حرب الرواية.. كيف كذبت إسرائيل بشأن الأطفال ومستشفى المعمداني؟

Israeli airstrikes on Gaza
بالرغم من بيان كذب ادعاء قطع رؤوس الأطفال، وعدم وجود أي دليل عليه إلا أنَّ المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين يصرون عليه (غيتي)

بالتزامنِ مع الحرب العنيفة الدّائرة على الأرض على مختلِف الجبهات في الأراضي الفلسطينيّة، فإن حربًا أخرى لا تقلّ شدةً تجري في مكان مختلف تمامًا، حيث تسْتعر حرب شديدة بين آلافِ البشر حول بناء الرواية والسرديّة الأكثر مصداقية لكسب العالم، وميدان هذه المعركة بات يتجاوز وسائل الإعلام المرئيّة والمقروءة إلى وسائلِ التواصل الاجتماعيّ التي تمثلّ الآن مصدرًا في غاية الأهميّة لتناقُل الأخبار والروايات، بل والمواقف السياسيّة، والتأثير على الرأي العام المجتمعي، بكلّ ما لذلك من أثرٍ واضح على الأرض.

حرب الرواية في القضية الفلسطينية ليست حديثة، فقد امتدّت على مدار أكثر من مائة عام، منذ أن طرحت الحركةُ الصهيونية فكرةَ الوطن القومي، ونفت وجود الشعب الفلسطيني وحقّه في أرضه، مرورًا بنفي المجازر التي ترافقت مع النكبة، والترويج بدلًا منها لسرديّة بيع الفلسطينيين أرضَهم، وهي الرواية التي ما زال الفلسطينيون يعانون من آثار نشرِها حتى اليوم، بالرغم من تفنيدها مرّات عديدة في بحوث علميةٍ رصينة منشورة. إذ باتت هذه الكذبة سلاحًا يوجّه في وجه الشعب الفلسطيني، لا سيّما خلال عمليات الترويج لاتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيلَ.

الخطوة التالية في حرب الرواية بعد النجاح في "دعشنة" الفلسطيني، كانت تتمثل في نشر أية أخبار أو مبالغات كاذبة للترويج لرواية الدعشنة، وجعلها من المسلَّمات

على أنَّ معركة (طوفان الأقصى) التي انطلقت يوم السابع من أكتوبر الجاري، اكتسبت أهميةً خاصةً في حرب الرواية والسردية بين مؤيّدي إسرائيل من ناحية، ومؤيّدي القضية الفلسطينية من ناحية أخرى. وترجع أهمية معركة السردية هذه المرةَ إلى أنّ شدة الضربة التي تلقّتها إسرائيل في السابع من أكتوبر، جعلتها مضطرةً أمام شعبها على الأقلّ للردّ بمستوى قسوة تلك الضربة القاصمة. وبالنظر إلى طبيعة التّشابك الشديد بين المناطق المدنية وما تعتبره إسرائيل أهدافًا عسكرية تابعةً للمقاومة في غزة، فإنَّ ذلك يعني أن ردًا إسرائيليًا عنيفًا لا يمكن تحقيقه إلا إذا ارتكبت حكومة نتنياهو جرائم حرب حقيقية في أراضي قطاع غزّة. وذلك يستدعي بالضرورة حشد الرأي العام العالمي خلف إسرائيل، وعدم السماح بأي تعاطف مع الجانب الفلسطيني، بما قد يؤثر على العمليات العسكرية الإسرائيلية، ويفشلها بسبب الضغط العالمي.

تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ إسرائيل نجحت في الأيام الأولى من الحرب عبر آلتها الإعلامية الضخمة التي تمتلكها بشكل مباشر أو تؤثر عليها بشكل غير مباشر -ولا سيما في الولايات المتحدة- في تأليب الرأي العام العالمي على القضية الفلسطينية ككلٍ، ونجحت في كسب التعاطف الشعبي العالمي عبر عدّة استراتيجيات سنأتي عليها بعد قليل. وهو ما قابلته المقاومة الفلسطينية وداعمو القضية الفلسطينية بحربٍ إعلاميةٍ وشعبيةٍ مماثلةٍ تجاوزت التوقّعات الإسرائيلية، كما يبدو، وهو ما بات يؤدي حاليًا – حتى لحظة كتابة هذا المقال – إلى تراجع السرديّة الإسرائيلية لصالح الفلسطينيّة لدى الرأي العام العالمي.

