اعتذار لوائل الدحدوح.. الأثمان المدفوعة كثيرة ومؤلمة

مراسم تشييع عائلة الزميل وائل الدحدوح (الأناضول)

لن تجديَ كلّ عبارات العزاء مهما احتشدت الكلماتُ، نحو أذنَيه، ولن تكفي كل معاني المواساة مهما انتظمت الجُمل باتجاه مسامعه، ولن تبْرُدَ نيران قلبه مهما زحفَ الشتاء ببرده نحو شوارع غزّة، وما بقي من دُورها ورُكامها ومشافيها الموقوفة.

إليه نقدم اعتذارًا، وأسفًا وقد دفع ثمنًا نيابةً عنّا نحن معشر الصحفيين خارج غزّة، ونحن نكتفي بالتنقل عبر الشاشات بضغطة على زر صغير لا نعي بها حجم المعاناة الكبيرة وراء كل لقطة، وكل مقابلة، وكل تغطية حيّة لمشاهد الدم، ورائحة الموت، والخراب، اعتذارًا لا تتّسع له الكلمات من عمق العجز، الذي يتلبّسنا ونحن نكتفي بالأسى والضغط على الشفاه والعَبْرات المارقة.

الأصعب

نعَى الصحفي وائل الدحدوح لنا عبر شاشة قناة الجزيرة من غزّة آلافَ الشهداء، لكنّ نعيه الأصعب كان لزوجته وابنه وابنته وحفيده، وبعض أقاربه، وكانت دموعه المكتومة حاضرةً بما يفوق المنهمر منها والساخن، وهو يتلقَّى خبر استشهاد زوجته آمنة (أم حمزة)، وابنه الشاب محمود (16 عامًا)، وابنته الصبية شام التي لم تكمل عامها السادس، وكذلك حفيده الرّضيع آدم الذي قدِم إلى الدنيا قبل 45 يومًا فقط، أي قبل الحرب بأقلَّ من شهر.

إلى زوجتك وأولادك نقدم اعتذارًا من مهنة أخذتك منهم طويلًا، ولم تتحْ لك فرصة لجلسات السمر العائلي، ولا متابعة الدروس المتقطّعة- بسبب الحصار والقصف عبر سنوات- مع أطفالك، ولا حتى فرصة لوداع يليق أو جنازة مهيبة حينما، حلّ الأجل جماعيًا في الأرض الأكثر معاناة في هذا العالم.

"معلش"

لم يفقد الصحفيّ وائل الدحدوح زوجتَه وأولاده في حادث سير نتج عن تصادم سيارتَين على طريق سريع أو بطيء، ولم يفقدهم في وباء قاتل، أو جائحة مميتة، ولكنه فقدهم منتصبَ القامة في ميادين عزّة وشرف وصمود ونضال في حرب إبادة شرسة نتجت عن صراع وطنٍ يقاوم ببسالة ضد محتلٍ عنصري غاصب لا يرى سوى أطماعه في التوسع والاستعمار، ونهب كل أرض تتراءى أمامه، وكانت هذه عقيدة نشأته غصبًا عام 1948 على أرض شعب تجذّر فيها قبل آلاف السنين، وتم تهجيره بادعاءات كاذبة عن الحقوق التاريخية.

"بينتقموا منا في الولاد.. معلش.. إنا لله وإنا إليه راجعون"، يقولها الدحدوح بإيمان واحتساب، جاثيًا على ركبتَيه أمام جثمان ابنه الشاب، وكأنه هو الذي يواسينا، وكأنه هو الذي يعزّينا. وبفقْد سيطول إلى ما شاءت السماء يلمس وائل صدر ابنه الشهيد وهو مسجّى أمامه، ويضغط برفق على جلده الدامي جراء القصف والاستهداف، وكأنه يهدهد وجعه الذي سكت ويستحثّ شهيقه الذي صمت للأبد.

لن نحيد

وبتماسك نادر وثبات يثيران الإعجاب تحدّث الدحدوح لقناة الجزيرة التي يعمل بها منذ عام 2004: "المصيبة كبيرة حقيقة خصوصًا أنها بحقّ أطفال ونساء، لا أكثر ولا أقل.. نحن في نهاية المطاف في هذه الأرض، هذا هو قدرنا، وهذا هو خيارنا، وهذا هو صبرنا، ولن نحيد عن هذه الطريق. "

قبل أسبوعَين من قيام حركة المقاومة الإسلامية "حماس" باجتياز السياج الحدودي بين قطاع غزة والكيان الصهيوني ومهاجمة قوات الاحتلال الإسرائيلي وعدد من المستعمرات فيما عرف بعملية "طوفان الأقصى"، وصل وائل الدحدوح إلى مطار القاهرة، عائدًا من رحلة علاج طويلة، اضطر إليها بعد أداء فريضة الحج، التي أنهاها مع زوجته، ثم بحثا بين مشافي الخارج عن علاج افتقداه في القطاع الذي يعاني تدهور الخدمات الصحية منذ سنوات بفعل الحصار ونقص الكوادر الطبية والأطقم المدربة.

