توقف العمليات القتالية دون وقف إطلاق نار.. هل هو السيناريو الواقعي لنهاية حرب غزة؟

يحيى السنوار رئيس حركة حماس في قطاع غزة (الأناضول)

لا يبدو سيناريو وقف إطلاق النار وَفق اتفاق تهدئة- كما جرى في الحروب السابقة على قطاع غزة- أمرًا واقعيًا على الإطلاق في سياق المشهد الأخير لمعركة "طوفان الأقصى"؛ إذ لا تجرؤ أية قيادة سياسية في إسرائيل على توقيع اتفاق أو منح التزام- ولو عبر طرف ثالث – يترتب عليه تفاهمات مع الطرف المنفذ لأحداث السابع من أكتوبر. توجد عقدة نفسية كبيرة وأبعاد لا يمكن لإسرائيل أن تتحملها ويكون من تبعاتها أن تعترف بالطرف الآخر في أيّ اتفاق.

يتعقّد المشهد الأخير لهذه الحرب المجنونة على قطاع غزة بين أضلاع المستحيلات التي لا يمكن تحقيقها، فتحقيقُ الجيش الإسرائيلي نصرًا واضحًا على حركة حماس- وَفق ما يردده قادة جيش الاحتلال- أمرٌ مستحيل، طال أمد العملية العسكرية، أم قصر.

يعود ذلك لأسباب عملياتية وليس لقراءات عاطفية. كما أنّ تسليم حماس للأسرى لديها- دون صفقة تبادل تلبّي الطموح الفلسطيني بتبييض السجون- أمرٌ مستحيل، ولا يمكن تصور إقدام حماس على مثل هذه الخطوة، ولو تحول الأسرى إلى مفقودين.

كما أنّ تحول هذه الحرب إلى حرب تحرير في هذه المرحلة، يعدّ ثالث المستحيلات، إذ لم تستفد الضفة الغربية من معركة "طوفان الأقصى" في بناء تحرك مدروس لها في ظلّ هذا الوضع، أو كسر الجمود الحاصل في الضفة الغربية تجاه مشروع حقيقي لمواجهة الاستيطان والاحتلال في هذه المرحلة على الأقل.

أمّا المستحيل الرابع، فهو أن لكل حرب نهايةً، فإذا كنا نتحدث عن أن غزة ليست أوكرانيا- التي تزيد مساحتها على 600 ألف كيلو متر مربع- فإن إسرائيل أيضًا ليست أوكرانيا، حيث أن كينونتها لا تحتمل الحروب الطويلة غير واضحة النهاية.

وفي حال عدم تحقق أي إنجاز جوهري لإسرائيل فلا خيارَ أمامها لحفظ ماء الوجه سوى التوجه لسيناريو وقف الأعمال القتالية من جانب واحد دون وقف إطلاق النار، مع الاحتفاظ بحقّ الملاحقة والاغتيال، ودون أن يترتب على وقف الأعمال القتالية أية التزامات

يتشكل أمام هذه المستحيلات الراهنة سيناريو وحيد واقعي، وهو إعلان إسرائيل بالتوافق مع الولايات المتحدة الأميركيَّة وقفَ الأعمال القتالية دون إعلان وقف إطلاق النار، ودون التوصّل إلى تهدئة، ويكون ذلك بموافقة إقليمية، ينضج هذا الخيار إما قانون الصدفة أو تعقيدات الوقائع على الأرض.

لا يلوح في الأفق أية إمكانية لتشكل أي سيناريو آخر للمرحلة المقبلة. يبدو هذا الخيار هو الأكثر مقبولية، فحماس لن تقبل أية تهدئة لا تضمن رفعًا واضحًا للحصار وتعهدًا كاملًا بتبييض السجون.

