حرب غزّة .. بريطانيا.. الولايات المتحدة.. استدعاء التاريخ

ولا يزال العدوان الإسرائيلي مستمراً (وكالات)

إنَّ أكثرَ ما أثارتْه حربُ غزَّة في المِنطقة العربيَّة والعالم الإسلاميّ، هو استدعاء التَّاريخ المرير لأوروبا والولايات المتحدة في مساندة إسرائيل على الصّعد كافةً، فصارَ الشبابُ العربيّ يقوم بتنزيلات- متصاعدة عدديًا- لكلّ الكتب التي تتناول القضيّة الفلسطينية رقميًا من شبكة الإنترنت، لنرى حضورًا للشباب من سنّ 15 إلى 40 عامًا في عددٍ كبير من المواقع التي تتيح مصادرَ مفتوحة، فكأنّ الحرب في غزّة أعادت القضيّة الفلسطينية ومأساة فلسطين مرّة أخرى للعقليّة العربية، هذه المرّة لدى أجيال جديدة صارت لديها وجهات نظر تتكوّن بعيدًا عن ضغوط وآراء الدول العربية الرسمية، ليصبح السؤال الآن: كيف ستواجه إسرائيل هذه الأجيال؟، خاصةً الصغيرة منها، والتي تؤلمها مشاهد الأطفال الشهداء؛ نتيجة القصف الجوي الإسرائيلي، ولتصبح أوروبا والولايات المتحدة الأميركية دولًا معادية لحقّ الفلسطينيّ أن يعيش في أمان.

لحظة تاريخية

هنا لا بدّ أن نؤكد أننا أمام لحظة تاريخيّة تعيد تشكيل المشهد ليس عربيًا فحسب بل دوليًا أيضًا، فالعالم قبل الحرب الأوكرانية- الروسيّة غير العالم الذي سيكون بعد هذه الحرب، كما أنّ العالم بعد حرب غزّة سيكون مختلفًا عن العالم بعد هذه الحرب أيضًا، فهناك عالم جديد سيجري تشكيلُه بعد هاتَين الحربَين، لذا إذا لم يكن هناك استثمار لهاتَين الحربَين عربيًا، فسيكون الحضور العربي دوليًا باهتًا، ولعلَّ هذا الحضور الباهت هو ذاته الذي قادَ لقيام إسرائيل بدعم غربيّ، لكن من المهم أن ندرك أنّ الوعي العربي اختلفَ كليًا، فعلى الصعيد الشعبيّ هناك تباينات في الآراء، لكنّها كلها خلفَ فلسطين، ومن المدهش أنّ التساؤلات على شبكة الإنترنت عربيًا تبعث الآن على الدهشة، فالشباب يبحثُ عن فلسطين من البحرالمتوسط لنهر الأردن والبحر الميت، فلم يعد البحث قائمًا على الضفة الغربية وغزة، ولكن عن فلسطين التاريخية والنكبة التي حلَّت بها عام 1948 م، لذا يبقى التساؤل أمام إسرائيل نفسها: كيف ستمضي جهود التطبيع مستقبلًا، في ظلّ البحث المتصاعد عن عكّا العربية التي هزمت نابليون بونابرت، وعكّا التي خرج منها الصليبيون مهزومين على يد السلطان المملوكيّ الأشرف خليل بن قلاوون، والبحث عن يافا وحيفا وعسقلان في المصادر التاريخيّة العربية قبل إسرائيل؟، فورود عسقلان في نشرات الأخبار قاد إلى البحث عن تاريخِها، ولا يمكن إلا أن ترتبط ذهنيًا على الفور مع أكثر الكتب التي يجري التفاعل معها على شبكة الإنترنت (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) لابن حجر العسقلانيّ، إذْ عسقلان أرض عربية تاريخيًا ينتسب لها العديد من الشخصيات العربية، هنا يصبح البحث أكثر عمقًا حول كيف قامت إسرائيل على أرض مغتصبة هي فلسطين.