إنَّ الاحتلال الإسرائيلي يستعمل عدّة أدوات في حرب الرواية التي يقوم بها خلال هذه الحرب، ولعلّ عملية الشيطنة هي أوَّل وأبرز هذه الأدوات. وذلك عبر التركيز الإسرائيلي الشديد إعلاميًا، وفي مختلف خطابات الساسة الإسرائيليين وحلفائهم، على رسم صورةٍ غير بشرية للفلسطينيين، ولا سيّما الذين نفّذوا عملية (طوفان الأقصى)، من خلال ربط اسم حركة حماس بتنظيم داعش. والمفارقة في هذا الأمر أنّ تنظيم داعش نفسه كان يكفِّر حركةَ حماس، وسبق له أن اصطدم بها عسكريًا في غزّة حين حاول تأسيس بنية له هناك، وكانت النتيجة القضاء عليه.

وكان من أهمّ نتائج عملية "الدعشنة" لكل ما هو فلسطيني -في بداية الأحداث- وصمَ كل ما له علاقة بفلسطين بالإرهاب والداعشية، حتى لو كان العلم الفلسطيني والكوفية التقليدية الفلسطينية التي ظهرت بعض الفيديوهات والصور لمنعها واعتقال مرتديها في بريطانيا على سبيل المثال.

والخطوة التالية في حرب الرواية هنا، بعد النجاح في "دعشنة" الفلسطيني، تتمثل في نشر أية أخبار أو مبالغات كاذبة للترويج لرواية الدعشنة، وجعلها من المسلَّمات. ولعلَّ المثال الأبرز لهذه الخطوة في هذه الحرب، هي الكذبة الشهيرة حول قطع رؤوس أربعين رضيعًا إسرائيليًا، وهذه الكذبة خطوةٌ في غاية الأهمية تهدفُ فعليًا لتبرير أي عمل إسرائيلي ينتج عنه قتلُ أطفال فلسطينيين. هذه الكذبة التي أطلقتها صحفية إسرائيلية على قناة (i24) الإسرائيلية الناطقة بالإنجليزية لم تعتمد على الصورة بقدر ما اعتمدت على هدرجة الصوت أثناء الكلام بشكل يشير إلى الصدمة، وبحيث توحي للسامع أن الصحفية صادقة في زعمها، دون الحاجة لعرض صور، وهذا ما جعل هذه الكذبة تطير في كل مكان، وتنتشر كالنار بين الصحفيين والإعلاميين والسياسيين، بل يردّدها حتّى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن يتبيّن كذبها لاحقًا.

والخطوة التالية بعد الشيطنة وإبراز كذبة كُبرى في الإعلام وجعلها محور الحديث، تتمثل في ضرورة الهجوم على أي شخص عقلاني يحاول التساؤل حول مدى مصداقية أية ادّعاءات أو مبالغات، وذلك بمواجهة أي شخص يتساءل مجرد تساؤل عن صحّة الادعاءات، واتهامه بتمجيد حماس أو الانتماء إليها مع الأخذ بالاعتبار أن حماس في هذه الرواية أصبحت تساوي داعش! وهو ما يهدف لترهيب الجمهور فعليًا، ومنعه من مجرد التفكير في إمكانية كون هذه الادعاءات مكذوبة، وذلك أسلوب معروف يسعى لإرباك الخَصم ومنعه من تكذيب الرواية حتى تنتشرَ بأكبر قدر ممكن قبل أن يتبين كذبها.

وآخر هذه الأدوات هو تَكرار كل كذبة مرات ومرات في كل فرصة حتى لو تبين كذبها، فالمقولة الشهيرة لبوق الإعلام النازي جوزيف غوبلز: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، هي بالضبط التكتيك الذي اتبعته السرديّة الإسرائيلية للأحداث، فبالرغم من بيان كذب ادعاء قطع رؤوس الأطفال، وعدم وجود أي دليل على حدوث اغتصاب، أو إحراق أطفال، أو غير ذلك، إلا أنَّ المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين على حدّ سواء يصرّون على تَكرار الحديث في هذا السياق مرات ومرات، حتى لو لفت أحد انتباههم لبطلان هذه الادعاءات، وهذه الاستراتيجية يُقصَد منها تصديق الجمهور للقصّة تحت شعار: "لا دُخَان دون نار".

على الجانب الآخر، فإنّ الناشطين المناصرين للقضية الفلسطينية يديرون المعركة بمهارةٍ حقيقية، ويُحسَبُ لهم في هذا المجال صمودهم في هذه المعركة العنيفة بما لا يقلّ عن الصمود الشعبي في غزّة. وفي هذا السياق، فإنَّ إدارةَ معركة الرواية لدى الجانب الفلسطينيّ تتضمّن استراتيجيَّة الاندفاع نحو الهجوم على الرواية الإسرائيليَّة الكاذبة بدلًا من الانجرارِ وراءَها واللجوء إلى التّخندق والاكتفاء بنفي الاتّهامات التي تفرضها السرديّة الإسرائيليّة. ومن خلال آلاف الصور والفيديوهات الإنسانيّة التي تبيّن يوميًا حجم الكارثة الإنسانية التي تجري بيد الاحتلال، يتّبع الناشطون الفلسطينيون استراتيجية التركيز على الجانب الإنساني في مأساة غزّة باستمرار، وتكثيف استعمال ألفاظٍ تصيب السردية الإسرائيلية في مقتل، وعلى رأسها: "التطهير العِرقي"، و"الإبادة الجماعية"، باعتبارهما الوصفَين الأنسب لما يجري في غزّة.

