بين"طوفان الأقصى" والإعلام العربي".. وقفة عند السطور.. وما بينها

(الجزيرة)

مفارقة عربية:

ما كان لموضوع عمليَّة "طوفان الأقصى" والإعلام العربيّ أن يُطرح لولا ما تثيرُه تغطية منابر إعلامية عربية من نقاط استفهام، وأخرى للتعجب في أكثر من اتجاه. مع قضية طالما وصفت بكونها الأولى وقضية الأمّة، يستدعي المنطق أن يكون الإعلام العربي على قلب رجل واحد، فينحّي انحيازاته وأجنداته جانبًا ليقوم بدوره في تغطية المستجدات الميدانية والسياسية، والذهاب بعيدًا في فتح مساحات النقاش بين العرب، وبينهم وبين غيرهم؛ سعيًا نحو فهم أعمق لما يجري، وطلبًا لوعي متقدم بما يدور حوله من رهانات إقليمية ودولية، لا تغيب عنها أبعاد تاريخية وحضارية تحيل على مصالح ومصير أمّة عريقة.

ذاك هو المفترض، لكن الواقع يخبرنا بمشهد مختلف، ذلك أنّ الشاشات والمواقع العربية، وإن بدت للوهلة الأولى متقاربة في تغطيتها مستجدات الصراع الإسرائيلي العربي، فإنّ نظرة فاحصة تكشف أمامنا أبعادًا متضمنة في ثنايا العناوين، وبين جنبات المقالات والتقارير سواء أكانت مرئية أم مسموعة أو مكتوبة.

قد يرى البعض في هذا المدخل مبالغةً في تعقّب "عثرات الإعلام العربي"، تستنقص من دوره، وهو الذي يستند إلى أرضية مشتركة شدّدت عليها الجامعة العربية كلما جرى الاحتفال مجددًا بيوم الإعلام العربي المقرّر يوم 21 إبريل من كل عام، مناسبة لم يغب عنها الهمّ الفلسطيني يومًا، خاصة في هذه المرحلة التي اشتدت فيها الأطماع الصهيونية في القدس، في ظل حكومة نتنياهو الأكثر يمينية وتطرفًا.

تحديات جعلت دورة الكويت للسنة الماضية تتحدث عن الاستحقاق الإعلامي العربي الكبير تجاه القدس وعامة القضية الفلسطينية، ودوره في تنوير الشارع العربي، ومؤازرة الإعلام الفلسطيني فيما يتعرض له من قيود ضغوطات.

تعزَّزت تلك التوجهات باختيار مجلس الوزراء العرب مدينةَ القدس عاصمةً دائمة للإعلام العربي، دون أن يجنّبها ذلك السؤال التقليدي عن الكيفية التي يتمّ بها ترجمة تلك التوصيات والقرارات على أرض الواقع، ومدى نجاعتها في كل مرّة تختبرها الهجمات الإسرائيلية الواسعة، والاصطفاف الغربي وراءها، وكذلك للمفارقة تشتّت الخطاب الإعلامي العربي بفعل التبعية السياسية لهذا الطرف أو ذاك.

تحديات تثبت أنّ مساءلة الإعلام العربي، في محطة بخطورة معركة "طوفان الأقصى"، ضرورة مهنية وفريضة قومية لا تقبل التهاون أو التأجيل بحال.

 

قوس إعلاميّ:

من باب تحرير المطلب- كما يقول القدامى في مصطلحاتهم- لنا أن نرسمَ من باب التبسيط قوسًا إعلاميًا على صلة بعملية "طوفان الأقصى" طرفاه المتناقضان أذرع إعلامية لحركات المقاومة، تقابلها وسائل إعلام صهيونية، على تفاوت ستجده داخل كل معسكر في منهج التناول وخطابه والطرق التي يتم اعتمادها في رصد الخبر ورفده بالتحليل واختيار الزوايا.

بين هذَين المعسكرين حرب ضروس لا تقلّ ضراوة عن تلك الجارية على الميدان، وعند كليهما تجد ما يترجم التزامًا صارمًا بنُصرة أحد فريقَي الصراع والتمكين لروايته، بل وشنّ حرب نفسية على الطرف المقابل، تتضمن تبرير الأعمال العسكرية ضده والتشنيع عليه، وتأليب الرأي العام ضده بكل الوجوه الممكنة.

