ساركوزي وتصريحه الأخير!

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في طريقه إلى المحكمة في وقت سابق لاستجوابه بتهم فساد (فرانس برس)

"على أوروبا أن تتوقف عن التدخل في الأمم الأخرى،آخر تصريحات الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي"

هذا ما اختارته صحيفة "إلموندو" الإسبانيّة عنوانًا لحوارها مع الرئيس السابق اليميني ساركوزي، على هامش زيارته إلى مدريد الأسبوع الماضي، لتقديم كتابه: "زمن المعارك".

وقد حظي الحدث باهتمام إعلامي باهت، لكن مضمون الحوار المنشور في الصحيفة المذكورة، كان الأكثر عمقًا، مقارنةً بباقي التغطيات. حيث تناول الحوار رأي ساركوزي في أهم القضايا الحالية، وعلى رأسها حرب إسرائيل على غزة، وتقييمه موقفَ الغرب منها.

ويبدو أن العنوان الذي اختارته الصحيفة، يمثل أهمّ اعتراف من ضيفها بالدور غير الصحيح للاتحاد الأوروبي في هذه الحرب، وفي غيرها من الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى.

"زمن المعارك"

ويأتي الإصدار الأخير للرئيس الفرنسي السابق ساركوزي: "زمن المعارك"، كتكملة لجزأين سابقين من مذكراته الشخصية والسياسية، التي شملت فترة توليه الرئاسة في فرنسا بين 2007 و2012.

وقد جاءت زيارته إلى مدريد بداية الأسبوع الماضي، بمناسبة إصدار النسخة الإسبانية من الكتاب، بعد أن كان قد صدر في نسخته الأصلية الفرنسية في أغسطس/ آب الماضي.

وتوجَّه من مدريد إلى المغرب، حيث قدّم كتابه في ثلاث مدن، أعرب فيها كلّها عن علاقته الجيدة مع الملك محمد السادس، وبالمغرب. وانتقد في المقابل، التقارب غير المُجدي للرئيس الحالي ماكرون مع الجزائر، على حساب المغرب، التي طالما مثلت حليفًا إستراتيجيًا بالنسبة للحكومات الفرنسية المتعاقبة.

وفي الوقت الذي سلّطت فيه التغطية الإعلامية الإسبانية الضوء على مضمون الكتاب، توجّهت صحيفة "إلموندو" إلى أبعد من ذلك، وكشفت رأي الكاتب في القضايا الحالية الساخنة، وأهمها سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية والحرب الروسية- الأوكرانية وحرب إسرائيل على غزة.

ورغم أن الحوار تطرّق إلى نقاط ذكية عديدة، من بينها دعم ساركوزي آراء شخصيات فرنسية مؤثرة جدًا في الساحة الثقافية، فيما يتعلق بحرب إسرائيل على غزة، على غرار الفيلسوف اليهودي الأصل "آلان فينكييلكروت"، فإننا سنكتفي بالنقاط التي تهمّنا كعرب بالدرجة الأولى.

شيطنة ممنهجة

وتجدر الإشارة إلى أن أسلوب الحوار كان يعكس نيّة مبيتة من الصحفية إيميليا لأندلوسي، من أجل استدراج الضيف إلى كشف اعترافات "مُرّة" من سياسي يميني متعصّب للخصوصية الفرنسية والأوروبية عمومًا، وقد أكّد اختيار العنوان ذلك.

فقد سألته الصحفية عن مستقبل الاتحاد الأوروبي، في ظل صعود تيار اليمين المتطرف في عدد من دول الاتحاد، وعلى رأسها إيطاليا، فأعرب ساركوزي عن عدم اتفاقه مع موجة الشيطنة الممنهجة لزعماء هذا التيار، ودعا جميع التيارات السياسية إلى التفكير بجدية في أولويات الاتحاد الأوروبي، الذي يحتاج الآن إلى التركيز على الشؤون التي تهمّه، داخل حدوده فقط، وأهمها الشأن الاقتصادي.

وفي هذا السياق، قال حرفيًا: "على أوروبا أن تعي الواقع المختلف للتاريخ، وأن تتكيف مع ثقافات الشعوب، تاركة لها أن تتصرف كما ترى الأشياء بنفسها، وفقًا لثقافتها وتاريخها".

