العدوان على غزة وفخّ الحرب الحضارية الثانية.. في الردّ على حسن أوريد

Rishi Sunak Attends The G7 Summit In Hiroshima
كانت الحرب على الإرهاب ما بعد سبتمبر ذات طبيعة سياسية تختبر فيها الأطراف المختلفة موازين القوى (غيتي)

استخدمت أنظمةٌ وقوى سياسيّةٌ في المِنطقة، القضيةَ الفلسطينية -تاريخيًا- لتسميم الأجواء الفكريّة والسياسيّة، وتحقيق مصالح شخصية أو حزبية، ومنذ النّصف الثاني من القرن العشرين تمّ ذبح كثير من القرابين في أحداثها الكُبرى. مَن منّا يتذكّر شعار: "لا صوتَ يعلو فوق صوتِ المعركة"، الذي رفعتْه النظم القومية في ستينيات القرن الماضي، واستخدمته لمصادرة الحريات والديمقراطيّة في أوطاننا؟!

الطريفُ أنّه كلما علا صوت هذا الشعار، ازدادَ الاحتلال الإسرائيليّ تغوّلًا على الأرض وفي العقول والأفئدة. ظلَّ حافظ الأسد (1971-2000) يبتزّ دولَ الخليج لدفع مزيد من الأموال تحت دعاوى استمراره في حرب إسرائيل التي لم يُطلق عليها رصاصة واحدة بعد حرب أكتوبر/تشرين أول 73 وحتى الآن.

وكما كانت القضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي -تاريخيًا- سبيلًا لأنظمة الحكم العربية للقفز على المطالبة بالديمقراطية، فمن المتوقع أن تصادر الحرب على غزّة -ولو إلى حين- قضايا حقوق الإنسان أيضًا تحت دعاوى الاصطفاف الوطني وتفويض القيادة، ومواجهة الغرب المتآمر.

موقع مفهوم الغرب من القضية الفلسطينيّة

صحيح أنّ نشأة مفهوم الغرب في عالمنا العربي كانت ذات طابع حضاري/ثقافي؛ إلا أنّ المفهوم تأثر بتطورات السياسة إلى حد كبير. فقد تأسس -أولًا- على الغزو الاستعماري في مرحلة الاحتلال الغربي للعالم العربي، ثم تعمّق بعد أن ورثت الولايات المتحدة كلًا من فرنسا وبريطانيا في قيادتها للغرب بعد الحرب الثانية (1939-1945)، وازداد رسوخًا في فترة انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي (1990/1991). تخلل هذه الفترة ما أطلق عليه "الحرب على الإرهاب"، والتي كان مسرحها الأساسي العالم الإسلامي أو ما سمّوه: "الشرق الأوسط الكبير"، وفيها تم غزو أفغانستان 2001، والعراق 2003. ظلّت القضية الفلسطينية، ودعم الغرب للكيان الصهيوني حاضرَين منذ إعلان دولة إسرائيل 1948 حتى الآن في قلب الموقف من الغرب.

هل نحن إزاء موقف حضاريّ من الغرب تأسَّس على الاحتكاك السياسيّ، أم موقف سياسيّ تأسّس على النظرة الحضارية؟ أظنّ -والله أعلم- أنَّ الاثنَين غذَّى أحدُهما الآخرَ، لكن المعضلة أنّه مع كل أزمة سياسية كبرى مع الغرب – كالتي نحن بصددها الآن- يصيبنا تشوّش فكري يربك -إلى حد كبير- كيفية إدراكنا ذاتَنا، وتفكيرنا في العالم بتطوراته المختلفة، وأولويات العمل السياسي.

معضلة مفهوم الغرب، أو بناء مفهوم ما يُدعى الغرب أنّه كان "جزءًا لا يتجزأ من بناء العرب لصورتهم الذاتية"، على حد قول أحد الباحثين، وأضيف أنّ منهج النظر للغرب والهوس به – كما أشرت في مقال سابق على الجزيرة. نت– هو من الإشكاليات التي حكمت تفكيرنا في القرن العشرين، والأخطر أنَّ منهج النظر هذا لايزال ممتدًا حتى الآن، كما ظهر في مقالَي أستاذنا حسن أوريد اللذَين نشرهما تعليقًا على معركة "طوفان الأقصى".