ضمن هذا التقسيم لعبت قنوات، مثل: الأقصى، والمنار، وفلسطين اليوم، وغيرها دورًا مشهودًا في معاضدة الجهد العسكري، وتحشيد الدعم الجماهيري لنصرته. وواجهت تلك القنوات محاولات لإسكاتها على اعتبار أنها صوت لما تعتبره إسرائيل وكل الدول المتحالفة معها تنظيمات إرهابية لا حقّ لها في الوجود أصلًا.

بين هذا وذاك، توجد مساحة واسعة لطيف كبير من القنوات، تقدم نفسها باعتبارها قنوات إخبارية أو عامة، تجد نفسها معنية بتغطية الأحداث الإقليمية والدولية الكبرى، والأكيد أن حربًا بحجم التي يدور رحاها في غزة وحولها، لا يمكن بحال تجاهلها بعد أن دخلت قوى دولية وإقليمية على الخط، وسط تحذيرات من انزلاق التصعيد الأمني الخطير إلى حرب حقيقية، ولقد تحوّلت فعلًا إلى ذلك.

ها هنا تصبح لام التّعريف مخادعة وملغومة، ذلك أنّ الحديث عن الإعلام الغربي أو الإعلام العربي سرعان ما يسقط في التعميم الذي يستند إلى حقّ يمكن أن يتحول باطلًا يسكن التفاصيل.

وإذا كان الإعلام الغربيّ في أعمّه الأغلب يظهر انحيازًا مفضوحًا للرواية الإسرائيلية، جاعلًا من هجوم حماس ووصمها بالإرهاب مصادرةً على كل مطلوب في أي مادة خبرية أو نقاش، فإن الإعلام العربي بدا عصيًا على التصنيف الجامع.

من قناة إلى أخرى، ومن موقع لآخر، تتصدر أخبار "طوفان الأقصى" الواجهة، وإذا كانت المفاجأة الميدانية المذهلة التي أنجزتها كتائب القسام قد فرضت نفسها على الأيام الأولى، فلم يكن من بدّ سوى رصد مظاهر تلك العملية العسكرية غير المسبوقة، وطرح السؤال حول حيثياتها وأبعادها، فإن السبل قد افترقت بوسائل الإعلام في العالم العربي راسمة خريطة من المقاربات التي تحمل في أحشائها نظرة للصراع وللفاعلين فيه وللمسارات المحتملة التي قد يذهب نحوَها.

صحيح أن مستويات التحليل تقودنا إلى تعبيرات لا يمكن بحال وضعها في قالب واحد، ذلك أننا نتحدث هنا عن إعلام رسمي وآخر شبه رسمي، وثالث يوصف بالخاص أو المستقل، كما أنها تذكرنا بثنائية الإعلام التقليدي والإعلام الجديد، في إشارة إلى موجة إعلامية عالية تركب أمواج مواقع التواصل الاجتماعي بأنواعها وكل جديد يظهر منها يومًا بعد يوم.

لكننا لضيق المجال سنكتفي بمفردة اتسعت رقعة شهرتها واستعمالها في أيامنا هذه، وسنتعامل معها بوصفها وعاء للجميع ومعيارًا للتصنيف في ذات الوقت ألا وهي المحتوى.

حرب السرديات:

تتصلُ صناعة المحتوى الإعلامي بما هو مضمون معدّ للاستهلاك الجماهيري على أوسع نطاق، وتتصل اتصالًا وثيقًا بما يعرف بحرب السرديات. تقول الأجيال الجديدة من الحروب: إنّ الانتصار لم يعد يقتصر على حسم ميداني لهذا الطرف أو ذاك؛ لأنه يحتاج جانبًا حيويًا بل ومصيريًا، ألا وهو بناء السردية في اتجاهَيها المختلفين؛ أي الماضي لتقديم رواية حول السياق الذي جاءت ضمنه التطورات، والمستقبل بالنظر إلى أن تلك السردية التي تشبه رُمحًا ينطلق من بداية الأحداث إلى المحطة التي وصلت إليها، تمثل مادة لصناعة وعي معين، وتأطير النظر إلى أي مسارات مستقبلية ممكنة.

هذا الرهان مجال تتداخل فيه أدوات عدَّة من صياغة للخطاب السياسي وإنتاج أكاديمي وثقافي فنّي، وكذلك- وهذا من بين أهم تلك الأدوات إن لم يكن الأهم- المضمون الإعلامي.

تدرك إسرائيل وحلفاؤها هذه الحقيقة، ولا تغفُل عنها طرفة عين، لهذا جرى ويستمر ذلك التزامن بين الرد الإسرائيلي الوحشي في دمويته، والتغطية الإعلامية التي تصرف الأذهان إلى حماس والجدل في إرهابيتها من عدمه.