كما أشار إلى أن تطور التاريخ يفرض تغيير مفاهيم ومنظمات دولية تهم كل بلدان العالم، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة. واستنكر محافظة هذه المنظمة- التي تمّ إنشاؤها في منتصف القرن الماضي- على تركيبة أعضائها الدائمين في مجلس الأمن، دون إضافة أي عضو من أفريقيا أو أميركا اللاتينية، ونحن الآن في العَقد الثالث من القرن الواحد والعشرين.

لكنه أغفل الإشارة إلى غياب الدول العربية، وهذا ليس بغريب أبدًا عن شخصية بملامح الرئيس السابق ساركوزي، الذي يصفه كثيرون، من بني جلدته، بالعنصري.

اصطفاف مع إسرائيل

أما فيما يتعلّق بالحرب الإسرائيلية على غزة، فقد سألته الصحفية عن السبيل من أجل التوصل إلى حل يُرضي جانبَي النزاع، فأجاب بأن فرنسا وألمانيا حققتا هذا الهدف بعد الحرب العالمية الثانية بفضل العمل السياسي والدبلوماسي، وبالتالي فإن الحرب بين إسرائيل وفلسطين، لايمكن أن تنتهي سوى بهذه الجهود، وباعتراف دول العالم بحق وجود إسرائيل.

وتعتبر هذه الإجابة متناغمة جدًا مع تصريحات ساركوزي تُجاه القضية الفلسطينية، حيث قال خلال الفعالية في مدريد: إن فرنسا "مُلزمة بالاصطفاف مع إسرائيل، لاعتبارات أخلاقية"، وعلّل ذلك بأن الأوروبيين هم من تسببوا في التنكيل باليهود ودفعهم للهروب من القارة، وبالتالي فعليهم الوقوف صفًا واحدًا الآن، مع الرفض القاطع لكل محاولات "حرمان" إسرائيل من الموقع الجغرافي الذي تشغله في الشرق.

أخطاء فادحة

هذا المنطق، على تناقضه، وربما إثارته للسخرية، قاله الرئيس السابق ساركوزي، وهو يتوسّط الرئيس الإسباني اليميني السابق خوسي ماريا أثنار، ورئيسة مقاطعة مدريد إيزابيل أيوسو، اللذين يُعرفان بدعمهما المطلق للمشروع الصهيوني.

والأغرب من هذا، أن لا أحد من الحضور اليميني، بالضرورة، سأله عن وجاهة منطقه في هذه النقطة، لاسيما أنَّه قال أيضًا: "العرب لم يكونوا النازيين الذين قاموا بالمجازر في حق اليهود خلال القرن الماضي، بل كنا، نحن، الأوروبيين"!

على صعيد آخر، وعودة لنقطة عدم تدخل أوروبا في شؤون البلدان والأمم الأخرى، أجاب الرئيس السابق ساركوزي- عن سؤال بخصوص دور أوروبا في حرب روسيا على أوكرانيا- بأن أوروبا ارتكبت خطأ فادحًا في الدفاع بكل قواها عن حق انضمام أوكرانيا إلى حلف "الناتو"، وأنه كان من الأفضل أن تكتفي أوكرانيا بدورها كوسيط بين روسيا وأوروبا، حسب رأيه.

وفي هذا المستوى من الحوار، فاجأته الصحفية قائلة: "مثل تركيا، كما ذكرت في الكتاب؟"، فأكّد ذلك بقوله: إن تركيا تلعب الدور نفسه، في الربط بين آسيا وأوروبا، لكن ذلك "لا يخوّل لها" المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

في الحقيقة لاتمثّل شخصية الرئيس السابق ساركوزي محلّ اهتمام سياسي أو إعلامي كبير في الأوساط الأوروبية ولا حتى الفرنسية، خاصة بعد تُهم الفساد المالي التي أثبتها القضاء الفرنسي وأصدر، بموجِبها، أحكامًا ضده، لكنه مثل الرئيس السابق الإسباني أثنار الذي رافقه في الفعالية، ما زالا يعيشان على فتات اهتمام فئة قليلة من الجماهير اليمينية.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.