الرحلة الأخيرة

كان الحجّ والعلاج رحلةَ وائل الدحدوح الأخيرة بصحبة زوجته التي استشهدت (الأربعاء) في قصف وحشي لمنزله بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.

لأسباب إجرائية لم يتمكن وائل من مغادرة مطار القاهرة الدولي لقضاء عدة أيام في القاهرة، قبل العودة لغزة المحاصرة، بسبب عدم وجود تنسيق أمني مسبق خاصة للصحفيين، بينما سُمح لزوجته بالدخول عند أقارب لهما في المحروسة.

وبينما استمرَّت الاتصالات بين غزة والقاهرة من الصديق وليد اللوح مدير مركز المراسلين بهيئة الاستعلامات الفلسطينية، مع نقابة الصحفيين المصريين في محاولة للحصول على تصريح استثنائي لدخول الدحدوح، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، وتحطّمت على صخرة بيروقراطية تقليدية لا تعرف الفرق بين الصحافة والسياحة.

بعد يومٍ مرهق من الاتصالات والمحاولات، تقرَّر أن يغادر وائل من مطار القاهرة إلى معبر رفح مباشرة، في صباح اليوم التالي، وكان أن لحقت به زوجته ليغادرا معًا إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، بعد أن رفضت قضاء عدة أيام وحدها بدون زوجها في القاهرة. وأجدني الآن معتذرًا بكل خجل لوائل لأنَّ أيامًا في القاهرة مع زوجته الشهيدة كانت ستكون مساحة رائعة في دولاب الذكرى حرمناه منها بعجزنا المقيم.

الكل يدفع الثمن

دفع وائل الدحدوح من عمره 7 سنوات، في مستهلّ شبابه، قضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي بتهمة المشاركة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة 1987 والتي عرفت بانتفاضة الحجارة، كما دفع ثمنًا في مهنته؛ وجعًا مديدًا بعد أن صار شاهدًا على الآلاف من جرائم الاحتلال، يواري مشاعره الحزينة وغضبه لينقل لنا آناء الليل وأطراف النهار، وحشية العدو وقسوته، واستهدافه البشرَ والحجر، وإبادته كلَيهما.

لم يدفع وائل الدحدوح وحده الثمن، وإنما دفعت عائلته وأسرته وأطفاله أعمارهم أيضًا، تحت قصف مجنون يعتبر كل فلسطيني هدفًا مشروعًا.

أكثر من 7 آلاف شهيد ومازال 1500 تحت الأنقاض ونحو 20 ألف مصاب، وهدم آلاف المنازل والمحال، والمنشآت، والمدارس، والمساجد، والكنائس، والمستشفيات، والضحايا معظمهم من الأطفال والنساء يذوقون حُمم القنابل والصواريخ الأمريكية التي تستخدمها حليفتها "إسرائيل" بدم بارد لإبادة الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته.

يدفع وائل الدحدوح ثمن الاحتلال مرتَين: الأولى كمواطن فلسطيني، يناله ما فُرض على شعبه من اضطهاد وتعسف وقسوة ظروف الحياة تحت الحصار والاحتلال. والثانية كصحفيّ قدره أن ينقل الحقيقة حتى لو كانت قاسيةً، وأن يبثّ لنا الأخبار على مدار الساعة حتى لو كان بينها خبر فاجع عن استهداف منزله واستشهاد زوجته وأطفاله.

يدفع وائل الدحدوح ثمنًا بسبب هُويته ومهنته، ويدفع الشعب الفلسطيني كله- بصمود يثير الحزن والإعجاب معًا- أثمانًا متعددة لأوضاع فُرضت عليه، بينما يتململ العالم من مشاهد الدم والخراب- لكنهم وهم يستحقون اعتذار العالم كله- فالحقيقة الجلية أن الأثمان المدفوعة من الأرواح والممتلكات والفزع الذي يحيط الأطفال والنساء والعجائز، ليست فقط كثيرة وليست فقط أكثر من مؤلمة، ولكنها في الحقيقة أثمان عصيّة على الوصف وعصية على العدّ، مهما قدّمنا ومعنا العالم من اعتذاراتٍ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.