أميركا والقوة متعددة الجنسيات.. لتأمين الملاحة الدولية أم السفن الإسرائيلية؟

استيلاء الحوثيين على سفينة الشحن "جالاكسي ليدر" في نوفمبر الماضي بسبب تداعيات الحرب على غزة "فرانس برس"

على خلفية إعلان الولايات المتحدة الأميركية، عن تشكيل قوة متعددة الجنسيات- بدعوى تأمين حركة التجارة والملاحة العالمية في البحر الأحمر- سارع عبد الملك الحوثي زعيم جماعة "أنصار الله" اليمنية، التي تُسيطر على شمال اليمن (يوم الأربعاء الماضي)، إلى التهديد باستهدافِ وضرب البوارج الأميركية، إذا أقدمت واشنطن على قصف اليمن.

"الحوثي"، أكد أن الشعب اليمني لن يتراجع عن موقفه المبدئي والديني والإنساني؛ دعمًا للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وأن تحرك جماعته، لا يستهدف الملاحة العالمية، ولا السفن الدولية، بل الإسرائيلية والمرتبطة بها حصريًا.

"أنصار الله"، استهدفت عددًا منها لم تمتثل لقرارها، ثم شرعت مؤخرًا، بمنع كافة البواخر التي تكون وجهتها إلى الموانئ الإسرائيلية أيًا كانت جنسيتها؛ بما أدى عمليًا إلى شلل الموانئ الإسرائيلية، والحركة التجارية بها. الجماعة، حددت معادلة، وهي: مرور البواخر المُبحرة إلى الكيان الصهيوني، مقابل وقف العدوان على القطاع، ورفع الحصار عنه.

ازدهار.. أم شرّ مستطير؟

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، أعلن من تل أبيب (الاثنين)، تشكيل تحالف متعدد الجنسيات؛ لحماية التجارة وحرية الملاحة الدولية في "البحر الأحمر"، وتباهى بأن بلاده بهذا التحالف تدعم القانون الدولي.

نسي، "أوستن" أو تناسى، أن القانون الدولي ذبيح، يدوسه جيش الاحتلال، بالنعال، مرتكبًا المذابح والمحارق يوميًا؛ لإبادة الشعب الفلسطيني، وهي جرائم حرب بربرية، يندى لها جبين الإنسانية، تُرتكب بأسلحة، و"حماية" أميركية من الملاحقة الجنائية الدولية.

أميركا أطلقت على "القوة متعددة الجنسيات"، اسم: "حارس الازدهار"، وهو مُسمى مُضلِل.. مثلما سيروج الأميركان لهذه القوة إعلاميًا- بعد قليل- على أنها "تحالف دولي"، رغم كونها أبعد ما تكون عن الشرعية الدولية، ومظلة الأمم المتحدة.

هذه "القوة"- أو التحالف بقيادة أميركا- ليست لتأمين حركة التجارة العالمية، أو حراسة الازدهار. فلا يُنتظر منها "ازدهارًا"، ولا خيرًا، ولا تفكيكًا لأزمات، بل هي شرٌ مُستطير، وحروب وخراب ودمار، وتعقيد للأزمات، أينما حلت. هكذا تُخبرنا التجارب السابقة مع الأميركان، والأمثلة كثيرة: (أفغانستان، والعراق، والصومال، ولبنان، وفيتنام).

حماية التجارة الإسرائيلية

القاصي والداني، يعلم أن هذه القوة متعددة الجنسيات، هادفة لحماية البواخر والسفن، والبضائع والتجارة الإسرائيلية، وتأمين مرورها في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب؛ لذا امتنعت مصر، والسعودية، وباقي الدول العربية عن الانضمام إليها.

ليس مستبعدًا، إقدام أميركا على هذا التحرك العسكري؛ امتثالًا لضغوط الكيان الصهيوني "الهش"، الذي لا يستطيع التصدي لجماعة "أنصار الله" (المدعومة إيرانيًا)، بينما هو غارق في الوحل والعار بقطاع غزة.