يعزز قانون الصدفة التوجه إلى هذا السيناريو الواقعي من خلال ما اعتادت عليه إسرائيل في حروب سابقة، وفي صراعها السابق مع الفلسطينيين بانتظار ما يطلق عليه: " الخطأ الذهبي" أو "المعلومة الذهبية"؛ فهي تنتظر من إطالة أمد عملياتها العسكرية وهجومها المكثف وصول معلومة بالصدفة من خلال خطأ ناجم عن استخدام التكنولوجيا أو الاضطرار لتغيير أماكن أو غير ذلك من الوسائل عن قيادي أو قيادات في الصف الأول ليتم تصفيتهم، فيعد ذلك إنجازًا معنويًا كبيرًا للجيش الإسرائيلي.

عند ذلك يمكن لإسرائيل أن تذهب لوقف الأعمال القتالية، وهي تقدم وجبة إنجازات لجمهورها، وتحتفظ حينها بحق الاغتيال، والقيام بعمليات عسكرية سريعة ما تطلب الأمر بعد ذلك، فتبقي في أذهان الإسرائيليين أن الحرب لم تنتهِ وأن شعاراتها التي رفعتها ما زالت تسير وَفق خطة مدروسة.

أمّا سيناريو الأمر الواقعي- والذي سيوصل للنتيجة ذاتها- فهو أنَّ المعادلة الصفرية القائمة حاليًا يجب أن تتوقف في لحظة ما، وبالتالي وإن كان من غير الواضح ما هو السقف الزمني الممنوح من قبل الإدارة الأميركيَّة لإسرائيل إلا أنه وفي كل الحالات قد اقترب، وكل الدلائل تشير إلى أنه لن يتجاوز عدة أسابيع لا أكثر.

وفي حال عدم تحقق أي إنجاز جوهري لإسرائيل فلا خيارَ أمامها لحفظ ماء الوجه سوى التوجه لسيناريو وقف الأعمال القتالية من جانب واحد دون وقف إطلاق النار، مع الاحتفاظ بحقّ الملاحقة والاغتيال، ودون أن يترتب على وقف الأعمال القتالية أية التزامات.

لا يعتبر هذا السيناريو سيئًا لحركة حماس على الإطلاق، فهو يعني أنه لن يترتب عليها أية التزامات، ويفهم ضمنًا أن جذوة المقاومة ستبقى مستمرة، ويعتبر ما جرى مقدمة لحرب تحرير طويلة، ولسياق الحالة الطبيعية لفصائل مقاومة مع عدوها وهو الاشتباك المتقطع أو المستمر، والكر والفر، والعمل ما أمكن في كامل أراضي فلسطين المحتلة.

كما أن هذا السيناريو يؤسس لبناء حالة تراكمية من المقاومة والنضال ضد الاحتلال دون أية التزامات أخرى، وهي الحالة الذهنية الأقرب لعقيدة حماس القتالية، وللمنطق الطبيعي للأشياء. لكن من المؤكد أن هشاشة الأوضاع في هذه الحالة ستكون مقلقة إقليميًا، خاصة لمصر، وتحمل صواعق التفجير بشكل مستدام.

سيكون من السهل في مثل هذا السيناريو إنجاز صفقة تبادل أسرى مشرفة أكثر بكثير من أي سيناريو آخر، فالطرفان سينجزان هذه الصفقة في ظل وقف القتال، ولكن دون التزامات وقف إطلاق النار؛ ما يعني سيناريو إمكانية العودة للقتال، وهذا أمر مقبول، يتوافق مع قرار حركة حماس أنّه لا تفاوض على الأسرى تحت النار، وأيضًا مع الموقف الرسمي للحركة بالدعوة لعقد صفقة تبادل، ثم العودة للقتال إن كان الاحتلال مصممًا على العودة إلى إكمال الحرب.

لكن لهذا المسار الأكثر واقعية سيناريوهات متعددة بعضها سيئ وبعضها جيد، وهي على النحو التالي: أن توقف إسرائيل الأعمال القتالية من طرف واحد، وتبقي سيطرتها على أجزاء من قطاع غزة، لا يتطلب الأمر موافقة أو رفضًا من الطرف الآخر وهو حركة حماس؛ لأن الإعلان سيكون من طرف واحد.

