردوغان تجارب ناجحة في التعاطي مع الكوارث الطبيعية والتعافي منها. لكنّ الكارثة الحالية كبيرة للغاية من حيث خسائرها البشرية وأضرارها المادية التي طالت مساحة تُقدر بـ500 كيلومتر مربع، وهي تُشكل نحو 10% من الناتج الإجمالي المحلي. كما أن ما يقرب من 20 مليون شخص تضرروا من الزلزال.

سيتطلب التعافي من الكارثة وتقليص تداعياتها على أردوغان إظهار العزيمة في محاسبة المسؤولين عن أعمال البناء الفاسد الذي فاقم من الخسائر البشرية والشروع الفوري في إعادة إعمار ضخم للمناطق المنكوبة، وما يتطلبه من تخصيص عشرات المليارات من الدولارات ستُضاف إلى الأعباء المالية الأخرى التي تواجه ميزانية الدولة والناجمة عن الإنفاق الكبير على حزم التحفيز الاقتصادي وزيادة الرواتب لمواجهة التضخم.

على مدى عقدين من الزمن، تميّز أردوغان بالإصرار على تنفيذ مشاريع بناء كبيرة، لكنّ عامل الوقت قد لا يكون مناسبا له هذه المرّة لإظهار قدرته على التعافي من الكارثة في ظل أن الانتخابات المقبلة لم يتبق لها سوى أقل من 3 أشهر إذا ما تم تقديم موعدها إلى 14 مايو/أيار المقبل كما وعد أردوغان سابقا. هنا يبرز تأثير آخر محتمل للزلزال على المشهد السياسي يتمحور حول مستقبل الانتخابات نفسها، وما إذا كانت ستُجرى بالفعل في ظل هذه الظروف.

هناك 3 سيناريوهات تُحدد مصير الانتخابات المقبلة، وجميعها تنطوي على مخاطر سياسية على أردوغان وإن كانت بدرجات متفاوتة:
أولاً، أن يمضي أردوغان في اتخاذ قرار بتقديم موعد الانتخابات إلى 14 مايو/أيار القادم، وهو خيار أصبح الأقل ترجيحا بفعل الظروف الجديدة التي فرضتها كارثة الزلزال على الأولويات الداخلية.

وثانيا، تخلي أردوغان عن خيار تبكير موعد الانتخابات وإجرائها بدلاً من ذلك في موعدها الأصلي يوم 18 يونيو/حريزان المقبل، وهو ما يمنحه شهرا إضافيا للتعامل مع تداعيات الزلزال. علاوة على أن شهرا إضافيا لن يكون كافيا للرئيس لتقليص التداعيات المحتملة للكارثة على فرصه الانتخابية، فإن هذا الخيار لا يخلو من مخاطر أخرى.

مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الظرف الاقتصادي في رغبة أردوغان السابقة في تقديم موعد الانتخابات، فإن التعافي من كارثة الزلزال سيُفاقم من الضغوط الاقتصادية.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في تأجيل موعد الانتخابات.

على الرغم من أن المادة 78 من الدستور تسمح بتأجيل الانتخابات لمدة عام واحد فقط بسبب الحرب، فإن أحد الخيارات المطروحة هو أن يبحث الحزب الحاكم عن طرق أخرى لتأجيل الانتخابات واتخاذ قرار بذلك من قبل المجلس الأعلى للانتخابات لا سيما أنه لا يُمكن الطعن في قرارات المجلس أمام القضاء أو أي سلطة أخرى بموجب الدستور. مع ذلك، فإن احتمال تأجيل الانتخابات قد يخلق جدلا دستوريا حول السلطة المخولة باتخاذ القرار بما يُعمّق من الاستقطاب السياسي والمجتمعي.

مع أن الموعد الذي ستُجرى فيه الانتخابات المقبلة سيُحدد بشكل رئيسي حجم الأضرار المحتملة على أردوغان جراء كارثة الزلزال، فإن الكارثة فرضت تحوّلا كبيرا في الأولويات الداخلية وستُهيمن على النقاشات السياسية والانتخابية بعد الآن. لطالما تميّز أردوغان ببراعته في تحويل الأزمات الكبيرة إلى فرص لتعزيز حضوره السياسي.

على سبيل المثال، استطاع بعد عام من إحباط محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 2016 تمرير استفتاء دستوري للتحول إلى النظام الرئاسي، ثم نجح في إعادة انتخابه رئيسا للجمهورية في العام التالي. لكنّ قدرته على الحد من تداعيات كارثة الزلزال على مستقبله السياسي، أو تحويلها إلى فرصة لتعزيز صورته في الداخل كقائد قوي قادر على التعامل مع أزمات بهذا الحجم، تتوقف بالدرجة الأولى على كيفية استجابته الفورية وبعيدة المدى لها.

في ضوء أن العواقب المؤكدة لأي فشل في إدارة الكارثة ستكون مكلفة لأردوغان، فإن أولويته الرئيسية الحالية ستُركّز أولاً على الحد من الأضرار الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المنكوبة، وثانيا قطع الطريق على أحزاب المعارضة لتوظيف هذه الأزمة وتحويلها إلى ميزة انتخابية جديدة لها، وهو ما لا يُمكن فعله من دون إظهار الشفافية الكاملة في محاسبة المسؤولين عن تفاقم الخسائر البشرية والشروع في إعادة إعمار سريعة. بالنسبة للمعارضة، فإن قدرتها على تعزيز وضعها السياسي بعد كارثة الزلزال تتوقف على نتيجة تعامل أردوغان معها وليس على براعتها الخطابية في انتقاد الرئيس وحكومته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.