الحرب على الفلسطينيين والصراع على روح الإسلام في الشرق الأوسط

تديُّن الجامعيين من شباب وشابات ما بعد الانتفاضات العربية ذو طبيعة فردية، نواته الصلبة لا تتكون بالتنظيمات (وكالة الأناضول)

جدّدت معركة "طوفان الأقصى" التساؤل حول مستقبل الإسلامية والإسلاميين في المنطقة من زوايا عدة، هي:

  • أولًا: الصراع حول أنماط التدين في المنطقة، وما يصيبها من تحولات عميقة نجدها في الاقتصاد والسياسة والسوشيال ميديا.
  • ثانيًا: مستقبل حركات الإسلام السياسي؛ أي تلك التي قبلت العمل من خلال الأنظمة القائمة وعدم انتهاج العنف في التغيير.

حماس كانت -ولا تزال- أحد آخر تجليات جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة. صحيح أنها استطاعت أن تعيد رسم صورتها باعتبارها حركة مقاومة؛ لكن يظلّ السؤال مطروحًا: هل يمكن أن تمنح معركة "طوفان الأقصى" قبلة الحياة لهذه الحركات؟

  • ثالثًا: إمكانية تصاعد التطرف العنيف واستعادة حيويته من جديد في ظل ما نشهده من توحش إسرائيلي مدعوم من الحكومات الغربية، وعجز رسمي عربي وشعبي عن إيقاف المجازر.

في المحور الأول تساءلت مجلة إيكونوميست -في عددها المطبوع في الثاني من ديسمبر الجاري- عن تأثير الحرب في غزة على "الثورة الدينية" الجارية في الشرق الأوسط؟

ملامح هذا التدين الذي وصفته المجلة بالثورة، كانت كالآتي:

  1. تقارب سني- شيعي؛ إذ بدأت المذاهب الإسلامية في سد انقساماتها الطائفية.
  2. قبول إسرائيل؛ فمنذ عام 2020، انضمت أربع دول عربية إلى اتفاقيات أبراهام، لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
  3. تدين فردي ممتزج بالتصوف: لقد تغيرت الممارسة الدينية من التعبئة السياسية من أجل الخلاص المجتمعي -كما يتبنى ذلك الإسلاميون- إلى سعي أكثر شخصية وروحانية.
  4. عدم مركزية علماء الدين؛ "في جميع أنحاء العالم الإسلامي، تعرض رجال الدين -الذين كانوا منبوذين في السابق- للسخرية؛ بسبب الجشع والنفاق في السنوات الأخيرة"، على حد قول المجلة.

تشير المجلة إلى عدد من الظواهر التي تتفاعل فيما بينها: زيادة التسامح الديني، مع تراجع التدين لدى الشباب، وتقلص العمليات الجهادية، مع تراجع حركات الإسلام السياسي.

بعد التبشير بالثورة الدينية في زمن انتفت فيه الثورات تتساءل المجلة: هل تستطيع -تقصد الثورة- النجاة من حرب غزة؟

قدّمت المجلة إجابتها، لكنها لم تخلُ -كعادة كثير من التحليلات الغربية للتغيرات الدينية في المنطقة- من التبسيط المخلّ، الذي يرصد ظواهر متفرقة لا نجد رابطًا بينها، وتحاول أن تصل إلى نتائج متسرّعة من غير فهم أعمق وتفسير حقيقي، وتحتفي -في أحيان كثيرة- بالغرائبي العجائبي فقط من الوقائع والتطورات.. إلخ، فهي تعتمد مصطلحات، وتنطلق من افتراضات تعوزها الدقة والقدرة على الاقتراب من الظواهر كما هي، وليس وفق تحيّزات الباحثين.

ففي الوقت الذي يتصاعد ارتباط السياسي بالدين، (أرجو ملاحظة استخدامي للفظ الديني وليس الدين)، من مداخل جديدة؛ نتيجة تصاعد اليمين الشعبوي، ومزيد من حضور الهويات، وبحث فئات اجتماعية عن المعنى في ظل سيولة التحولات وغياب اليقين، في ظل هذه الظواهر مطلوب من المسلمين أن يفكوا الارتباط بين الديني والسياسي.

