الدوائر المكتملة في الأزمة التونسية

زعيم حزب النهضة الشيخ راشد الغنوشي قبل سجنه (رويترز)

حكم ومعارضة

قبل سنوات عدة حلّ الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية في تونس الشيخ راشد الغنوشي ضيفًا على قناة الجزيرة، وألقى كلمة في بعض من المشرفين والعاملين فيها؛ جريًا على عادةٍ أيامَها كانت تخصص منبرًا لوجوه الفكر والسياسة كي يتفاعلوا مباشرة بعيدًا عن الشاشة مع جمهور نخبوي يهتم بقضايا التحرر والنهوض في العالم العربي.

أُلقيت تلك الكلمة زمن الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي، ذلك العهد الذي عانت فيه الحركة الإسلامية محنة قاسية؛ بسبب ما عُرف وقتها بخُطة "تجفيف المنابع"، تلك التي تتضمن في واحد من أبرز مساراتها استئصال الإسلاميين، بعد أن تم تحويلهم إلى ملف أمني؛ قسمهم إلى داخل تستنزفه السجون والملاحقات الأمنية، وخارج التهمت ديار الغربة واللجوء أكثر سِني أعماره.

استعرض الشيخ الغنوشي- في تلك المسامرة- محطات من تاريخ تونس الحديث، على نحو كثّف فيه مسلّمة تهيمن على فكره ومواقفه؛ ألا وهي أن معركة تونس في الجوهر إنما هي معركة حريات في وجه نظام استبدادي.

وتطرق الشيخ الغنوشي إلى معارك ذلك النظام مع التعبيرات الفكرية والسياسية المختلفة التي واجهته، فلقيت المطاردات الأمنية القاسية؛ ردًا على معارضتها له.

وَفق معيار كرونولوجي، قسم زعيم حركة النهضة ذلك التاريخ السياسي الحديث لتونس إلى حقب هيمنت فيها المعارضة القومية زمن الرئيس الراحل المؤسس الحبيب بورقيبة، يقصد بذلك الحركة "اليوسفية" التي اتخذت مسحة "ناصرية" وإن كان بعض من أرّخوا لها يؤكدون أنها في العمق صراع زعامة داخل الحزب الحاكم بين بورقيبة وصالح بن يوسف.

جاء بعد ذلك مدٌّ يساريٌّ متأثرٌ بأجواء عالمية كانت رياحها تهبّ شرقًا من صوب الاتحاد السوفياتي، ونظم اشتراكية مثلت "الموضة" السياسية ذلك الزمن، حتى إذا أطلت فترة أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، جاء الدور على الحركة الإسلامية التي ورثت من وجهة نظر الشيخ راشد ميراث تلك المواجهة مع دولة بورقيبة المستبدة.

تفاعل الحضور مع كلمة زعيم حركة النهضة التي كانت من قبلُ تحمل تسمية "حركة الاتجاه الإسلامي"، في واحد من مظاهر السعي الذي بذلته مختارة أو مكرهة للتأقلم مع الواقع السياسي، والعمل فيه من موقع الشرعية القانونية.

تفاعُل الجميع هو ما شجعني على أن أسأل الشيخ راشد عن المقدار الذي تلبس فيه طرحه بالمناقبية في الحديث عن الحقبة الإسلامية من هذا التاريخ الإسلامي للبلاد.

فعلت ذلك عن خشية شعرت معها بأن مختلف التعبيرات السياسية والفكرية في تونس أهملت ما يمكن وصفه فعلًا بالفريضة الغائبة؛ ألا وهي النقد الذاتي.

عزز ذلك لدي بنية دائرية في تمثل الحراك السياسي في تونس، فالجميع يبدأ من تجاوز من قبله بخطاب تأبيني، ليفتح أفقًا يكون هو اللاعب الأكبر فيه، عززه لدى إسلاميي تونس شعورٌ واثق بأن بوصلة الصندوق الانتخابي لن تشير في حال خلِّي بين الناس وحرياتهم سوى للإسلاميين.

واستقر ذلك التصور في ذهن الإسلاميين، كما لو أنه نهاية سعيدة مرجوة ومنشودة لعقود من الملاحقات والتنكيل الأمني من قبل دولة تقسو على أبنائها وتمنعهم من المشاركة والنضج السياسي.

لا أعرف بأي مقدار "أزعجت" عبارة المناقبية الأستاذ راشد الغنوشي، لكنني اعتبرت التعامل معها اختبارًا عمليًا للأفكار النظرية التي أودعها الرجل في أمهات كتبه خاصة "الحريات العامة في الدولة الإسلامية."

مفارقة تونسية

على مدى العقود التي سبقت ثورة ألفين وأحد عشر في تونس، استوقفت مفارقة مَن تمعن بعمق في تطورات المشهد الفكري والسياسي في البلاد، ذلك أن مصادرة النظام الحاكم الحرياتِ، قابلتها ثقافة شمولية وإقصائية متجذّرة لدى النخب التي عارضته.

