قصة "المُرتزِق" الإسباني في الجيش الإسرائيلي الذي خدع صحيفة كبرى!

الشاب الإسباني الذي قال إنه مرتزق بالجيش الإسرائيلي (صحف إسبانية)

 

تداولتْ وسائلُ إعلام عربيَّة ودوليّة، منذ أيام، خبرَ الإسبانيّ الذي يحارب في صفوف الجيش الإسرائيليّ، مقابل 3900 يورو أسبوعيًا، نقلًا عن حوار أجرته معه صحيفة "إلموندو" الإسبانية. وانتشر الخبر بشكل واسع، وفي نسخة فيديو قصير يُظهِر وجهَ المرتزِق الشاب وصورًا له من "قلب المعركة". ورغم أنّ المكافأة كانت لافتة للانتباه، فإنّه لا أحدَ شكّك في صحة المعلومة، باعتبار أنَّ الحوار صدر في صحيفة إسبانية ذائعة الصيت. لكن الحقيقة، كشفتها بعد ذلك، الصحيفة الرقْمية " إلكونفيدِنثيال"، والتي بمقتضى مصداقية ما جاء فيها، حذفت صحيفة "إلموندو" الخبر، مؤكدة ضمنيًّا، أنها وقعت في خداع "المرتزِق" المزيّف.

بعد انتشار الخبر في وسائل إعلام دولية مثل "الجزيرة" و"الإيرونيوز" و"مونتي كارلو" و"أر تي روسيا" و"الأناضول"، والقائمة تطول، قامت الصحيفة الرقْمية الإسبانية "إلكونفيدِنثيال"، بنشر مقال نهاية الأسبوع الماضي، أثبت بالحُجّة والدليل أنّ المرتزِق الإسبانيَّ- والمسمّى بيدرو دياث فلوريس- لم يلتحق يومًا بالجيش الإسرائيلي، ولا حتى بالأوكراني، وأنه قام بتزوير الصور المنشورة على حسابه في إنستغرام، على أساس أنّها من الجولان، وخدعَ بها الآلافَ من متابعيه وحتّى صحيفة " إلموندو" التي لم تتفطّن إلى أنّ الصور التي مدّها بها كانت مزوّرة. وتأكّد التكذيب الذي كشفته "إلكونفيدِنثيال"، بغلْق بيدرو فلوريس حساباته على شبكات التواصل الاجتماعي، وحذْف صحيفة "إلموندو" الحوارَ معه دون تقديم أي تفاصيل عن ذلك!!

لكن ما دوافع صحيفة "إلموندو" للاهتمام بهذا الشخص؟

ليست المرّة الأولى التي تخصّ فيها صحيفة " إلموندو"، الشابَ بيدرو فلوريس بمساحة في صفحاتِها، وذلك لارتباط اسمِه على شبكات التواصل الاجتماعيّ بأخبار "مثيرة"، على أساسِ كونه "متطوعًا" إسبانيًّا في الفيلق الدوليّ مع الجيش الأوكرانيّ السّنةَ الماضية. ومن بين الأخبار التي ساهمت في شُهرته، اتهامُ عناصر من القوات الروسية له بالتنكيل بجثث جنودِهم، ووعْدُهم بدفع 10 آلاف دولار لمن ينجح في القضاء عليه، حسَب مصادر نشرها هو. إضافة إلى رواج إشاعة موته في أوكرانيا، والتي كذّبها بنفسه عبر أوَّل حوار له مع الصحيفة بتاريخ 20 فبراير/ شباط الماضي.

بعد ذلك، عادت الصحيفة لتخصّ فلوريس بمساحة ثانية في 13 مايو/آيار، في مقال بعنوان: "الجندي الإسباني الميّت الذي هزم فاغنر في دنيبروبتروفسك"، أمّا المرة الثالثة، فقد كانت الحوار الشهير بتاريخ 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، والذي أعلنَ فيه عن التحاقه بالجيش الإسرائيلي، كمرتزِق أجنبي مع آخرين، وأنه يتلقَّى مقابل ذلك 3900 يورو أسبوعيًا، لمجرد القيام بمهمات ثانوية، بعيدًا عن جبهات القتال في غزة. لكن هذا الحوار مثّل نهاية أكاذيب فلوريس، التي عرّتها صحيفة "إل كونفيدِنثيال"، بناءً على تصريحات وزارة الدفاع الإسرائيلية ونظيرتها الإسبانية، اللتين قامتا بنفي وجود فلوريس على قائمة المحاربين، رغم وجود "متطوعين" إسبان وأجانب في صفوف الجيش الإسرائيلي.