عن أي غرب نتحدث؟

الغرب؛ مفهوم كُليٌّ شاملٌ لا تاريخيٌّ، يضم عناصر متباينة، وهذه سمة لصيقة بطريقة التفكير في القرن العشرين التي تقوم على الاستقطاب بين ثنائيات متعارضة، وهو أيضًا مفهوم اختزاليّ يستند إلى اليقين المعرفيّ؛ لأنه يرتبط بالأيديولوجيا: الشرق في مواجهة الغرب، والاتحاد السوفيتي أو الكتلة الشرقية في مواجهة الكتلة الغربية، والرأسمالية في مقابل الاشتراكية.

بالطبع يدرك الأستاذُ أوريد هذه الحقيقة، وهو المفكّر البارز؛ إذ يقول: "الغرب مفهومٌ حمَّال أوجه، يفيد الرقعة الجغرافية التي انتسجتْ فيها الحضارة الغربيّة، ويُحيل إلى القيم التي قامت عليها تلك الحضارة، ويعني كذلك السياسة التي تأخذُ بها دول الغرب، بل كان يفيدُ ..(الإنسان الأبيض…)، بَيدَ أنَّ مفهوم الغرب تطوَّر عبر الزمن، وتحدَّد من خلال (آخر). فقد كان يعني الأنوارَ والعقل، في القرن الثامنَ عشرَ ضدّ التقاليد، وما كان يُسمّى بالظلامية، وكان يعني (المهمة الحضاريّة) في القرن التاسعَ عشرَ، إبّان الحِقبة الاستعماريّة، وأضحى يعني (العالم الحر) ضد الفاشية والنازية، واقترن بالديمقراطيّة والسوق ضد الشيوعية، إلى أن أضحى هدفًا مطلقًا، وبروفة صالحة لكل زمان ومكان، بعد أن انتفى أي خَصم محتمل، حينما بلغ التاريخ منتهاه، حَسَب زعم فوكاياما."

ورغم وضوح التوصيف الذي يقدّمه السيد أوريد لمفهوم الغرب؛ فإنّه سرعان ما يتخلّى عنه في تأسيس موقفه السياسي والفكري من تطوّرات الحرب على غزة، إذ يظل يصدر عن المفهوم الكلي المصمت للغرب في جانبه السياسي فقط، كما تعبر عنه بعض الحكومات الغربية. يقول: "بدا جليًّا اصطفاف الغرب مع إسرائيل"، ويعلّق متأثرًا بالقصف الغادر على المستشفى المعمداني قائلًا: "ونعود مرة أخرى إلى نقطة الصفر، أي إلى الانشطار ما بين الغرب والعالم الإسلامي"، ويضيف: "اختارت إسرائيل في خطابها أن تستثيرَ الغرب وتحرّك هواجسه بمقارنة (طوفان الأقصى) بأحداث 11 سبتمبر". ومن التعابير التي تشيع في مقالَيه "الضمير العالمي الغربي".

وإذا تم تأسيس النظر للغرب باعتباره مفهومًا كليًا شاملًا؛ فلابدَّ أن ينتهي إلى نتيجتَين متلازمتَين: 

الأولى: أننا في طوفان الأقصى " على مشارف الحرب الحضارية الثانية" – كما عنون مقاله- بين الغرب والعالم الإسلامي، باعتبار أنَّ الحرب الأولى كانت إبّان حقبة سبتمبر (2001-2021). الثانية: فقدان الغرب بريقه؛ تأسيسًا على أن القيم السائدة الآن والتي يتم انتهاكُها من الغرب ذاته هي قيم غربية تحولت إلى عالمية، ويصبح المشكل عنده: "كيف نستطيع أن نُقنع الجيل الجديد بعالميّة القيم الغربية؟".