إنّ تجهيل القضية الفلسطينية وتاريخ اغتصاب فلسطين وتهجير أهلها، يمثّل ذلك ثغرة لدى الأجيال العربية، لذا فإنّ استدعاء التاريخ يصبح أمرًا حتميًا، خاصة أنّ العديد من المؤرّخين العرب- للأسف الشديد في السنوات الأخيرة- لم يقدّموا الجديد حول تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي، بل تمّ إسقاط العديد من مراحل هذا الصراع من الذاكرة العربيّة .

مؤتمر سري

إنّ هناك العديد من المواقف البريطانية التي أحدثت تحولًا في توطين اليهود في فلسطين، ففي عام 1905 بدأ مؤتمر سرّي بدعوة من حزب المحافظين، واشترك فيه علماء تاريخ وجغرافيا واقتصاد لمناقشة مستقبل بريطانيا في الشرق الأوسط كموضوع رئيسيّ، وقد انتهى إلى توصيات رُفعت لرئيس وزراء بريطانيا كامبل بنرمان، جاء فيها: إن إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا مع العالم القديم ويربطهما بالبحر المتوسط- بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوّة لشعوب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها- أمرٌ حيويٌّ، لذا يجب التنفيذ العمليّ العاجل بالوسائل والسبل المقترحة.. توافق هذا مع هجرة مائة ألف يهوديّ إلى فلسطين تدفّقوا منذ عام 1902 ومثّلوا عمالة رخيصة عن العمالة البريطانيّة، وأصبحوا تهديدًا لمصالح آلاف المواطنين البريطانيين، وتسببوا بأزمة بطالة حادّة بينهم، كما بات تهجير اليهود من بريطانيا أمرًا ملحًا توافق مع الاقتراح السّابق، واستقرَّ الرأي حينها على توطينهم في شبه جزيرة سيناء، وبالفعل تمّ تشكيل لجنة من مجموعة من اليهود الخبراء في مجالات عديدة وسُهّلت لها مهمتها في سيناء، وانتهت إلى صلاحيّة سيناء لإنشاء مستعمرات، على أن تمنح الحكومة المصرية الدكتور هيرتزل أو الشركة التي يؤسّسها حقَّ استغلال الأرض الكائنة شرق قناة السويس، وذلك لمدة 99 سنة، وتمّ عرض الأمر على نظارة الخارجيّة المصرية بتوصية من اللورد كرومر، وهنا يكتب بطرس باشا غالي ردًا على هذا المقترح بتاريخ 22 فبراير 1903 جاء فيه : ( إنّ حكومة حضرة صاحب السموّ الخديوي أخذت علمًا باقتراحاتكم بشأن الحصول على امتياز لإنشاء شركة تقوم باستيطان اليهود في شبه جزيرة سيناء، إلّا أنّ الحكومة المصرية لا تستطيع وَفقًا للفرمانات السامية لأي سبب أو مبرّر التنازل عن أي جزء أو كل من الحقوق المتعلّقة بالسيادة، ولذا فإنه يجب أن تستبعد بصفة قاطعة كلّ فكرة ترمي إلى الحصول على اتّفاقات من هذا النوع ).

وفي ضوء الضّغوط المتعددة، أرسل بطرس باشا غالي في 11 مايو 1903 م إلى أحد أعضاء اللجنة المدعوة إلى سيناء، وهو الكولونيل جولد سميث، تقريرًا يقول في نهايته: ( إنّ الحكومة المصرية تكون مخطئة إذا ما أظهرت أيَّ تشجيع على مشروع من هذا القبيل، ولتلك الأسباب نأسف لعدم استطاعة الحكومة المصرية الردَّ بالإيجاب على اقتراحاتكم التي تعتبر مرفوضة).

العراق

توجّهت أنظار اليهود إلى العراق كوطن بديل، وكان نفوذهم في حزب الاتحاد والترقي كبيرًا، فعبر يهود تركيا طُرِحَ العراق كأفضل أرض لليهود وتكوين دولة ذات حكم ذاتي، بل وضعوا تصوّرات لذلك، لكن هذا المشروع لم يلقَ قبولًا من الحركة الصهيونيّة والمتشدّدين اليهود الذين كانوا يفضّلون فلسطين.