ذلك أن الحسابات الاستخباراتية الأميركية، تستنتج أن إسرائيل، لا تملك إمكانات الانتصار على إيران في أي حرب بينهما، إذا ما قامت إسرائيل بضرب "أنصار الله"، واندفعت إيران للتدخل؛ حمايةً لمصالحها في البحر الأحمر.

السعي للهيمنة

نصل إلى بيت القصيد، فـ "الكيان الصهيوني"، يسعى دائمًا لاستدراج الولايات المتحدة، ودفعها للحرب على إيران، لتدميرها، أو هكذا يحلُم ويتمنّى، ويأمل.

ويبدو أن الكيان وجد ضالته في مأزِق منع السفن المُبحرة إلى موانئه، سبيلًا لجذب أميركا إلى هذه المواجهة، لا سيما أن الأميركان مفتونون بغرور القوة، يسعون للهيمنة والسيطرة على "الممرات المائية"- في الكون كله إذا أمكن- لما توفره من أفضلية وميزات كثيرة تجارية وتنافسية، وعسكرية بتسهيل التنقل في حالات الحروب، واختصار الوقت.

هيبة القوة والردع

"الولايات المتحدة"، وتحالفها متعدد الجنسيات، بوسعهما طبعًا، قصف المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية، لكن الأخيرة، لن تتردد في استهداف البوارج الأميركية، كما توعّد زعيمها عبد الملك الحوثي.

"أنصار الله" مزودة- إيرانيًا- بصواريخ متنوعة بعيدة المدى، بما مفاده أن البوارج والمدمرات الأميركية وحاملات طائراتها في مرمى صواريخها وطائراتها المسيرة.

قد لا يكون الأمر بهذه السهولة، فهذه البوارج ليست صيدًا سهلًا، بالتأكيد، لكن المشكلة هنا، أن قيادة "أنصار الله" إذا قالوا فعلوا، فهم يملكون إرادة حديدية، تتيح لهم الإقدام على ضرب السفن الحربية الأميركية عند اللزوم، ولو بعمليات انتحارية.

أميركا بلا جدال، قوة عسكرية عظمى غير مسبوقة في التاريخ، ومن المؤكد أن "الهيبة"، والهالة المُحيطة بهذه القوة، تمثلان بحد ذاتهما "رادعًا". هنا، فمن واجب الأقوى- أميركا- أن يحافظ على هذه الهيبة، ولا يستفز الغير، حتى لا يتجرأ عليه هذا "الغير"،  لا سيما، إذا كان على شاكلة "أنصار الله"، التي ترى في أميركا "الشيطان الأعظم"، على النهج الإيراني.

شرارة قد تُشعل المنطقة

كثيرٌ من الدول، والجماعات المُسلّحة، لديها أسلحة فعّالة وناجزة، لكن القليل منها، يمتلك إرادة استخدامها عند اللزوم، و"أنصار الله" من هذا القليل، وهنا مكمن الخطورة، إذ يمكن للمنطقة أن تشتعل إذا ما انطلقت شرارة هنا أو هناك.

في هذا السياق، فقد سبق لليمنيين (12/10/2000) استهداف المدمرة الأميركية "يوس إس كول"، بـ "هجوم انتحاري"، قبالة ميناء عدن، أسفر عن مقتل 17 جنديًا، وإصابة 39 آخرين بجراح، وجرى اتهام تنظيم القاعدة (فرع اليمن) للتذكير. ليس أمام أميركا لحماية سفن وبواخر "الكيان الصهيوني"، سوى إلزامه بوقف عدوانه على القطاع، وفكّ الحصار المضروب عليه، حينئذٍ، وفي اللحظة نفسها، ستتوقف "أنصار الله" عن ملاحقة السفن المتجهة إلى إسرائيل.. هكذا وعدها وقرارها.

"حارس الازدهار" على الطريقة الأميركية.. ليست حلًا.

 

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.