كلب الأسيرة.. كيف ربحت المقاومة الفلسطينية معركة الصورة؟

أسيرة إسرائيلية تلقي التحية عرفانًا بحسن معاملة المقاومة ما يدحض الأكاذيب الإسرائيلية (رويترز)

منذ زمن بعيد والحرب لا تقف عند حد أحداث المواجهة في ميدان النار والدم والهلاك والخراب، والتي تصاغ في أخبارٍ تبثها مختلف وسائل الإعلام، وقصصٍ يرويها المتحاربون، إنما تمتد إلى الصور التي تنبت من رحم الواقع، أو تهندسها عقول ماهرة في حبك الدعاية وسبكها.

ففي القرون الغابرة، وقبل اختراع الكاميرا، كان جنرالات الحرب يصطحبون معهم الرسامين، ليرسموا ما يجري، فإن كان ثَمةَ نصرٌ أرسلوا الصور ليراها الناس في البلاد، ويطمئنوا إلى أن جيشهم ينتصر.

الصورة وصناعة النصر

تعزّز حضور الصورة في الحرب مع اختراع الكاميرا، وتقدمت لتشغل جانبًا كبيرًا من تعريف النصر أو الإقرار به، بل إن حروبًا كاملة أُعلن فيها هذا النصر من جانب الطرف القادر على صناعة الصورة وتصديرها والتحكم في تدفقها، كانت أولاها حرب الخليج الثانية التي شنتها قوات التحالف على العراق لإخراجه من الكويت في عام 1991، وسيطرت فيها "السي. إن. إن" على الأذهان والمخيلات.

صارت الصورة جزءًا من معادلة النصر، أو عنصرًا من حساباته المعقدة، وبات وجودها، عفويًا كان أو مدبرًا، له تأثير مهم على سير المعارك، ثم على النتائج المترتبة عليها في المديَين: القريب والبعيد؛ نظرًا لما تتمتع به الصورة من قدرة على الرسوخ في الذهن، وانفتاح على تأويلات متعددة تصبّ في صالح من يصنعها أو من يستغلها بوعي واقتدار.

لم يكن هذا الأمر خافيًا بالطبع على قادة إسرائيل، ومن يديرون جهاز دعايتها المتوثّب دومًا، فأطلقوا يوم السابع من أكتوبر صورة خيالية، عبر سردية شفاهية، حين تحدثوا عن أطفال إسرائيليين مقطوعي الرأس، ونساء مشقوقات الصدور ومبقورات البطون.

ونطق بهذا الرئيس الأميركي جون بايدن نفسه، نقلًا عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فتسابقت وسائل الإعلام العالمية على تصوير ما لم يره أحد.

إسرائيل تخسر

تساءل الناس عن الصورة التي تم وصفها دون أن يعرضها أحد أمام عيونهم، وهذا لم يكن أمرًا مستساغًا في زمن اجتياح الصور، وسهولة تداولها، فأُسقِط في يد بايدن.

أعاد بايدن ارتباكه إلى نتنياهو، فلم يجد أمامه من سبيل سوى الإمعان في الكذب، ليعرض أمام العيون صورة مختلفة، قال: إنها لطفل متفحم، لكن كثيرين قاموا بتكذيبها بما مكنته إياهم تقنيات الاتصالات من قدرة على التحقق، ثم سرعان ما انجرف كل هذا في الصور الأليمة التي انهمرت من غزة كمطر أسود.

بيدها خسرت إسرائيل معركة الصورة في عدوانها على غزة ثلاث مرات متتابعة، بينما ربحتها المقاومة مرتين، فتضاعف مكسبها حين أضيف إليه ما أخفقت فيه تل أبيب، وهذه مسألة لم تتحقق للفلسطينيين منذ انتفاضة الحجارة التي اندلعت عام 1987، بل هي هذ المرّة أسرع وأنصع شكلًا، في ظل ثورة الاتصالات، التي حوّلت العالم كله إلى غرفة واحدة.

الإرهاب الإسرائيلي

لقد حضرت الصورة بغزارة في العدوان الإسرائيلي على غزة، وكانت الأكثر تحريكًا للمشاعر والعقول، ولأننا في عصر الصورة فقد طغت، ولأنها وحدها، وفي حد ذاتها، عابرة للغات واللهجات والثقافات، فقد ساحت الصور الملتقطة من قلب غزة، لاسيما لأطفال شهداء أو مجروحين أو محروقين، وتبعتها صور المستشفيات المقصوفة، وكذلك المدارس والمساجد والكنائس والبيوت.

أغنت تلك الصور عن ملايين الكلمات التي تشرح ما يجري، وتجعل من له عين ترى، وعقل يفهم، وضمير يحكم، بوسعه، أن يميز بين الأشياء، ويعرف أين هو المعتدي، وأين المعتدَى عليه؟ أين صاحب الحق، وأين هاضمه؟

ثم جاءت لحظة تبادل الأسرى لتميز بين الفريقين المتصارعين تمامًا، وتنطق بأشياء كثيرة يتم السكوت عنها، أو مستبعدة بفعل فاعل عن أذن العالم وبصره. فالمقاومة التي يتم نعتها بالإرهاب، تعامل أسراها من الإسرائيليين وغيرهم الذين أفرجت عنهم بطريقة غاية في الاحترام والتواضع واللطف، بينما يعامل الاحتلال من أخرجهم مجبرًا من سجونه في منتهى القسوة والغلظة والاستفزاز، ويمنع أهلهم من الاحتفاء أو الاحتفال بهم، ويهددهم هم أنفسهم بالاعتقال والسجن.

