المشروع الصهيوني.. مفارقات وكواليس

متطرفون يهود بسلاحهم يؤدون صلوات تلمودية في الأقصى "غيتي"

ليس هناك شكّ في أنّ الوعي بالمشروع الصهيوني، ومكوّناته، وروافعه، وتحالفاته، وتناقضاته، قد أصبحَ من أهمّ قضايا الوعي، وخاصة بعد أن انتقلت معركة "طوفان الأقصى" بمجتمعاتنا نقلة كبيرة نحو تحرير فلسطين وضرورة تفكيك المشروع الصهيوني الذي وضحت كل جوانب عنصريّته وأهم ملامح مخاطره.

فضلًا عن مساحات التّضامن والتعاطف العالمية الكبيرة التي احتلتها المقاومة الفلسطينية لأوّل مرّة منذ اندلاع الصراع العربي -الإسرائيلي، وهو ما يضع بالضرورة المشروع الصهيوني تحت الحصار، ويَأْذَن بمرحلة جديدة.

ولعلَّ ذلك هو ما جعل الولايات المتحدة تعمل في الأيام الأخيرة على محاصرة التعاطف مع القضية الفلسطينية بين شباب جامعاتها، بل ويعلن مجلس النواب الأميركي المساواة في التجريم بين السامية والصهيونية! كما تستخدم الولايات المتحدة "الفيتو" بكل جرأة في مجلس الأمن في مواجهة الدعوة لوقف العدوان الإسرائيلي!

تحت المجهر

فبرغم تصدر أخبار المشروع الصهيوني والصراع العربي- الإسرائيلي وسائل الإعلام في بلادنا منذ أكثر من سبعين عامًا، فإن جوانب الغموض فيه لا تزال كثيرة، كما لا تزال غائبة عن مجتمعاتنا.

وبرغم وحشية الهجمة الصهيونية على منطقتنا وخطورة أهدافها، فإنها لم تستوفِ بعدُ حقّها من الدراسة والبحث، ولا تزال بحاجة ماسّة لتقريب بعض أبعادها من القارئ العربي.

كما ما زلنا بحاجة لتحصين مجتمعاتنا في مواجهة حملة صهاينة العرب والمارينز الثقافي الذين يقفون اليوم في صفوف متقدمة لم يتبوَّؤُها من قبلُ.

وفي هذا الإطار، تبرز أهميَّة الاشتباك مع الجوانب المهمَّة في المشروع الصهيونيّ من الناحية التاريخية والأيديولوجية والتي تضعه تحت مجهر التّحليل والنظر بشكل أعمق، كما تكشف ارتباطاته وعلاقاته وتحالفاته بشكل أوضح.

ومن ذلك أن "نابليون بونابرت"- إمبراطور فرنسا – هو أوَّل من حاولَ توظيف وجود اليهود في فلسطين في حملته الاستعمارية على المنطقة الإسلامية، وذلك قبل وعد بلفور بأكثر من 100 عام، وهو ما يعد أول اعتراف دولي بوجود قومية يهودية وتخصيص فلسطين لها، وذلك في إطار مشروعه الاستعماري في منطقتنا. وبعد هزيمته على أسوار عكا عام 1799 ومحاولته الاستعانة باليهود في فلسطين، وجَّه لهم نداءه الشّهير: "أيها الإسرائيليون انهضوا، فهذه هي اللحظة المناسبة، إن فرنسا تقدّم لكم يدها الآن حاملةً إرث إسرائيل، سارعوا للمطالبة باستعادة مكانتكم بين شعوب العالم".

منظومة قيمية منافسة

إن "وثيقة كامبل" البريطانية 1907 ــ التي تمثل " إستراتيجية أوروبية" بخصوص تموضع اليهود في منطقتنا، بينما كانت تعمل أوروبا على استدامة سيادة الحضارة الغربية عن طريق تدارك عوامل التاريخ وفعله في الحضارات والقوى الاستعماريةــ أكّدت على ضرورة استمرار السيطرة على المنطقة الإسلامية؛ لأنها تحتوي على منظومة قيمية منافسة للمنظومة الغربية، كما أنها هي التي صارعتها وأخرجتها من مناطق عديدة.