على الصعيد العربي نجد أنفسنا أمام مسار مختلف، حيث انتقل الخطاب من مسابقة مفتوحة في المزايدات، إما لتكريس زعامة سياسية تتجاوز الأقطار إلى مجال عربي وإسلامي أوسع، أو لرفع العتب واستيعاب الغضب الجماهيري الذي يوجه في كل مرة أصابع الاتهام للتخاذل العربي عن نصرة الفلسطينيين ونجدة المقدسات، وقد ابتلعت إسرائيل الأرض وداست العرض، ولم تتوقف عن التربص بالأقصى لفرض تقسيم زمني ومكاني يمهد في وقت لاحق لإنهائه بطريقة أو أخرى.

ضمن تلك المسابقة ومع تطبيع رسمي محدود وخجول في كل من مصر والأردن، وآخر يجري وراء الستار، بلور الإعلام الرسمي وشبه الرسمي العربي تقاليد في استيعاب المشاعر الغاضبة وتقسيمها إلى محاور على قاعدة الفصل بين الإنساني والميداني، وبين الآني والتاريخي.

ومع الموت السريري الذي عرَفته عملية التسوية وصعود دول عربية واحدة تلو الأخرى عربة التصعيد لعقد الصفقات مع بنيامين نتنياهو، دون اعتبار حقيقي ليمينيته المتطرفة وممارسات حكومته الدموية وأجندتها حيال عملية السلام ووضع المقدسات الإسلامية والمسيحية، ظهر أداء جديد داخل الإعلام العربي يتعامل مع تطورات القضية الفلسطينية كما لو كانت كأي تطورات تشهدها منطقة ما من العالم.

لذلك الأداء نراه اليوم في عدد من الشاشات خاصة الإخبارية منها، وهو يصنع فارقًا حقيقيًا تجاه أداء قناة الجزيرة، فضلًا عن أن نقارنه بقناتَي الأقصى والمنار على طرف القوس الذي أسسنا عليه حديثنا هذا.

شاشات تتبع دولًا سارت في اتجاه التطبيع، معترفة بإسرائيل ومحتفية بالعلاقات المتنامية معها، وتعكس سياسات لعواصم عربية راهنت وبوضوح على شراكات اقتصادية من تل أبيب، وضمانات سياسية باستمرار حكمها بعد أن جعلها الربيع العربي لا تكتفي بالتوجس من أبعاده وممكناته المستقبلية، بل وتذهب بعيدًا في إفشاله والتنكيل برموزه والقضاء على كل فرصه في تغيير الواقع العربي في اتجاه الحرية والديمقراطية وضمان سيادة الدول والشعوب المالكة لقرارها الحرّ.

شاشات سرعان ما انصبَّت التغطية عندها على العمليَّة العسكرية ضد غزة، أكثر بكثير مما اهتمت فيه بالزلزال العسكري والسياسي الذي خلّفه هجوم كتائب القسام على مستوطنات غِلاف غزة، ثم في وقت لاحق على مدن وبلدات إسرائيلية.

جرى ضمن هذا المنظور التركيزُ على الجانب الإنساني، لإظهار الفلسطينيين في حالة فزع ولسان حالهم يقول: "ما ذنبنا فيما يحدث ولماذا نتحمل في كل مرة الضريبة الباهظة لاندلاع مثل هذه الحروب؟".

وصل الأمر في واحدة من المواد المروّجة على منصات التواصل الاجتماعي لواحدة من القنوات إلى تقديم مادة تتضمن رسالة واضحة ومباشرة بأن عملية حماس قدمت خدمة لنتنياهو وجعلته أقوى في الداخل والخارج، مع جرعة من الإشارة إلى الرعب الذي ينتظر سكان غزة جراء "مغامرة حماس".

بينما في المقابل قدمت قنوات أخرى تتقدمها الجزيرة مقاربة مختلفة، جرى بناء السردية الإعلامية فيها بناءً على السياقات القديمة والجديدة والتي تذكر بأنَّ ما يحدث يتم داخل دائرة أوسع، هي قصة الاحتلال وجرائمه، وأن الدلالة الأهم تبقى في المنجز الميداني الذي أربك إسرائيل على نحو غير مسبوق، والتأكيد على أن قصف غزة وهدم البيوت على سكانها ليس بحالٍ منجزًا يحق لأي جيش في العالم أن يفتخر به، أو أن يعتبره منجزًا بأي شكل من الأشكال.