لكن هذا يعني أن فترة الهدوء ستكون محدودة لالتقاط الأنفاس، وسرعان ما يتجدد القتال حتى خروج آخر جندي من القطاع من خلال عمليات كرّ وفرّ، سواء ارتبط الأمر بتواجد محدود على الشريط الحدودي في الأراضي الزراعية- وهو السيناريو الأقرب للواقع- أو كان التواجد داخل المناطق السكنية في شمال قطاع غزة، حيث سيكون الحال أكثر تعقيدًا.

كذلك فإنَّ لدى جيش الاحتلال طموحًا عاليًا بأن يقدم على وقف الأعمال القتالية، وهو مسيطر على ما يطلق عليه "محور فيلادلفيا"، وهو الشريط الحدودي لقطاع غزة مع مصر، ومع التأكيد أنه لا يوجد في نتائج المعارك مستحيل، فإن تحقيق ذلك صعب جدًا، وأقرب للخيال، وحتى لو وصلته قوات الاحتلال في مرحلة ما، فلا يمكن للمقاومة أن تجعلهم يستقرون فيه.

قد يترتب على توقف الأعمال القتالية دون وقف إطلاق النار تفاهمات سياسية، وقد لا يكون في الملفات الثلاثة الأساسية لأي تفاهمات، وهي: الحكم في غزة، الأسرى، السلاح.

يوجد مسلّمتان لحماس لا يمكن أن تتنازل عنهما وهما: التخلي عن سلاحها، والتهاون في صفقة التبادل، فيما حماس مرنة جدًا في الموضوع الثالث، وهو حكم غزة، بل على العكس تمامًا قد يكون أحد الأهداف غير المعلنة لحماس في هذه الحرب هو التخلص من الحكم المدني في قطاع غزة، وهو موضوع يحتاج أن يُخصص له مقال من أجل تفصيل أسبابه، خاصة أن حركة حماس طرحت هذا السيناريو على الطاولة، وحاورت به السلطة الفلسطينية والفصائل سابقًا ولم تلقَ استجابة.

كما صدر عن عدد من قادتها تصريحات واضحة في هذه الحرب بأن مسؤولية المدنيين في قطاع غزة هي مسؤولية الأونروا، والأمم المتحدة.

تطمح حركة حماس منذ سنوات للاقتداء بالنموذج اللبناني المتمثل في فصل المقاومة عن الحكومة، لكنها لا تريد حكومة تطعنها في ظهرها، وهذه هي القضية الشائكة في الحالة الفلسطينية.

قد يتم تسويق تشكيل قيادة جديدة في قطاع غزة على أنه تنازل تم انتزاعه من حركة حماس، وهذا يشكل مخرجًا إقليميًا، خاصةً لمصر، وأحد تقاطعات حلول التهدئة التي يستطيع نتنياهو تسويقها في مرحلة ما وبموافقة أميركية.

أما شكل هذه الحكومة- في أن يكون أقرب لتصور حماس أو أقرب لتصور إسرائيل- فهو مرهون بنتائج الميدان الذي يرجح كفة أن يكون وَفق منظور حماس التي تطمح إليه، خاصة أن تشكيل هذه الحكومة سيكون نوعًا من الوفاء من قِبل حماس لقاعدتها الشعبية في أن تكون هذه الحكومة الجديدة مدخلًا لرفع الحصار والإعمار.

إنّ سيناريو وقف الأعمال القتالية دون وقف إطلاق النار- وإن بدا في لحظاته الآنية بأنه لا يحمل أي تصورٍ مرتبط بإعمار قطاع غزة أو تعهدٍ برفع الحصار- إلا أنه، إستراتيجيًا، ينمّ عن قصر نظر القادة في إسرائيل المتمتّعين بضيق أفق مطبق وعمى إستراتيجي قاتل؛ ففي تلك اللحظة يمكن القول إنهم قد خطوا السطر الأول في تحويل معركة "طوفان الأقصى" إلى عمل تأسيسي فعلي مستمر ومتراكم نحو تحرير حقيقي في السنوات القادمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.