السنوار.. الميت الحي على رأس القائمة السوداء

السنوار: لا توجد بوادر لحل الأزمة الإنسانية بغزة والاحتلال يحاول ابتزاز المقاومة والشعب (الجزيرة) (الجزيرة)

(إنهم موتى أحياء يمشون على الأرض)، هكذا يصف "الشاباك " المقاومين الفلسطينيين والنخبة المستهدفة لقادة حماس!

(سكاي نيوز) في حديثها للقائم بأعمال المتحدّث باسم جيش الاحتلال (جوناثان كونريكوس)، أكدت أن قادة حماس- الذين استهدفهم الموساد مرارًا – لا يزالون على قيد الحياة، وعلى رأسهم السنوار، والضيف، العدوّان رقم واحد على قائمة الموت، واللذان أطلقت عليهما: "العقل المدبر" لأحداث السابع من أكتوبر، وهو مصطلح تتناقله وسائل الإعلام الغربي بشكل ببغائي،  ولكن ما دلالته؟ وهل يُعدُّ إساءة أم إشادة؟

إذ الملاحظ أنّ الإعلام الصهيوني حاله حال الشيطان: كلما فشل بالتسرب إلى ضمير العالم، استعان بالإعلام الغربي ليقوم بشطف العقول- أي غسل الأدمغة- عبر خطاب تحريضي ينزع عن المسلم والفلسطيني صفتهما الإنسانية، ببروباغندا ممنهجة، تتدرجُ من الأسفل إلى الأعلى، في "هرم الكراهية" الذي تُشكِل المشاعرُ العنصرية قاعدته الأساسية، وتحتل الإبادة العِرقية رأس قمته!

الإسلام والغرب وشعوذة المرايا!

يَعتبِرُ العربي -الذي يُعاد تدويره استشراقيًا- أن من يؤمن بنظرية المؤامرة مصابٌ بالوهم والارتياب من كل ما هو غربي.. ولكن ها هي الحرب ضد شعب بأكمله في غزّة، تفضح مختبر المؤامرات في العقلية الغربية المهووسة بالفبركة، وتُلحق الخزي بأهل النفاق؛ إذ يُشاهدون كيف يستخدم الغربُ السرديات نفسها النمطية عن الإسلام، لإرهاب العالم واستقطابه نحو حرب صليبية جديدة تبرر الإبادة الجماعية، كما حدث مع صدام والسلطان عبد الحميد الثاني وغيرهما!

نحن، جميعًا، مُستهدفون ومُستخدمون، ولوحة استهدافنا هي إسلامنا -عقيدة الفضيلة التي منحتنا الأفضليّة بين الأمم- ما أشعلَ الكيدَ الذي اتّقدت به شرارة المدنيّة الحديثة، فأخذت تشوّه الفضيلة وتُزينُ الرذيلة، وتحارب الإسلام على اعتباره النواة لأكبر خطرين على الحضارة: الجهل والتخلف، ثم الإرهاب والتطرف، فكان تشويهه قناعًا يُخبئ به الغرب قُبحه، ومرآةً يختبئ فيها من وجهه المشوّه!

خلق العقلُ الغربي التآمري عقلًا إرهابيًا غير واقعي" فانتازيًّا"، ليُفرّغ فيه سمومه، جاعلًا منه عُبوّة ثقافية ناسفة، يهدّد بها أمن البشرية، وهو بهذا ينسُب الدور التآمُريّ- الذي يقوم به عقله المُدبر الحقيقي- إلى العقل المدبر " الوهمي" الذي اخترعه.. فهل ستُساير الكذاب، أم تُحلّفه، أم تصدق كذبته التي لا يصدقها هو!

عادة تُطبّقُ نظرية "العقل المدبر"، على العباقرة والعظماء والرموز البطولية في الغرب، حيث تُعتبر (Mastermind)، عبارة مديح. ولكن، حين تستدعي الحاجة لخلق عدُوٍّ افتراضي جديد يُناسب القائمة السوداء، يُهرع الإعلام الغربي للتلويح بـ "العقل المدبر" كفزاعة يروّع بها الجماهير من خطر إرهابي (مسلم أو عربي أو فلسطيني)؛ فأي حضارة مريضة ومختلة هذه التي تحيك وتُدبّر المؤامرة، وتنفذها على مرأى العالم، ثم تعاقبك وتتهمك بالجنون والإرهاب إن لم تشكك بالدسيسة وتنكرها!