تصاعدت في الحرب على الفلسطينيين خطابات دينية وثقافية لم يحاول قادة إسرائيل ولا الحكومات الغربية أن يخفوها عن الجمهور، مثل: الاستشهاد بالمقولات التوراتية لتبرير التوحش الصهيوني، والوزير الذي جاء حاجًا لمجلس الحرب الإسرائيلي (الكابينت) باعتباره يهوديًا لا وزير خارجية الولايات المتحدة، وأيضًا استدعاء لأتون الحرب الحضارية كما ظهرت في حقبة سبتمبر، وغيرها، كما شهدناه.

أبرزت الحرب على غزة والضفة أنها بين المسلمين واليهود في منافاة واضحة للواقع الذي انحاز فيه عدد معتبر من اليهود غير الصهيونيين ومن التقدميين للحقوق الفلسطينية، لكن على ما يبدو أنَّ أصحاب المصلحة من كل طرف أراد أن يدفع بهذا التصور قدمًا؛ ليحشد مناصريه على كل ضفة في حرب كانت -ولا تزال- حقيقتها تتعلق بحق شعب في تقرير مصيره وتحرير أرضه.

صحيح أن بعض المؤسسات الرسمية أصابها الخرس مراعاة لموقف حكوماتها؛ لكن الخطاب الديني في مجمله كان مؤيدًا للقضية الفلسطينية

عزّزت الحرب الجارية الوصل بين السياسي والديني، وهنا نقطة يجدر الإشارة إليها لم تلتقطها المجلة، وهي قدرة الأجيال الشابة -الذين يتصاعد تدينهم وفق استطلاعات الرأي على خلاف ما أشارت إليه المجلة- على الولوج إلى السياسة من مداخل جديدة لم نعهدها.

تعد قضية فلسطين واحدة من هذه المداخل التي جددت وعيهم بالسياسة، وزادت من تفعيل أدوارهم فيها، قام جيل زد وواي وألفا بالحشد والتعبئة الوطنية وعبر الوطنية، وعرّف بالقضية وجذورها.

كما ساعد هذا الجيل على تقديم السردية الفلسطينية لأقرانه، وقام بتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، مما أدهش الجميع، في ظل تصورات ساذجة بأن العولمة من شأنها أن تقضي على أي انتماء، وتدعس أي تجاوب مع السياسة. كانت -ولا تزال- قضية فلسطين قادرة على استعادة السياسة والحشد والتعبئة، كما جرى في الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة منذ مطلع الألفية الحالية، إلا أنَّ الجديد كان قدرتها على توحيد ساحات المطالبات.

نادى متظاهرو القاهرة بالعيش والحرية والعدالة، وهم يرفعون أعلام فلسطين، كما اعترض متظاهرو المغرب على مشروع إصلاح التعليم، وأعلامُ فلسطين ترفرف فوقهم.

سمات التدين الجديد

تديُّن الجامعيين -من شباب وشابات ما بعد الانتفاضات العربية- ذو طبيعة فردية، نواته الصلبة لا تتكون بالتنظيمات وإنما بشبكية التفاعلات وكثرة المبادرات، وتتشكل ملامحه على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالممارسة العملية لا الخطاب الأيديولوجي؛ لذا فهو في تحول دائم، ويتميز بحضور نسائي طاغٍ.

كما أنَّ موقفه من السياسة ترسمه السياقات وتطورها، فهو قادر على إعادة تعريف الفعل السياسي بشكل مستمر، وفي القلب منه توظيف الديني في التعبئة السياسية من مداخل جديدة، تقوم أساسًا على الإنساني والأخلاقي/ القيمي، لا الطائفي السلطوي.

الأجيال الشابة لديها قدرة -تحتاج إلى استكمالها بالتنظير- على تقديم الديني لا باعتباره عنصريًا يخصّ أتباع دين محدد؛ بل له بعد إنساني وقيمي مشترك مع العالمين.

في مقابل هذا النمط من التدين، تدفع الأنظمة والحركات والمؤسسات في المنطقة بنمط سلطوي إقصائي غير ديمقراطي لا يقبل بالتعددية داخله ولا مع الآخرين، نيوليبرالي على المستوى الاقتصادي، ويمزج القوة الناعمة بالصلبة لتحقيق أهدافه، كما يظهر في التدخلات العسكرية مباشرة، أو من خلال الوكلاء. يتشابه الجميع في جوهر روح الإسلام وقلبه الذي يريد أن يدفع به؛ برغم ما بين هؤلاء من صراع على النفوذ والمصالح.