كذلك من المهمّ الإشارة، في هذا السياق، إلى استدعاء سردية الفصل العنصري، وبيان العنصرية الإسرائيلية في التعامل مع الفلسطينيّ، بما يقوي الرواية الفلسطينية حول جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في غزّة. وللحق فإنّ سياسيي الاحتلال وإعلامييه ومناصريه سهَّلوا للفلسطينيين ومؤيّديهم هذا الأمر كثيرًا، حين كشفوا عن وجهٍ مُتعالٍ قبيحٍ لا يرى في الفلسطينيين المدنيين أكثرَ من "حيوانات بشرية كحال وزير الدفاع الإسرائيلي، أو يرى في المسألة حربًا دينيةً كالسيناتور الأمريكي ليندزي غراهام. ويضاف إلى ذلك ملاحظة سرعة تجاوب مناصري القضية الفلسطينية لبيان كذب أي روايةٍ جديدةٍ تحاول الدفاع عن وجْه إسرائيل، مثل قصة صور حرق الأطفال التي نشرها مكتب نتنياهو على منصة X، ليكشفَ الناشطون فورًا أنها صور مجهزة بواسطة الذكاء الصناعي، ويؤكدَ ذلك تقريرٌ لشبكة الجزيرة  وكذلك فإنّ قصة إعادة ضخّ الماء لغزة التي أعلنها مكتب نتنياهو سرعان ما كشف الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي أنها مجرد بروباغاندا إسرائيليّة، ووضحوا أن الماء لا يصل دون وقود أو كهرباء لا يزالان ممنوعَين عن غزة بأمر الاحتلال.

ولعلَّ قصة مجزرة القصف الإسرائيلي مستشفى الأهلي المعمداني في غزة تعدّ من آخر تجليات حرب السردية، فبينما بدأ الاحتلال بالاعتراف بقصف المستشفى ومحاولة تبريره، فُوجئ برد الفعل العالمي الصادم لإسرائيل؛ نظرًا لبشاعة الحدث، فما كان منه إلا أن مسح كل شيء وأعاد ترتيب أوراق سرديته ليدعي أن المجزرة وقعت بسبب فشل صاروخ فلسطيني وسقوطه على المستشفى. وحاولت إسرائيل في البداية تدعيم روايتها بفيديو،إلا أنها عادت وحذفته بعد أن تبين أنه مفبرك، واكتفت بترديد الادعاءات في بياناتها الرسمية دون أي دليل، ولم تستطع فعليًا إقناع أحد بهذه الرواية المتهالكة إلا رئيس الولايات المتحدة المتحيز بطبعه للرواية الإسرائيلية. وكان دور الناشطين الفلسطينيين من أهم أسباب فشل الرواية الإسرائيلية، وذلك برصد كل ما نشرته إسرائيل من كذب وتخزينه أولًا بأول واستخدامه لفضح هذا التخبط الذي أضعف الرواية الإسرائيلية.

وأخيرًا، فإنَّ تحدي الرواية الإسرائيلية التي شيطنت كل ما يتعلق بفلسطين ممكنٌ، برغم تأييد أغلب الحكومات الغربية لها لأسبابٍ سياسيةٍ بحتة. ولعلَّ واحدًا من أهم وسائل تحدي هذه الرواية هو النزول إلى الشوارع بأعداد هائلة، بحيث ظهرت بذلك قوة الرواية الفلسطينية في إقناع الرأي العام الشعبي العالمي، وهو ما فرض السردية الفلسطينية على الشارع العالمي، وأصاب الرواية الإسرائيلية في مقتل. ومن الواضح أنَّ هذا الأمر بات يؤثر بشكل واضح على الرأي العام في العالم باتجاه تفنيد الرواية الإسرائيلية والاقتناع بأنَّ القضية الفلسطينية قضيةُ حقٍّ لا عَلاقة بها بادعاءات شيطنة الفلسطيني وإخفاء حقه، وهذا الأمر جعل رواية إسرائيل التي صنعتها بعنايةٍ طَوال سبعة عقود تكاد تذهب أدراج الرياح. ولا عجبَ في ذلك، فهذا مصير كلّ سرديةٍ قائمة على الكذب.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.