"سيران" بشار الأسد في المُناخ السيئ

بشار الأسد في تفقده لآثار الزلزال المدمر بمدينة حلب في فبراير الماضي (منصات التواصل)

"السيران في اللهجة المحلية الشامية يعني النزهة". وقد عرف عن الرئيس الأسد حبّه للسيران منذ تولّيه منصب الرئاسة عام 2000.

فقد كان يفاجئ الناس بطلته البهيّة حين يظهر -من دون موعد مسبق ولا إعلان- في أسواق حلب القديمة، أو جبال اللاذقية بصحبة "أسماء"، وبعض أصدقائه المقربين في بداية حكمه، قبل أن يصبح لديه عائلة تكمل مشهد "السيران" الذي اعتاد عليه السوريون بداية الربيع.

ففي هذه الأوقات الربيعية يخرج السوريون إلى غوطة دمشق ليتنزهوا، ويشموا رائحة زهر المشمش واللوز، وتطيب نفوسهم بالجلوس على ضفاف نهر "بردى" في بساتين منحها الخالق أجمل تكوين.

لقد بدأ مشوار رئاسته برحلة عائلية إلى إسبانيا "غير رسمية" زار فيها مدينة الزهراء، وبعدها قامت زوجته برحلة مشابهة عام 2008 لتعلن من قرطبة أنّ دمشق عاصمة الثقافة العربية لذلك العام!

"سيران" ما بعد الثورة

 

بعد اندلاع الثورة السورية، لم يتوقف الأسد عن سيرانه المعتاد، فهو متعلق بالرحلات منذ صغره، وقد انتشرت له صورة مضحكة – قبل أن يصبح رئيسًا- وهو في رحلة، وقد علّق كاميرا في عنقه.

صار "السيران" إلى الجبال يحمل طابعًا "إنسانيًا"، فكان يزور عائلات ضحاياه، ويُهديهم ساعات حائط تذكرهم بأولادهم الذين افتدوه بحياتهم.

يذهب إلى "داريا" المدمّرة ليقطف من عنبها المعمّد بالدم، وإلى السويداء ليُهدي أهل مَن قضوا نحبهم- فداء كرسيه- عنزة سوداء.

وكان سيرانه الأخير إلى حلب بعد الزلزال، وقد ظهر بين الناس المنكوبين وهو يضحك، الضحكة البلهاء ذاتها التي لم تتغيّر؛ ضحكة "السيران"!

هذا "السيران" الداخلي كان تعويضًا عن "السيران" الدولي الذي حُرم منه بسبب العزلة المفروضة عليه.

لكنّ الحصار انفكّ أخيرًا، وتنفّس الأسد الصّعداء، فقد صار بإمكانه الذهاب إلى بلدان العالم!

بعد سنوات العزلة داخل قصره، تولّد في نفسه شغفٌ عظيم لرحلات الاستجمام، وتغيير الأجواء، كما فعل في زيارته الأخيرة إلى الصين، حيث بدا كما لو أنه سائح يريد أن يتعرّف على العالم دفعة واحدة.

وكي لا يبدو الأمر، كذلك، فقد أوعز لتليفزيونه الخاص "القناة السورية" بأنّ هدف الزيارة هو التباحث مع القيادة الصينية في مسألة تغيير النظام العالمي!

وما إن وُجّهت له الدعوة لحضور القمة العربية الإسلامية الطارئة في الرياض، حتى طار من الفرح، ووصلها وهو يوزع ضحكاته البلهاء.

لعله أراد، من خلالها، زرعَ بعض الثقة في نفسه أولًا على أنه أهمّ رئيس بين الحاضرين، خاصة أنّ قطار التطبيع العربي بدأ بالتحرك، وأنه يستطيع فرض ما يريد من خلال التهديد -تحت الطاولة- بشحنات الكبتاغون.

رأينا الضحكة ذاتها، وهو يتسلّم من السفير الإماراتي دعوته لحضور قمة المناخ التي يحضرها مئة وسبع وتسعون دولة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي.

كارثة بيئية بدأها الأب وأكملها الابن

لم تبدأ الكوارث البيئيّة التي أثّرت على المناخ في سوريا مع بداية الثورة فحسب، بل لها جذور تمتدّ إلى بداية حكم الأسد الأب، فقد قامَ بعدّة مشاريع في السبعينيات قضت على الكثير من الثروات، ودمّرت البيئة.

كان أولُّها تجفيفَ سهل الروج الذي قضى على الثّروة السمكيّة في الشمال، وتدميرَ زراعة القطن، واستبدالها بالبطاطا، واقتطاع مساحات من الغابات بافتعال الحرائق ليستملكها السكّان العلويون في الجبال.

إضافةً إلى تبليط نهر "بردى"، ونسف المساحات الخضراء على جانبيه، لتقوم الأبنية السكنية مكانها. واستبدال بذور القمح السوري بالأميركي، والقضاء على ثروة البِطيخ الأصلية، وتدمير الأحياء التراثية في مدينة حماة، وجسر الشغور، وحلب؛ بحجة الإرهاب الإسلامي.

لا شكّ أنّ ما فعله الابن فاق ما صنعه الأب بآلاف المرّات، لكنّه كان يكمل مسيرة أبيه باقتدار. فلم يترك في سوريا مَعلمًا سياحيًا، ولا حضاريًا، ولا بيئة صحية، وفاق هولاكو فيما فعله.

مؤتمر المناخ

لم تتّسع الإمارات لفرحة الأسد، حين تلقّى الدعوة لحضور المؤتمر. كانت ضحكته تتصدر الشاشات معبّرة عن سعادته الكبيرة بالحدث الاستثنائي.

لكن الفرحة لم تكتمل، فقد صدرت مذكرة توقيف دولية بحقه، بأمرٍ من القضاء الفرنسي، شملت أخاه ماهر واثنَين من رجاله، وذلك لمحاكمتهم على قصف الغوطة بالكيماوي.

وقد أعقب ذلك تصريحُ وزيرة الخارجية الفرنسية، التي أكّدت موقف فرنسا الحازم في تحقيق ثوابت الدولة المتعلقة بحقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الدولية التي أصبحت في العقود الأخيرة على المحك، وعلت أصوات الشارع الفرنسي بشأن المطالبة بتحقيقها.

وقد أكّدت الوزيرة أنّ الأسد لا يفي بوعوده، وأنه منذ عشر سنوات يعادي شعبه، وقد قتل مئات الآلاف منه، إضافة إلى كونه قد أصبح أكبر تاجر مخدِّرات في العالم!

اضطر الأسد وسط مخاوف حقيقية من محاكمته إلى إلغاء "سيران المناخ"، وقرّر إرسال وفدٍ بالنيابة عنه.

كان الهدف الأساسي من حضور قمة المناخ العالمية الحصول على تمويل لمشاريع تساعد على تحسين البيئة في سوريا. البيئة التي دمّرها الأسد في الحرب التي قادها ضدّ شعبه، وبسبب الحرائق المتكررة للغابات، وتسرّب النفط في الحقول، وآثاره المدمرة على صحة السوريين، وانتشار السرطان بشكل هائل.

الأسد مسؤول عن كارثة بيئية في سوريا، ومع ذلك يتغافل عن كلّ ما فعله، وهو على ثقة تامة بأنّ العالم كله متضامن معه، ويغمض عينيه عن جرائمه كي لا يراها!

لم يكن في حسبانه، أبدًا، أن تفتح فرنسا عينيها، وتحرمه من "سيران" المناخ المرتقب!

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.