الحوار قبل حذفه من موقع صحيفة إلموندو

مولع بالتزوير والكذب

تقول صحيفة "إلكونفيدِنثيال"- في مقالها الصادر بتاريخ 7 من الشهر الجاري-: إنَّ فلوريس البالغ 27 عامًا، أظهر وثائق خدمة مزيّفة لصحيفة "إلموندو" ومدّها بصور ومقاطع فيديو بعد مَنْتَجتها، وخدَعها حتى في آخر حوار له مع رئيسة تحريرها. كما كشفت "إلكونفيدِنثيال" أن فلوريس، يبدو شخصية مولعة بالتزوير والكذب، وأنَّ كل روايات الالتحاق بالجيش الأوكراني مقابل 3000 يورو، والجيش الإسرائيلي مقابل 3900 يورو أسبوعيًا، وقبلها في العراق، ليست سوى "أكاذيب"، اخترعَها بنفسه وأتقن إخراجَها، وربما دون أن يغادر إسبانيا، حيث لا أحدَ يعرفه في أوكرانيا ولا إسرائيل ولا العراق. وكل ما يربطه بالجيش هو تأديته الخدمةَ العسكريةَ الإسبانية في 2015.

الطريفُ في الأمر أنَّ صحيفة "إلكونفيدِنثيال"، قالت: إنها تواصلت سابقًا مع فلوريس عدَّة مرات لمحاورته، لكنه تعلّل بالأسباب الأمنية عندما كان في أوكرانيا، حسَب مزاعمه. ولم يكتفِ هذه المرّة بالتهرّب من اللقاء في إسرائيل، بل أغلق هاتفه، وانقطع تمامًا عن التواصل. لذلك، نشرت الصحيفة خبر تكذيب وجوده أصلًا في إسرائيل، مضمنةَ المقال مجموعةَ الصور الأصلية لما كان فلوريس ينشره، من مواقع إسرائيلية، آخرها من موقع "والا" الذي كشف كيف غيَّر فلوريس وجهَ أحد الموجودين في صورة جماعية بوجهه، على أساس أنه "جندي" أجنبي. إضافة إلى ذلك، ذكرت صحيفة " إلكونفيدِنثيال"، أن أداء فلوريس في حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي يتّسم بالاضطراب والغرابة، فهو دائم المسح لصوره في "مناطق النزاعات"، وحريص على مسح محادثات الواتساب.

أمّا عن شخصية فلوريس، فقد عُرف عنه في السابق أنه كان ممثل أفلام إباحية، وحافظ إلى وقت قريب على اسم شهرته في ذلك المجال، على حسابه على إنستغرام. ويتباهى في صوره بوشومه الغريبة، إضافةً إلى إظهار إعجابه بحزب "فوكس" اليميني المتطرف بإسبانيا. وهي معطيات، كان من المفروض أن تتوجّس منها صحيفة "إلموندو" التي وقعت في فخّ خداعه، وأصبحت محلّ سخرية لدى القرّاء.

المرتزقة الإسبان في الجيش الإسرائيلي

على صعيد آخر، وبخصوص الأخبار المتعلقة بوجود مرتزِقة إسبان مع الجيش الإسرائيلي، فيمكن القول- استنادًا إلى مقال صادر بصحيفة "إلديباتي" التابعة للرابطة المسيحية للدعاة، بتاريخ 8 من الشهر الجاري-: إن الإسبان والناطقين بالإسبانية من بعض بلدان أميركا اللاتينية، المتطوعين لدعم الجيش الإسرائيلي، يذهبون عادة في إطار ما يعرف ببرنامج "سار إل" التابع لوزارة الدفاع الإسرائيلية، والذي يسمح لـ5000 متطوع سنويًا من بلدان مختلفة من الالتحاق بصفوف جيشها. ويوجد البرنامج في 30 دولة في العالم، ولا يضع أيَّ شروط أمام المتطوعين الراغبين في دعم الجيش الإسرائيلي سوى أن يكونوا قد بلغوا 17 سنة. وقد دأب فرع إسبانيا- الذي تأسَّس في 2019- على إرسال فوجَين في السنة، لكن الظروف الحالية، اضطرت البرنامج لفتح الباب أمام أعداد أكثر، ودون انتظار المواعيد الدورية. ومن الواضح أنَّ الجيش الإسرائيلي استنجد بالمتطوعين، لتعويض النقص الحاصل في جنود الاحتياط. علمًا أن مهامهم تقتصر على القيام بالخِدمات اللوجستية أو الصيانة أو المطاعم أو الخِدمات الطبية؛ لأنَّهم رغم ارتدائهم الزيَّ العسكري، فإنَّهم غير مسلحين.

قد تلجأ الحكومة الإسرائيليَّة إلى دفع مكافآت لبعض الأجانب المُلتحقين بجيشها في هذه الأزمات غير المسبوقة، لكن أن تصل المكافآت إلى 3900 يورو أسبوعيًا، فهذا خبر يصعب تصديقُه، والعالم مليء بالدمويّين العاشقين للجريمة والتنكيل بالأبرياء، دون مقابل، فقط للاستمتاع بالتقتيل

نتنياهو في لقاء مع جيشه المثلم.. هل لإخفاء وجوه المرتزقة؟ (رويترز)

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرحب بجندي أثناء زيارته لقاعدة عسكرية إسرائيلية في تسيليم (رويترز)

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.