الولايات المتحدة

كانَ حضور الولايات المتّحدة الأميركية مبكّرًا في المشروع الصهيونيّ، عكس ما يُشاع من أنَّ دورَها بدأ بعد الحرب العالميّة الثانية لملء الفراغ الذي نتج عن ضعف بريطانيا، فقد شكّل الكونجرس لجنةَ خبراء في عام 1918، رفعت تقريرًا للرئيس ويلسون جاءَ فيه:

إنشاء دولة منفصلة في فلسطينَ، ووضع هذه الدولة تحت إشراف بريطانيا العظمى كدولة منتدبة عن عصبة الأمم.

توجيه الدعوة لليهود للعودة لفلسطين، مع تأكيد تقديم جميع المساعدات اللازمة.

التأكيد أن سياسة عصبة الأمم تقوم على الاعتراف بفلسطين كدولة يهوديّة بالفعل.

عادَ الكونجرس الأميركي في 30 يونيو 1922 ليقرّر بالإجماع أنَّ الولايات المتحدة الأميركية، تحبّذ إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، منطلقًا من أن اضطهاد اليهود المجرّد من الرحمة في أوروبا قد بيّن الحاجة إلى وطن لهم يتخذ كملجأ للأعداد الكبيرة من اليهود الذين أصبحوا بلا وطن نتيجة لهذا الاضطهاد،

وفي 19 ديسمبر 1945 م وحيث إنّ هذه المأساة قد أيّدها طلب الرئيس بالسماح حالًا لمائة ألف يهود إضافي بالدخول إلى فلسطين، فكان هذا أكبر دعم قدمته الولايات المتحدة في هذا الوقت.

إنّ أكبر دعم قدّمته بريطانيا في فلسطين ليس وعد بلفور؛ لأنّه مجرّد وعد، ولكن مرسوم دستور فلسطين الذي أصدرَه ملك بريطانيا في 14 أغسطس 1922 في قصر باكنجهام والذي تضمّن ما يلي:

يناط بالمندوب السامي جميع الحقوق في الأراضي العمومية أو الحقوق المتعلّقة بها، وله أن يمارس تلك الحقوق بصفة كونه أمينًا على حكومة فلسطين.

للمندوب السامي أن يهب أو يؤجر أية أرض من الأراضي.. وله أن يأذن بإشغال هذه الأرض بصفة مؤقتة وبالشروط والمدد التي يراها ملائمة.

هذا الدستور منحت به بريطانيا أراضي في فلسطين، وهذا ما يدعو إلى القول إن ما مُنح من هذه الأراضي من قِبل سلطة الاحتلال البريطانيّ لا سند له قانونًا، كما أن الفلسطينيين لم يسلّموا أراضيهم لليهود، كما شاع كذبًا.

إنّ أوروبا- التي مرّ عقود على مساندتها إسرائيل- لابدّ أن تدرك أنّ مواقفها عبر القرن العشرين والقرن الحالي لم تجلب لها سوى العداء من جنوب المتوسط أقرب جار لها.

ولكن هل نمت حدّة هذا العداء في ظلّ الحرب الحالية في غزّة ضد أوروبا؟

إنّ البحث على الإنترنت في مصر وسوريا ولبنان وليبيا والجزائر والمغرب، دار حول تساؤلات عن أسباب المواقف الأوروبية الداعمة إسرائيل، وذهب الشباب في هذه الدول إلى جذور مساندة أوروبا إسرائيل، فكأن المواقف المتصّلبة الأوروبية لمساندة إسرائيل تستدعي روحًا غير صديقة لأوروبا، وهذا ما يستدعي من أوروبا مراجعة مواقفها بل التفكير بعمقٍ في العلاقات مع الشعوب العربية مستقبلًا، وكيف ستصبح في ظل هذه المواقف الأوروبيّة؟.

خطاب بطرس باشا غالي برفض الاستيطان الإسرائيلي في عام 1903

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.