المشكل مع هذه الأفكار التي تحولت إلى مسلّمات هي أنها تعيد توصيف طبيعة القضية الفلسطينية، وترسم إدراكنا ذاتَنا، وطريقة نظرنا للعالم من حولنا، وقد تمتدّ لإعادة التفكير في كل شيء يحيط بنا، وهذا ما طالب به السيد أوريد: "نحن مطالبون بإعادة النظر في كل شيء؛ في الآخر، ودعوته (العالمية)، وفي أنفسنا، وفيمن يُعتبرون (ضمائر حية)، وهم كائنات مختبرية، في حقيقة الأمر".

أربع ملحوظات أساسيّة

  • أولًا: من الخطر إعادة مَوضَعة القضية الفلسطينية في الصراع الحضاري مع الغرب، أو على حدّ قول أستاذنا أوريد: "إذا كان الضمير العالمي الغربي يريد أن يضع حدًا لحرب حضارية ستكون منهكة، فبابُها القضية الفلسطينية وَفق الشرعية الدولية".

كانت الحرب على الإرهاب ما بعد سبتمبر ذات طبيعة سياسية تختبر فيها الأطراف المختلفة موازين القوى في ظل امتزاج شديد للمصالح السياسية والاستراتيجية بالمشاعر الدينية والقيم الثقافية، ولم تكن بأية حال حربًا حضارية. جرى توظيف الرطانات الثقافية لتحقيق أغراض سياسيّة بالأساس.

القضية الفلسطينيّة قضية شعب يبحث عن حقّه المشروع في تحرير أرضه من الاحتلال الصهيوني، والقضاء على الفصل العنصري، وإقامة دولته المستقلّة، وَفق الشرعية الدولية.

ما أخشاه أن يلتقي التوصيف الحضاري مع كثير من خطاب الحكومات الغربية، الذي جعلَ من الحرب في غزة قضية إنسانية تتعلّق بالمدنيين الفلسطينيين؛ وليست قضيةَ تحرُّرٍ وطني، وحقًا مشروعًا في المقاومة.

  • ثانيًا: بين القيم الغربية والقيم الإنسانية المشتركة: المشكل دائمًا في الحديث عن مسائل القيم أنَّه يتم مناقشتُها وهي مكتملة، وليس وَفق صيرورتها التاريخيّة.

مفاهيم حقوق الإنسان -على سبيل المثال- شهدت تطورات كثيرةً حتى انتهت إلى ما هي عليه الآن، وستشهد تطورات أخرى مثل ما يُثار الآن عن مسألة الخصوصيّة في مواجهة شركات التكنولوجيا الكبرى. ستلقي القواعد التي يجب أن تحكم الذكاء الصناعي بظلالِها على المفهوم أيضًا.

نحن إزاء مفاهيم وتعريفات للقيم تشهد تطورًا دائمًا.

صحيح أنّ الغرب- تاريخيًا- ساهمَ فيها بنصيب وافر، لكنّ أطرًا حضارية وتجارب سياسية أخرى شاركت في تطورها، بما يجعلها منجزًا إنسانيًا يجب أن يسعى الجميع للحفاظ عليه وتفعيله في الواقع لا التخلّي عنه. العهود الدولية المتعددة لحقوق الإنسان أثْرتها حركات التحرر الوطني في الستينيات من القرن الماضي، كما أغنتْها التجارب الشيوعية أيضًا.

استند تقييم السلوك الإسرائيليّ أساسًا إلى المرجعيات المختلفة التي نشأت على مدار عقود في تنظيم عمليَّات الحرب والقانون الدوليّ الإنساني …إلخ. وبرغم ما يبدو من وهْن وتراجع على المستوى الإلزامي لها في التنظيم الدولي المعاصر، فإنَّ التنازل عنها أو غيابها سيجعلُ البشرية في حالة فوضى، وقد يرجعنا إلى شريعة الغاب. لا مصلحةَ على الإطلاق في إهدار هذه القواعد وما استندت إليه من اتّفاقيات وآليات في التنظيم الدوليّ. إذ هي منجز إنساني ساهم فيه الجميع، ومن الضرر التخلّي عنه بأية حال.