كما أكَّدت الوثيقة على ضرورة العمل على تمزيقها وتعويق تقدمها، وذلك عن طريق إقامة حاجز بشري غريب في قلبها يكون عدوًا لشعوبها، ويجعلها في حالة اضطراب دائم، ومن ثَم استمرار تخلّف دولها وتبعيتها، وقد أكملت بريطانيا هذه الإستراتيجية عبر وعد بلفور 1917.

تمَّت بلورة الفكر الصهيونيّ لأوَّل مرّة قبل ميلاد "هرتزل" – (1860 ـ 1904) مؤسّس الصهيونية السياسية الحديثة – بعشرين سنة على يد اللورد "شافتسبري" (1801-1885)، الذي كان يعتقد أن الشعب اليهودي يمكن توظيفه في خدمة الإمبراطورية الإنجليزية ودول الغرب عمومًا، بعد طرد اليهود خارج أوروبا إلى فلسطين.

هذا، فضلًا عن أنهم يتميزون بالمهارة والمثابرة، ويستطيعون العيش على أقل شيء!! فهم قد ألفوا العذاب عبر عصور طويلة، كما أن وجودهم في فلسطين يمثل عنصرًا حيويًا في الرؤية المسيحية للخلاص، وقد بلور فكرته في الشعار الشهير: "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن"!

برغم أن هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية نفسه، كان يخطط لإقامة دولة إسرائيل في عدة دول أخرى، مثل: أوغندا، أو كندا، أو العراق، أو الأرجنتين، فإن المسيحية الصهيونية لم تغير موقفها، فقد كانت أكثر حسمًا في التوجيه لفلسطين "أرض الميعاد"!

سيطرة واستقطاب

من المفارقات المهمة أيضًا أن مؤسسي الحركة الصهيونية وغالب قادة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، هم "ملحدون"، ومع ذلك فقد وجدوا بشكل براغماتي بحت أن استدعاء الدِّين هو أهم عامل يمكن أن يساعد المشروع على النجاح، وخاصة النجاح في جذب الهجرات اليهودية من مناطق العالم المختلفة.

لذا فإنَّ دولة إسرائيل الحالية ليست هي الدولة الدينية التي ستشهد صراعَ آخر الزمان، فهي إلى زوال مثلها مثل مملكة بيت المقدس الصليبية، التي سقطت في حطين بعد ما يقرب من 88 عامًا.

وبرغم أنَّ اليهودي المخوّل بإقامة الدولة اليهودية ـ حسب معتقداتهم ـ لابد أن يكون من نسل يعقوب، فإن اليهود الذين أحيوا هذا المشروع ليسوا يهودًا، بل تهوَّدوا، حيث لا يوجد يهود بالمعنى المقصود عندهم سوى أعداد قليلة بقرية بنابلس، ومن المفارقات أن هؤلاء رفضوا مشروع الدولة اليهودية.

من العوامل الدينية الرئيسة التي جعلت المشروع يستقطب وعي البروتستانت – وخاصة في بريطانيا ثم أميركا (حيث المسيحية الصهيونية التي يتبعها 80 مليون أميركي)- هو الاعتقاد بأن سيطرة إسرائيل على كامل فلسطين وعودة جميع اليهود يسرّع من العودة الثانية للمسيح، كما أنَّ نزول المسيح سيكون مرتبطًا ببناء الهيكل الذي سيبنى بطبيعة الحال مكان "المسجد الأقصى"، ولهذا فهم يعدون عدتهم لبنائه.. كما أنّ عقيدة "هرمجدون" ما زالت أحد محركات المشروع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.