في ذكراها السنوية.. من أيّ كتف أُتِيَت الثورة التونسية؟

تجمع للمعارضة التونسية في مارس الماضي ضد الرئيس قيس سعيد احتجاجًا على سجن نشطاء وصحفيين وسياسيين (الأناضول)

بين تاريخَين

اكتفى الرئيس التونسي قيس سعيّد مع حلول ذكرى اندلاع شرارة الثورة التونسية- والذي يوافق السابع عشر من ديسمبر عام 2010 – بإصدار عفو عام عن بضع مئات من سجناء الحقّ العام.

بدا الحدث على مسافة واضحة مما درجت عليه الحكومات زمن "عشرية الانتقال الديمقراطي"- حيث كان التركيز منصبًا في أغلبه على الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني من كل سنة- مشروعًا، وهو اليوم الذي شهد هروب الرئيس المخلوع الراحل زين العابدين بن علي من البلاد دون عودة.

في تلك المناسبة كان شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس يشهد احتفاليات شعبية، كان المشاركون فيها يرون أن ذكرى الثورة لم تنل ما تستحقه من احتفاء، وهي التي تذكر الجميع بأرواح مئات الشهداء الذين قضوا برصاص الدولة في ذلك الحين.

في الحقيقة كان الجدل أعمق بين التاريخين، يحمل في أحشائه قراءتين متباينتين بشدة لحدث الثورة ولمساره، وهما القراءتان اللتان انحاز الرئيس قيس سعيد لإحداهما، وأسس بناء على ذلك مسارًا انتهى بتونس إلى ما هي عليه الآن.

بكثير من الاختزال غير المخلّ، يمكن القول؛ إن من أعطى الأهمية الكبرى للسابع عشر من شهر ديسمبر/ كانون الأول، كان يرى في ذلك التاريخ ميلادًا حقيقيًا ونقيًا للثورة في تونس، حيث انطلقت من أكثر المدن تهميشًا، رافعةً مطالبها الشهيرة، وهي: الخبز والحرية والكرامة والديمقراطية، بمضمون اجتماعي سرعان ما سيتخذ حمولة سياسية برفع شعار: " الشعب يريد إسقاط النظام".

هذه القراءة ترى في ذلك الحدث- بعيدًا عن أي حاضنة حزبية- مدلولًا اجتماعيًا تنمويًا بالأساس، وتقتصر علاقته بأي طرح سياسي حقوقي على تعليق الرجاء في الحرية والديمقراطية؛ عسى أن تتمكنا في فرصة تاريخية من تحقيق نقلة نوعية توازي ضريبة الدم التي قدمتها فئة من التونسيين لتحقيق تغيير لم يكن في الحسبان طيلة سنوات حكم بن علي.

في مقابل هذه السردية، توجد أخرى، وضعت بيضها في سلة تاريخ الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني، فذكرى الثورة إنما هي ذكرى انتصارها بتحقيقها الهدف الكبير وهو إجبار الدكتاتور على مغادرة البلاد؛ ما فتح أفقًا غير مسبوق لمسار سياسي واجتماعي واعد، كان لزامًا عليه أن يمر بمرحلة من التأسيس الصعب، بدا أقرب إلى مخاض ستتنامى الخشية عليه من أن يكون حملًا كاذبًا.

من الشارع إلى النخبة

ضمن هذه القراءة، كان التركيز أكثر على بناء حياة سياسية جديدة تقطع مع دولة الحزب الواحد، وتسد على الحكم الفردي منافذ العودة، لذلك سينصب الجهد لاحقًا على النجاح في تحديد وتنفيذ مواعيد انتخابية ستخلق ساحة سياسية جديدة، بموازين لا سابق لها قبل الثورة.

كما ستتجه الجهود إلى تحديد قواعد اللعبة – كما يقال- وأهمها يرتبط بكتابة دستور جديد يعبّر عن تطلع الشعب التونسي للحرية والرفاهية والعيش المشترك، في دولة هي بالفعل- وليس الشعار- دولة قوانين ومؤسسات.