لن تجد عبارات مباشرة كالتي تقرؤُها في هذه السطور، لكن روح التغطيات واختيار الزوايا وتكثيف الصور ترسم هذه الهوة بين إعلام عربي منخرط في مسار التطبيع والتفويت في الحقّ الفلسطيني لقاء ثمن اقتصادي وسياسي لا علاقة له بكرامة العرب ومكانتهم، وآخر يتمسك بسردية قوامها ثنائية الاحتلال والمقاومة، والتطور البطيء في موازين القوى لصالح الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة رغم فداحة الثمن.

الأطروحة ونقيضها:

هل يمكن لنا أن نستعير من الأدوات المنهجية الماركسية آلية الديالكتيك لنتنبأ قدر المستطاع بالمآل الممكن لما يمكن وصفه بتجاذب السرديات داخل الإعلام العربي؟ يبدو الأمر عصيًا لاعتبارَين على الأقل:

الأول: هو أن الصراع بين الأطروحة ونقيضها يقتضي وصول التناقض بينهما إلى الذروة حيث نقطة اللا عودة، ما يسمح بنشوء الطباق ضمن تفاعلات تاريخية قاسية وخلّاقة، بينما واقع الحال هو  التناقض بين الخطَّين المشار إليهما سابقًا في التعامل مع "طوفان الأقصى" ليس تناقضًا جذريًا، فكلاهما مضطر للتعامل مع الجانب الآخر من الصورة، بمعنى أن تعاطف قناة ما مع القضية الفلسطينية لا يمنعها من استضافة ضيوف إسرائيليين، تمامًا كما أن انخراط منابر إعلامية في تبرير التطبيع وتخذيل بندقية المقاومة من طرف ظاهر وآخر خفي، لا يمنعها من استضافة قيادات تلك المقاومة وإبداء التفهم لخطابها والاعتراف بمقدار تجذرها بوصفها رقْمًا صعبًا في المعادلة لا يمكن تجاوزه بحال.

الثاني: هو أن الطباق؛ أي المرحلة الناشئة عن الصراع بين الأطروحة ونقيضها، يُفترَض به أن يكون تطورًا عنهما إلى حدّ الانفصال والتأسيس لمرحلة جديدة مختلفة تمامًا.

في هذا المستوى تتم الإشارة دائمًا إلى ما يسمّى بإعلام المواطنة والإعلام البديل وإعلام مواقع التواصل الاجتماعي، غير أن هذه التجربة على أهميتها؛ نظرًا لكونها تعكس بأشكال متباينة المِزاجات العامة واتجاهات الرأي داخل الشارع العريض بعيدًا عن هيمنة السلطات والأحزاب، رغم كل ذلك وما عكسه من تعاطف غامر مع الفلسطينيين وقضيتهم على نحو أعادها إلى مربعها الأول: قضيةً عربية إسلامية وصراعًا ذا أبعاد حضارية ضاربة في التاريخ والجغرافيا، إلا أنَّ هذه التجرِبة بقيت عاطفية بالأساس، مفتقدة إلى رصانة العقل السياسي، وإلى تقاليد العمل الصحفي بما يفرضه من تدقيق في الخبر وتوازن في التحليل، حتى إنه بدا أقرب لرد الفعل منه إلى التأسيس. بل إن الأخطر من كل ذلك هو أن قلعة هذه التجرِبة معرضة وبقوة للاختراق سواء من خلال امتدادات الإعلام التقليدي، أو من خلال أجهزة وجماعات ضغط تقوم باستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه الرأي العام والتلاعب به.

كل هذه المعطيات تطرح السؤال عن مدى إمكانية الاستفادة من هذه التجرِبة جيدِها ورديئها، للتفكير في مشروع لإعلام عربي بديل يرقى إلى التحديات المطروحة على المنطقة والمخاطر المحيقة بها، يتقدمها المشروع الصهيوني في أشكاله المتعددة من دولة وتحالفات وأذرع إعلامية بلورت تجربة إعلامية متقدمة شكلًا ومضمونًا حتى وهي تروّج للباطل الإسرائيلي الذي يصادر الحقوق الفلسطينية.

سؤال لا نعرف على وجه الدقة ما إذا كانت عملية "طوفان الأقصى" تستلزم الإسراع في البحث عن إجابة له.. أم أن خطورة الرد الإسرائيلي قد تؤجل ذلك إلى مرحلة لاحقة توفر الوقت وقدرًا مطلوبًا من الهدوء للتفكير بعقلٍ باردٍ في كيفية التعامل مع الأحداث الساخنة المرتبطة بالقضايا المصيرية.

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.