لم تشر المجلة إلى أن الثورة الدينية المزعومة نشأت في مجافاة بين تطلعات الجماهير وبين توجهات السلطة؛ فبرغم التطبيع مع الكيان الصهيوني على المستوى الرسمي، فإن قطاعات متسعة ترفض هذا التطبيع، كما يظهر في استطلاعات الرأي، فجاءت الحرب لتؤكد هذه الحقيقة وزادتها رسوخًا.

لم تشر المجلة -أيضًا- إلى أن الثورة الدينية يتم إقرارها بعصا السلطان لا مقتضيات الدعوة. تم إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي في أكثر دول المنطقة بالقمع لا بالسياسة، في وقت نشهد فيه ترحيبًا بالعلاقة مع الكيان الصهيوني.

يجري إقرار السياسات الاقتصادية لصالح تحالفات رأسمالية ضيقة لها امتدادات إقليمية ودولية، بما يؤدي إلى تفاقم الفقر، وزيادة التفاوتات في الدخول والفرص والثروات.

عادة ما يتم الترحيب بكل إجراء مظهري كرنفالي تقوم به السلطات الحاكمة في المنطقة المتحالفة مع الحكومات الغربية دون تساؤل حقيقي عن الجدوى والتأثير. جدير بالذكر أن حضور النساء الكثيف وازدياده عن ذي قبل في المجال العام والوظائف والحفلات والمطاعم، قد لا يعني بالضرورة مزيدًا من المساواة بين الجنسين.

أبرزت الحرب الدائرة نقطة الافتراق بين الأنظمة وبين حركة الإخوان في المنطقة، وهي المقاومة المسلحة للكيان الصهيوني؛ إذ رفضتها الأولى، وقبلت بها الثانية. كل أشكال التدين في العالم العربي يكاد يكون هناك إجماع بينها على نصرة الفلسطينيين، ومساندة القضية الفلسطينية، ودعم المقاومة. اتفق أهل التصوف كالجفري وشيخه بن حفيظ، مع شيخ الأزهر الذي قاد موقف المؤسسات الدينية في العالم العربي، بجوار مفتي عمان والشيخ عبد الله بن بيه.

صحيح أن بعض المؤسسات الرسمية أصابها الخرس مراعاة لموقف حكوماتها؛ لكن الخطاب الديني في مجمله كان مؤيدًا للقضية الفلسطينية.

من المتوقع أن يكون في قلب التدين بأشكاله كافةً كراهية للغرب (لا أدرى إن كان قادرًا على الفرز بين مواقف الغرب أم سيتم التعامل معه باعتباره كيانًا واحدًا) – بالإضافة إلى اليهود، في خلط واضح بين اليهودية كدين سماوي معترف به لدى المسلمين، وبين الصهيونية كعقيدة سياسية.

أخيرًا؛ فإن تغليب كلّ من تركيا وإيران مصلحتهما الوطنية على دعم الفلسطينيين، سيعيد صياغة موقعهما في القضية، كما سيلقي بظلال كثيفة على التقارب السني- الشيعي الذي انطلق على المستوى الرسمي، ولكنه لم يتأكد – بعد – على المستوى الشعبي.

من المقدر للمنطقة أنَّ الاقتصاد سيسيطر على حساب الأيديولوجيا؛ لذا فإن المتوقع أن تستكمل العمليات التي بدأت خلال الأعوام الثلاثة الماضية لفكّ جميع الارتباطات بالأخيرة، لكن الرياح المعاكسة التي بدأتها "طوفان الأقصى" قد تعيد التفكير في هذه المسائل من زاويتَين: هل تعطي معركة "طوفان الأقصى" قبلة الحياة للإسلاميين مرة أخرى؟ أم تكون أزمتهم الهيكلية غير قادرة على الاستفادة من الرياح المواتية، فينصرف المتدينون إلى التطرف العنيف؟

سيظل هناك إقبال على الإسلام السياسي في الشرق الأوسط – خاصة لدى الشباب والشابات- لكن الشكل الذي سيأخذه سيكون له آثار كبيرة على الاستقرار الإقليمي، وتوازن القوى فيه، وهذا ما يتطلب مقالًا جديدًا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.