صورةُ الأسرى الخارجين من غزوة مصحوبةٌ بتلويح أيادٍ مودعة، ومصافحات دافئة، وابتسامات ونظرات مفعمة بالامتنان. بل رأينا هذه التي تكتب رسالة بالعبرية تقول للمقاومة فيها: "شكرًا لأنكم عاملتم ابنتي كملكة".

ورأينا هذه التي تصطحب كلبها الذي كان محتجزًا معها، وكيف خرج هو الآخر دون أن ينقص من جسده شيء، بل عدَّه الفاهمون دليلًا على الراحة والاطمئنان الذي لاقاه الأسرى، لأنه لا يمكن لكلب أن يُمثّل الارتياح أو يتصنعه مؤقتًا ليمرر موقفًا عصيبًا مثلما يفعل البشر.

أما صورة الأسرى المفرج عنهم من سجون إسرائيل، فكانت على النقيض من ذلك. خرج أطفال فلسطين ونساؤها من الزنازين كاسفي البال، وجوههم مرهقة، وإن ابتسموا في وجه أهاليهم، فهم يدمعون حزنًا على إخوانهم الذين تركوهم خلف ظهورهم يلاقون أصنافًا من التعذيب الرهيب في السجن.

تغيّر الذهنية الغربية

قادت المضاهاة بين المشهدين كثيرين في مشارق الأرض ومغاربها إلى تكوين انطباع ليس عن سير الحرب فقط، بل أيضًا عن اختلاف الطباع، وتفاوت القدرة على التحمل، بين قوات الاحتلال والمقاومة، وبين "المستوطين" و"المحاصرين"، بل وجدنا من يتساءل عن الاعتقاد الديني الذي يجعل شعبًا يصبر ويتحمل الأذى الشديد على هذا النحو؟ وهو ما جعل فتاة أيرلندية تربط بين الإسلام وقوة التحمل، وسيدة أميركية ترى أن الله حاضر بين الفلسطينيين، ثم تقول منفعلة: لو أن هناك إلهًا سيكون الفلسطينيون والمسلمون شعبه المختار.

إنَّ الصورة الفوتوغرافية والمتلفزة التي حملتها وسائل التواصل الاجتماعي أدت إلى تغيير جانب من "الصورة الذهنية" لكثير من المواطنين في الغرب، التي كرّستها الرؤى الاستشراقية، والدعاية الصهيونية والإسرائيلية، ووسائل الإعلام التقليدية المعبرة عن القوى السياسية المهيمنة في أوروبا والولايات المتحدة لزمن طويل.

الفلسطينيون يربحون

ويمكن لهذا التغير الذي جاء في ركاب "طوفان الأقصى" أن يتعمق ويتسع، إذا توافر شرطان أساسيان هما:

1ـ قدرة الفلسطينيين على الاحتفاظ بالصورة الناصعة التي صُنعت لهم، وبُني جزء أساسي منها على إفراط إسرائيل في العدوان، وجزء آخر على تصرف الشعب الفلسطيني بإبداء التحمل والصبر والصمود، مثلما رأينا مع الرجل الذي كان يودع حفيدته ويصفها بـ "روح الروح"، أو تصرف المقاومة من خلال التسامي والتسامح، حسبَ ما جرى في لحظة تسليم الأسرى إلى الصليب الأحمر.

ولا بد في هذه النقطة من الانتباه إلى عدم ارتكاب الفلسطينيين أنفسهم مستقبلًا أي فعل يجرح هذه الصورة، ويخلق فرصة سانحة لإسرائيل كي تسيء إليها، وتستعيد زمام المبادرة في معركة الصورة الذهنية.

2 ـ قدرة مناصري القضية الفلسطينية على تبديد الهجمة الدعائية المرتدة التي أخذت إسرائيل في تنفيذها، وبدأت بالتضييق على حراس البوابات أو أصحاب المنصات، مثلما حدث مع إيلون ماسك مالك منصة" X"، ثم الذهاب إلى المؤسسات الأكاديمية والإعلامية التقليدية والاجتماعية، وتجنيد الذباب الإلكتروني، وصنّاع المحتوى على شبكة الإنترنت، في سبيل تحسين الصورة، أو استعادة الصورة التي ثبت أنها بريقها هو بفعل الطلاء المزيف.

لقد ربح الفلسطينيون معركة الصورة مستفيدين من أخطاء عدوهم، ومن جهد المتعاطفين معهم في قارات العالم الست، لكن استمرار هذا الزخم قويًا وفاعلًا، يحتاج إلى جهد منظم في قابل الأيام، تقوم عليه مؤسسة أو مجموعة منظمة ومتماسكة مؤهلة، لممارسة هذا الدور على أفضل وجه ممكن، حتى تبقى الصورة نابضة بقضية الفلسطينيين العادلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.