إقصاء كان يستحكم أكثر فأكثر حتى بلغ درجة من العنف الكلامي والمادي، سواء بين العناوين السياسية الكبرى من قوميين ويساريين وإسلاميين، أو حتى داخل كل عنوان منهم.

إذ تشهد ساحات الجامعات والعمل النقابي على معارك حامية الوطيس بين اليساريين أنفسهم الذين كانوا "يتكافرون" ماركسيًا بتهم التحريفية، أو بين القوميين الذين كانوا أكثر التيارات انقسامًا، وهم يرفعون شعار الوحدة ليل نهار.

كما كان الإخوان يضيقون ذرعًا بمنتسبي وطلبة حزب "التحرير"، ويرون فيهم منازعًا على صفة يرونها أنسب لهم دون غيرهم؛ ألا وهي صفة الحركة الإسلامية.

لم يكن المشهد سوداويًا عدميًا، ففي ظل ذلك الصراع وُلدت زعامات، وحبّرت كتابات، وقامت تجارب بعد أن سقطت أخرى، ونشأت على هامشها تعبيرات اجتماعية وثقافية مثلت مادة خصبة لمدارس علوم الاجتماع السياسي.

لعبت السلطة السياسية دائمًا دور كابح الجماح الفكري والسياسي لمعارضيها الراديكاليين بمستويات مختلفة، وبلغَ الأمر بالمشهد في تونس حدَّ الاحتباس والتصحر، وفي ظل الجمود الذي تراكم سنة بعد سنة، وجد بعض الفاعلين البارزين في المعارضة متسعًا لمناقشة إمكانية استخلاص العبر من تجارب الماضي، والارتقاء بالعمل السياسي إلى المشترك الحقوقي، وفض الاشتباك الفكري والسياسي على قاعدة تقديم المعيار الوطني الجامع، حيث مساحات العيش والعمل المشترك.

أَوْلدت تلك البارقة ما عرف بمبادرة الثامن عشر من أكتوبر، التي قال عنها الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي: إنها "تحالف ما أنزل الله به من سلطان"، في إشارة إلى سابقة تاريخية تمثلت في تحالف جمع تحت خيمته حركة النهضة الإسلامية مع حزب العمال الشيوعي التونسي، والحزب الديمقراطي التقدمي، إضافة إلى مكونات أخرى أقل ثقلًا وأهمية.

المفاجأة المحرجة

شكّل قيام الثورة في تونس حدثًا مفاجئًا ومحرجًا في الآن، أولًا؛ لسلطة وجدت نفسها في مواجهة شباب غاضب من خارج التصنيفات السياسية التقليدية التي اعتادت أن تواجهها أمنيًا وقضائيًا وإعلاميًا، وثانيًا؛ من معارضة لم تصنع الثورة ولم تؤطر شبابها الذين تحركوا مستغنين عن كل الميراث الأيديولوجي الذي راكمته المعارضة غير القانونية آنذاك.

لقد وجد الجميع أنفسَهم أمام تحدٍ من نوع جديد، فلقد باتوا بين عشية وضحاها يتمتعون بالحرية، تشرئبّ نحوهم الأعناق منتظرة ما سيكون عليه أداؤهم في بلد شهد للتو ثورة ذات طابع اجتماعي سرعان ما انعكس مطلبية غاضبة ومشطّة.

كان أخطر قرار اتخذته المعارضة من مواقع وبطرق مختلفة، هو الانقسام حيال الواقع الجديد، فمع انتخابات ألفين وأحد عشر التي تصدر نتائجَها الإسلاميون بفوز عريض، فشلت فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية، تاركة المجال لانقسام بين حكم ومعارضة في فترة لم تكن البلاد تحتمل فيها شيئًا من ذلك؛ وهو ما عصف بمبادرة الثامن عشر من أكتوبر، إذ إن الواقع بيّن أنها لا تعدو أن تكون خطوة رمزية لم تغادر الحبر الذي كتبت به الأوراق التي وثقتها.

على ذلك النحو من الاستقطاب السياسي الحاد انتظم المشهد السياسي في تونس سنة بعد سنة، وصارت الإخفاقاتُ تقتات من الرصيد الأخلاقي للمعارضة لدى عامة الجمهور.

وبدت للمعارضة نواقصها الفادحة التي كانت مغطاة تحت ورق معارضة الاستبداد، فطفقت تركن إلى حديث الأعذار والتبريرات، بل إن كثيرًا منها جعل نزعته الاستئصالية الإقصائية برنامجه الأبرز، بدل تقديم بدائل حقيقية لبلاد كانت تغرق أكثر فأكثر في أزمات؛ لا شك أن هناك عوامل أخرى ساهمت في صنعها وتكريسها.

جاءت انتخابات ألفين وتسعة عشر بنتًا لهذه الأجواء، فعكست ما جرى على الساحة السياسية من تحالفات متغيرة وصعود لوجوه مقابل ضمور أخرى.