كانت اعتصامات القصبة هي ساحة الالتقاء الصعب بين الشارع ونخبة بدأت للتو تنتقل من "رفاهية" المعارضة الاحتجاجية، إلى "جحيم" التعاطي مع تفاصيل الملفات وضغوط المطلبية، ومطبات الكيد السياسي المتبادل بين أحزاب وتيارات لها تاريخ عريق في العداء والإقصاء، بل والدعوة لاستئصال الخصوم.

بهيئة عليا لتحقيق أهداف الثورة، انطلق القطار السياسي في تونس ليستقر عند الراحل الباجي قايد السبسي كوزير أول قام بتحقيق شكلي لمطالب المعتصمين، وأهمها حل حزب بن علي، وكذلك جهاز المصالح المختصة (مخابرات الداخلية)، وإنشاء مجلس تأسيسي وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.

قادت تلك المرحلة السياسية المحفوفة بالمخاطر والمنزلقات إلى كتابة دستور جديد، والقيام بأوَّل انتخابات رئاسيّة وتشريعية حرّة في البلاد، لكن ليس قبل أن يعمل السبسي عصا الأمن في الاحتجاجات الشبابية.

وانتهى الأمر بالجميع إلى ترحيل الجدل السياسي والاجتماعي الساخن في الشارع إلى المؤسسات، وهناك من عدّ ذلك مكسبًا من مكاسب الثورة آنذاك، بينما وجدها غيره تدجينًا للزخم الثوري ونجاحًا- مما عُرف وقتها بتسمية: "الدولة العميقة"- في احتواء حراك الشارع، وجرّه إلى بيروقراطية الأروقة السياسية للدولة.

سرّ المواجهة

لم يخفِ الرئيس التونسي قيس سعيد – منذ أن كان مجرد خبير قانوني تدعوه القنوات التلفزية والإذاعية لتستفتيه في بعض المشكلات الدستورية والقانونية، وبعد أن صار مرشحًا للانتخابات الرئاسية ثم رئيسًا للبلاد – في كل تلك الأطوار أنه يعتبر التاريخ الحقيقي للثورة هو السابع عشر من آخر شهر في كل سنة، متهمًا التاريخ الآخر بكونه ذكرى للانقلاب على الثورة، وسرقة أحلام الشباب، وتسفيه مطالبهم المشروعة في الحرية والديمقراطية.

بالنسبة للرئيس سعيد، إذا كان الرابع عشر من يناير/ كانون الأول، قد سلم مقاليد السلطة ودواليب الدولة وصلاحيات القوانين لنخبة تبين فيما بعد أنها معنية ابتداء وانتهاء بمصالح حزبية شخصية ضيّقة، فإن العودة إلى روح السابع عشر من ديسمبر، تعني في عمقها إعادة السلطة إلى الشعب، وتمكين التونسيين من منظومة سياسية وقانونية مختلفة تحقّق المساواة في الاستفادة من الثروات والفرص الاقتصادية، وهو ما يستلزم- حكمًا- معركةً مع "النخب التقليدية"، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية.

في هذا الاختزال ما يسلط الضوء على جانب مهم من خلفية الهوّة بل المواجهة الجارية بين الرئيس سعيد، والمعسكر المناصر له، ضد نخب ما قبل الخامس والعشرين من يوليو/ تموز، أولئك الذين يرون فيما أقدم عليه قيس مجرد انقلاب أبيض على الثورة، مصادرًا عليها مسارها الذي ما كان ليتطور سوى داخل إخفاقات وانتكاسات لا محيص عنها؛ حتى تراكم تلك التجارب خبرات تقود إلى حل مشكلات الواقع شيئًا فشيئًا.

وإذ ينكر معارضو الرئيس سعيد عليه جلده الآن لآليات ديمقراطية ونخب هي التي أوصلته إلى سدة الحكم، حسب تأكيدها، استنادًا إلى الأرقام التي كشفتها انتخابات 2019، فإنهم يسائِلون طرح الرئيس سعيد بالناتج الفعلي لها، فإذا كانت مشكلة "عشرية الانتقال الديمقراطي"، هي فساد نخبتها، فإن لفيفًا واسعًا – من حاشية الرئيس سعيد – باتَ هو الآخر محلّ متابعات بتهم التآمر والفساد؛ بمجرد الاختلاف معه.