  • ثالثًا: لم تعد المفاهيم الكلّية تصلح لفهم العالم المعقّد، وهي لم تعد قادرة على توصيف – ناهيك عن تفسير- مواقف الأطراف المختلفة. من سمات الواقع المعاصر تشظّي الاستقطابات لا ديمومتها واستمرارها كما كان سابقًا.

ضمَّت المظاهرات -التي هي من مكوّنات الغرب أيضًا- عناصر متعدَّدة: اليسار والنسويات والسود في أميركا، وأعضاء مجتمع "الميم"، بجوار العرب والمسلمين، كما تقدّمت حركات اليهود غير الصهيونية الصفوفَ في تحدٍ واضح للسرديات السائدة أو المفاهيم الكبرى.

في حراك آخر- كالحقّ في الإجهاض أو تعليم الجنس في المدارس- سنجد المسلمين بجوار المحافظين والبروتستانت الإنجيليين الذين يدعمون إسرائيل اليوم.

مفهوم الحضارة من المفاهيم التي لم تعد تصلح لتحليل واقعنا المعاصر. وحدات التحليل يجب أن تختلف، ولا تَنبني على قديم من قبيل الحضارة والدولة والغرب والشرق والمجتمع… إلخ. هذه تقسيمات العالم القديم، نحن بصدد قضايا مستجدّة وظواهر مختلفة تستدعي نماذجَ معرفية جديدة في ظلّ التشابك والتعقيد الذي يبدو عليه العالم المعاصر، وما تشهده المجتمعات من انقسام وتشرذم، وظواهر عابرة للدولة القومية المعاصرة، وفواعل فوق قومية وما دونها من غير الدول، وتطورات تكنولوجية تغير وجه العالم …إلخ.

على سبيل المثال، فإنّ مشكلة المساواة في الدخول والثروات والفرص هي مشكلة عالمية لا تخص نظامًا ولا دولة دون أخرى؛ بل هي لصيقة بالنيوليبرالية التي شاعت. أصبحَ الناسُ حساسّين للفجوة المتزايدة بين الرابحين والخاسرين في الاقتصاد المُعَولَم الذي خلق "لا مساواة" أو ظواهر مُعولَمة. قد يتعاون الناس حول هذه التداعيات بغض النظر عن انتمائهم الوطني، أو القومي، أو العِرقي، أو الحضاري، كما نشهد الآن في دعم الفلسطينيين.

التخلّي عن المفاهيم الكلية المصمتة التي حكمت تفكيرنا من شأنه أن يسمح بتعدد مستويات النظر، ورسم الخرائط التفصيلية، وإظهار المواقف المتعددة وحركيّتها الدائبة، بما يسمح ببناء الموقف الفكري والفعل السياسي. ودون ذلك، سنظل أسرى طريقة تفكير القرن العشرين المصمتة المعتمدة على الثنائيات المتصارعة.

  • رابعًا: التداعي الأكثر خطورة، لهذه السرديّة المهيمنة المعادية "للغرب باعتباره مفهومًا كليًا شاملًا"، هو أنّها تلقي بظلال الشكّ على قابلية تطبيق "القيم الغربية" التي تحوّلت إلى قيم إنسانية عامة – كما أشرت وأشار أيضًا السيد أوريد- على العرب من الأساس. إذا كانت مبادئ حقوق الإنسان -مثالًا- تعكس "الثقافة الغربية" وليست قيمًا إنسانية مشتركة ساهم فيها الجميع؛ إذن فمن المنطقي أن يحدد العرب حقوقهم بأنفسهم، بشكل يعكس ثقافتهم وقيمهم.

"الغرب" مفهوم مضلّل، ليس له وجود في الواقع المعاصر إلّا في ذهن بعض المثقفين الذين وّرثوه عن طريقة التفكير في القرن العشرين. ومشكلته الأساسية أنه يُوقعنا في فخّ تفكير "الأعداء" الذين أرادوا أن يعطوا عدوانَهم على البشر والمكان رسالةً حضاريةً ليست موجودة أساسًا.

في القديم استخدمنا حروبَ الفرنجة، ولم نستخدم الحروب الصليبية إلا في الزمن المعاصر، وفي اتّباع الأسلاف سُنّةٌ حسنةٌ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.