بات الفراغ واضحًا لكل عين في ظل يأس جماهيري متصاعد من السياسة والسياسيين، وتحت وقع قصف إعلامي مركّز أخرج النخب السياسية في صورة فئة فاسدة وفاشلة وغير قادرة على قيادة الدولة نحو تغيير حقيقي يستفيد منه المجتمع شيئًا.

شق الرئيس التونسي قيس سعيد- الذي كان مرشحًا يومها تزكّيه استطلاعات للرأي أثارت كثيرًا من الجدل- ذلك العباب المليء بغبار المعارك السياسية، والمتخم بروائح الفساد والمحسوبية، ليصبح، شيئًا فشيئًا، بديلًا عن "السياسة التقليدية" بصيغة النفي وليس الإثبات، فهو ليس حزبيًا، وليس فاسدًا، وليس مدعومًا من أي جهة.

وصف الشيخ راشد الغنوشي وصول سعيد للرئاسة بالموجة العالية، في إشارة إلى افتقاد الوقت لفهمها والتعامل معها، إذ جرى دعمه؛ هربًا من السمعة الأخلاقية السيئة التي تم تقديم المرشح المنافس نبيل القروي ضمنها.

ذكرني ذلك الوصف بحديث الأستاذ الغنوشي عن الموجات التي تداولت على التاريخ السياسي الحديث في تونس، خاصة أن الرئيس سعيّد بنى خطابه وسلوكه السياسي- وهو في الحكم- على أن ما قام به في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو يجبّ ما قبله؛ أي أنه تعبير اجتماعي واسع عن رغبة في طي صفحة الأحزاب والقيادات السياسيّة التقليدية، والاستعاضة عنهم بديمقراطية شبه مباشرة، تهمش كل الأشكال الوسيطة للممارسة السياسية.

دوائر السياسة

يقبع الشيخ راشد الغنوشي حاليًا هو وثُلة من أبرز المعارضين السياسيين بتونس في السجن، ما وضع الجميع أمام بنية دائرية جعلت هؤلاء يعودون بعد عشرية يسميها الديمقراطيون عشرية انتقالٍ ديمقراطي متعثرٍ، بينما يراها أنصار الرئيس سعيد عشرية سوداء تستوجب المساءلة والمحاسبة.

مشهد، يعيد طرح السؤال، ذلك الذي غاب في ألفين وأحد عشر: ألم تكن قضية الحكم شجرة حجبت غابة التحولات الاجتماعية البطيئة والعميقة التي أتت بجيل خارج التصنيفات فرض التغيير على المعسكرين: معسكر الحكم، ومعسكر المعارضة؟

أليس فيما تشهده تونس الآن ما هو أعمق وأوسع من مجرد فقدان مسار سياسي كان محملًا بوعود كثيرة ومنهكًا بإخفاقات أكثر منها؟

تقترح هذه الأسئلة وغيرها مداخل أخرى للتّعامل مع المشهد التونسي، ترى في ظاهرة الرئيس الحالي قيس سعيد نتيجة لما يحدث وليس سببًا له، وبهذا المعنى نفهم أنه وصل إلى الحكم بفضل أصوات الذين هم اليوم في سجون نظامه.

كما يرى ذلك التعاملُ أن الإسلاميين والقوميين واليساريين إجاباتٌ قديمة على واقع جديد، تحاول معالجة الواقع بأدوات تجاوزتها التحولات العالمية، وهو الأمر الذي خلق هوّة اتسعت يومًا بعد يوم مع أجيال شابة، لم تأخذ حظها لدى مشايخ السياسة في تونس قراءة وإنصاتًا وتشريكًا في مواقع القرار، والدليل على ذلك جمود التطوير الفكري وامتناع التداول على المسؤوليّة في صلب أحزاب جعلت من ذلك بضاعة روّجت لها طويلًا.

لم تعد الأزمة الحالية في تونس تحتمل المناقبية في الخطاب، ولا هي في وارد أن تتقبل خطابًا يدعي امتلاك الحقيقة ومفاتيح الحل، وليس بوسعها ضمان أن ينصت شباب زمن مواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي لسرديات تعود إلى منتصف القرن الماضي، في الوقت الذي يتنفسون فيه ليل نهار عولمة اخترقت جزئيات حياتهم فأعادت إنتاجها على نحو غير مسبوق.

أجزم بأنه إذا كُتب للشيخ راشد الغنوشي وغيره من الزعامات التقليدية أن يعتلوا منبرًا ما في الجزيرة أو غيرها، فسيكون خطابه مختلفًا، لا مهرب فيه من "الفريضة الغائبة" ولا مناص من نقد ذاتي لاذع، يفضي حتمًا إلى فتح الباب لإعمال سُنة التداول والاستبدال في المشهدَين: السياسي والاجتماعي في تونس.

هل في المستقبل متسع لذلك؟.. من يدري؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.