وإذا كانت مشكلة العشرية هي الأوضاع المعيشية المتردية، فإنّ التردي الحالي- بعد أربع سنوات من حكم مطلق الصلاحيات للرئيس سعيد- لم يقد، بحسبهم، سوى لأوضاع غير مسبوقة في تردّيها، ناهيكم عن استشراء البطالة، وتزايد أعداد الهاربين مما يصفونه، تهكمًا، بـ "فردوس الشعبوية".

مساحة مشتركة

تعوّد الرئيس سعيد مخاطبة معارضيه بخطاب يصفه البعض بالاستعلائي، فهم مخمورون وغائبون عن التاريخ، هذا إذا لم يكونوا خونة ومتآمرين، معتبرًا أن مساره قافلة ستواصل مسيرها غير عابئة بضجيج من يعارضها ما دام الشعب يزكّي الأهداف التي تتحرك نحوها.

أمّا معارضوه، فيستدلون بنتائج هزيلة- قادت إليها استفتاءات واستشارات أجراها الرئيس سعيد؛ تعلق بعضها بعامة مساره وأفكاره، وبعضها الآخر بدستور كتبه للبلاد – لنزع الشرعية الشعبية عنه، وهي التي طالما استند إليها في مختلف الإجراءات والمراسيم التي أقدم عليها.

الواقع هو غياب شبه كلي لدى هذا المعسكر، وذاك لنقد ذاتي، لا يتعلق فقط بالمرحلة الراهنة والاحتمالات المستقبليّة المرتبطة بها، وإنما- وهذا هو الأهم- بالاستعادة النقدية لمسار الثورة التونسية على نحو يقود إلى إجابة مفصلية، عن هذا التساؤل: هل لا يزال هناك مسار ثوري في تونس، أم أنَّ ما حدث أيامٌ خلت لأبنائها ما كسبوا؟ وهل يمكن استنطاق تلك المرحلة لمعرفة أي كتفٍ أُتيت منها الثورة التونسية؟

ما يشرع لهذا السؤال، إنما هي مساحة مشتركة وغريبة بين الخطابين المتناقضين، ذلك أن من يعتبر مسار الرئيس سعيد تصحيحًا لمسار الثورة، ومن يرى فيها انقلابًا عليها، يقرّ – إذًا ومن موقع مختلف- بأنه يوجد مبرر قوي للبحث فيما قاد مهد الربيع العربي إلى ما هو عليه الآن من أزمة سياسية واقتصادية لا تخطِئها العين.

لا يمكن بحال أن نكتفي أو أن نستغني عن كثير من الجدالات المكتوبة والمسموعة والمرئية لأناس تقاذفوا المسؤولية عن "الفشل الانتقالي"، لكن ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع الراغبين في الوقوف على المعطيات والآليات والسياقات التي صنعت ما آلت إليه الأمور في البلاد.

عناوين محرجة

عند هذه المرحلة يمكن طرح جملة من العناوين التي تتزاحم ولا تتناقض في هذا المضمار وأهمها:

  • فشل النخبة السياسية في إدراك أن الثورة لم تكن صنعًا لحزب أو أيديولوجية ما، وأن من قام بها شباب مهمشون غاضبون لا يملكون تصورًا للمستقبل.
  • تعامل انتهازي من قبل النخبة المعارضة التي لم تدرك ما في الثورة من إحراج لها، بالقدر الذي أحرجت فيه نظام بن علي، حيث قفزت فوق استحقاقات الانتقال من السلطة إلى الحكم، فباشرته خالية من تصورات وخبرات ورجالات ترقى إلى ما تتطلبه مرحلة خطيرة حساسة في تاريخ البلاد.
  • استسلام مبكر للتجاذبات الحزبية والأيديولوجية العدمية، حيث استهلكت البلاد وقتًا ثمينًا وطاقات كبيرة في صراعات عدمية، تم الدفع إليها لشقّ صف الثورة الذي بدا موحدًا في البداية ضد الدكتاتورية والظلم الاجتماعي.
  • ذهاب النخب السياسية – حكمًا ومعارضةً- نحو تعامل فوقي مع واقع البلاد، بالتركيز على تعزيز مكاسب مؤسسية كانت ذات أهمية بالغة دون شك، مثل: كتابة الدستور، وإرساء الهيئات الدستورية المستقلة، إلا أن غياب المنجز التنموي خلق هوة سحيقة بين تلك المكاسب وواقع الناس ومطالبهم؛ حتى لم تعد تعنيهم، وبالتالي لم يدافعوا عنها عندما عصفت بها عاصفة الخامس والعشرين من يوليو/ تموز.
  • غياب المشروع الوطني الجامع لدى من أمسكوا بدفة الحكم، حيث فضلوا أو أُكرهوا على الغرق في السياسات التفصيلية الآنية، تحت وقع الإضرابات والاعتصامات والدور الذي لعبه اتحاد الشغل واعترف بتفاصيله لاحقًا الأمين العام السابق حسين العباسي، متحدثًا عن إستراتيجية إلهاء الإسلاميين، وإشعال الساحة الاجتماعية تحت أقدامهم.

تلك الأجواء غابت فيها الرؤية الجامعة التي تذهب إلى جذور الأزمة القائمة أو على الأقل اتخاذ الإجراءات الوقائيّة التي تحول دون استفحالها، فرأينا أياديَ مرتعشة سمحت بتطور مشكلة الحوض المنجمي، وجرّأت كثيرين على المنابع الكبرى لثروة البلاد ومقدراتها، وفتحت الباب لتدهور أمني بلغ ذروته بهجمات إرهابية أثارت- وتثير إلى اليوم- كثيرًا من الجدل حول حقيقتها، ومن يقف وراءها، وسرّ خُبوّ نشاطها في فترات لاحقة، قياسًا إلى السنوات الأولى من "المسار الانتقالي".

  • غياب تجارب إعلامية ناجحة تتمكن من إدارة النقاش العام، وتقديم النموذج السليم في طرح القضايا، ومعالجة الاختلافات حولها بروح تقضي على نوازع الاستقطاب العدمي، والاستئصال المتبادل.

غاب في "عشرية الانتقال الديمقراطي" إعلام يقود قاطرة قطاع له الدور الأعظم في استمالة العقول والقلوب، تلك التي تُركت لقمة سائغة لإعلام مأجور- هو امتداد للنظام البائد- طوّر من صورته ومنابره، وسيطر على زمام المبادرة في مخاطبة التونسيين، وإغراقهم بالمعارك والإشاعات والأكاذيب والمؤامرات التي تقف وراءها دون شكّ غرفٌ سوداء، يقول الرئيس سعيد: إنه يواجه بعضًا من أخطرها هذه الأيام.

هذه الخطوط والعناوين العريضة لا تشمل قطعًا كل ما يمكن وضعه في خانة الكتف التي أُتيت منها الثورة في تونس، لكنها تؤكد أنّ ما لم يقل عن تلك الثورة، يبقى أكثر بكثير مما قيل فيها، ولأن الأمر كذلك فإنه من الملتبس الغامض بمكان أن نحسم أمر المسار الثوري والانتقالي في البلاد.

لكن الأكيد، هو أن هذا الجدل سيتجدد مع كل ذكرى تستحضر فيها تونس تلك الأيام العاصفة، بين من يراها نسخة تونسية من مؤامرة كونية على الدولة الوطنية، ومن يعتقد أنها دليل على أن بوصلة التاريخ تشير- ضرورة- إلى الخبز والحرية والكرامة الوطنية، لتختبر من يخفق، ومن ينجح في إيجاد المعادلة الصحيحة بينها، تلك التي لا يجوع فيها المواطن، ولا يشتكي فقدان الحرية والكرامة.

الإجابة ها هنا.. أوسع من تونس بكثير.

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.