يستخدم الإعلام الغربي علم النفس كطقس من طقوس الشعوذة، يُريك صورتك في مرآة عدوك، وصورة عدوك في مرآتك، يُطبّق النظرية على الشيء ونقيضه في الوقت نفسه. فالمُؤشّر على عبقرية عدوك، هو نفسه ما يستخدمه العدو كمؤشرعلى خطورتك، بحيث يبدو مجرموه أبطالًا، وأبطالك مجرمين؛ "إلباس الحق بالباطل والعكس"، ومن هنا تأتي ازدواجية المعايير؟!

الظروف القاهرة جعلت عظماء الغرب مقدّسين في ذاكرة شعوبهم، فلماذا تصبح معاناة أبطالنا مادة للسخرية والتشويه!

ما معنى ازدواجية المعايير الغربية؟

اربط الحزام أيها القارئ.. فعدمُ إدانة السنوار، خروجٌ سافرٌ عن السياق الوحدوي لـ (أمة العالم الحر)!

يقع المطبعون العرب في تناقض عجيب، فهم إذ يتباهون بتطبيعهم، ينشرون معلومات -تشويهية- يُخوّنون بها السنوار كعميل لليسار الإسرائيلي! فهل تجادل الأحمق بحماقته ليظن أنه أحكمُ منك؟

التطبيع والتطويع بَرْزخان لا يلتقيان. من يُضطر للعيش مع عدوه إلى حد الالتصاق، لا بدّ أن يبتكر سُبلًا يُطوع بها هذا الالتصاق بما لا ينافي تنافره مع عدوه.. كأن تقاوم وجوده فيك، بفصلك عنه، وهذه تكتيكات فلسفية لا يفهمها سوى من اعتادوا السير على النهج النبوي الحكيم الذي يرى أن الحرب خدعة! حسنًا إذن، كيف تُفهم الازدواجية؟

أولًا: يصف الإعلام الغربي السنوار بـ (جزّار خان يونس الذي لا يبتسم، أسس قُوّة " المجد" للقبض بيد من حديد على الجواسيس)!

أين العيب؟ ألا يُعاقِب أي قائد عظيم الخونة والعملاء؟ كيف يُشوّهون مهمة الشرف في الأعراف القيادية؟ ألا ترى أنهم كلما حوّلوا الفضيلة إلى رذيلة، ازدادوا تشوُّها؟!

ثانيًا: قال (مايكل ملشتاين) ضابط المخابرات العسكرية: " لم نفهمه على الإطلاق، قدم لنا صورة كاريزماتية لرجل كلامُه قليل وحضوره قوي". "أبو إبراهيم" حسب "فايننشال تايمز" – قائد أسرى حماس في السجون – منصب مؤثر داخل التسلسل الهرمي للحركة- شخصيةٌ موثوقةٌ وأسطورية للفلسطينيين الذين يشعرون بالفخر تجاهه، لكن الفلسطينيين المعتدلين يعرفون أنه أعادنا إلى العصر الحجري".

أليست هذه سمات شخصية استثنائية؟ أين الإرهاب في أن يكون موثوقًا مثلًا؟ هل تحس بنبرة إعجابهم به؟ ولكن ما هي حقيقته التي أخفاها عنهم؟ هل في كونه مصدرَ فخر لشعبه؟!

طبعًا، هذه جريمة من وجهة نظرهم؛ لأن المشاعر الفلسطينية العقلانية التي يُمجدونها هي تلك التي تحتقر البطل، وانظر إلى اللغة التي يحاربونك بها، فـ (العصر الحجري) يرمز للإسلام، بالتالي فـ (المعتدلون) ليسوا إسلاميين!

ثالثًا: العقلية التآمرية تضخم التفاصيل بتأويلات معكوسة وغير منطقية.. فاللاجئ ضحية الاحتلال ونهجه الترانسفيري، ولكن " الجوويش كرونيكل" تعتبر اللجوء خطيئة ومسؤولية السنوار وحده، وتبلغ الوقاحة حد مُعايرته به وبسجنه وفقره ورضاه بالقليل، ثم ينشرون أخبارًا عن سنوار -أقرب إلى النموذج الإيطالي – صاحب أموال في بنوك فرنسا التي تقرر تجميدها كإجراء عقابي، يا للهول!

الظروف القاهرة جعلت عظماء الغرب مقدّسين في ذاكرة شعوبهم، فلماذا تصبح معاناة أبطالنا مادة للسخرية والتشويه!

عواقب توراتية وقائمة سوداء

من حقك الإنساني أن تحترم مناضليك، وترفض حرمانك من هذا الحق، وإلا ستبقى عاريًا أمام سرديتهم التعسفية، مكشوفًا أمام لوحة التهديف، لا يُسمح لك بإثبات براءتك من جريمة عدوك: (العقل التآمري)!

لن يرضى عنك عدوك، حتى لو أدنت نفسك، فماذا يريد أكثر من تمييعك وقد منعك حتى من الحياد؟ وبما أنه لا يهتم بافتضاح حقيقته، فلماذا يكذب إذن؟

إنها عقيدة الشر، يفرضونها بالقوة، محولين الجريمة إلى مهمة حضارية، ترتقي بك من إرهابي إلى مُطبع، ووريث لغُزاتك تتبنى إداناتهم لأبطالك، وتمتنّ لهم على تشويهك.. هكذا يستخدمونك لتكون عدو نفسك وفريستها!

تُصور "نيويورك تايمز" و"فرانس 24″ الاحتلال بأنه رحيم: " أجرى للسنوار عملية جراحية وعالجه في السجن حيث تعلم العبرية، وقرأ أعمال الصهاينة الأوائل، وأصبح يرتدي القمصان بأزرار".. فهل شر البليّة مضحك إلى هذا الحد!

يُظهرُ الغربُ الاحتلالَ صاحبَ الفضل وليس صاحب الجريمة، يقتبس تصريحات السنوار للصحافة الغربية – التي قال فيها؛ إن الحرب ليست من مصلحة أحد – ليثبت أن عقوبة السجن مُستحقة للفلسطيني، ورادعة، تحوله من إرهابي إلى داعية للهدنة.

أما وقد منح الاحتلال تصاريح عمل في إسرائيل لبعض الجواسيس الذين رسموا خرائط اقتحمَ المظليون بها الغِلاف، بعد هدنة اختفاء طويلة للسنوار – تمويهًا وكسبًا للوقت- مستفيدًا من المعونات القطرية، لإنشاء فلسطين إسلامية، فهذا اعتراف صريح بفشلهم، وتحريض يجعل الاطمئنان والتعايش مع الفلسطيني جريمة بحق أنفسهم، وبهذا يجردون الفلسطيني من دواعي وجوده، ما يستدعي قتله والفتك به في كل مكان.. يا الله!

يصرّحون: (لا بد من التكفير عن هذا الخطأ الاستخباراتي الفادح الذي مرّغ أنف إسرائيل، وأي مظهر للاعتدال يبدو سخيفًا، العواقب ستكون توراتية، وأما السنوار فلن يستسلم، سيموت هناك في غزة).

القائمة السوداء التي ستحل بها العقوبة التوراتية "حزقيال 9: 5-7”، تضم أيضًا "الضيف"- يلقبونه بابن الموت- ثم إسماعيل هنية، ومروان عيسى رجل الظل واليد اليمنى للضيف- هدف رئيسي لوحدة (نيلي) التعقبية التي أنشأها الشاباك بعد 7 أكتوبر- ثم صالح العاروري الذي تقدم أميركا 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.. ولم يزل خالد مشعل ضمن قائمة (الموتى الأحياء)، كما أطلق عليهم وزير الدفاع الإسرائيلي (يوآف غالانت) .

الحرب فكريّة، وأنت كمقاوم، تُباد وتُعاقب وتتعرّض لأبشع أشكال العنصرية والتشويه؛ لأنك تملك مقومات القيامة والحياة. ما يُرعب عدوك منك: أنك إنسان البعث والخلود، فكيف نتوقع أن يهزمك من يراك الميت الحي، غير القابل للموت أو لإعادة التدوير؟

أراد لك عدوُّك سوءًا حين اعتبرك " العقل المدبر" و " الميت الحي"، ولكن إساءته انقلبت إليك ثناءً، إنه يعرفك جيدًا، يعرف أنك خطر عليه؛ لأنك نقيض شره.. لم ينجح بتحويلك إلى ضحية مريضة مهووسة بجلادها. أبطلت بصمودك علمه الزائف المُشوّه حين خلقت منطقك النفسيّ السويّ والسليم، كضحية قوية أجبرت الجلاد على تقمّصها إلى درجة الهوس.

يصبح رجال المقاومة إذن، عُقدة عدوهم وقد هزموا عقيدته، وأوقعوه في عقله المتآمر فقلبوا عليه شرّهُ.. يعيشون وهم يتوقّعون موتهم دون أن ينتظروه.. يذهبون إليه ليس لأنه هدفهم، بل لأنهم أهداف حيوية للحياة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.