أطفال فلسطين.. وعد يسبح في بحر من دماء

أبو سليمة: اضطرار وضع جثث شهداء في خيمة وفي ممرات المستشفى ينطوي على أخطار صحية جمة
نصيب أطفال فلسطين من العدوان الإسرائيلي (الأناضول)

يدفع الأطفال ثمن الحروب النظامية والأهلية والنزاعات والاعتداءات المسلحة أضعافا مضاعفة، ليس فقط لأنهم عرضة للقتل والإصابات البالغة التي تؤدي إلى العجز الجسدي على اختلاف أنواعه ودرجاته، ولكن أيضا للآثار والرواسب النفسية المؤذية التي قد تلازم الفرد بقية حياته ولا يستطيع منها فكاكا.

فطن لهذا علماء النفس وأطباؤه والدارسون في علم الاجتماع السياسي واجتماع الجسد، وأُعدت الكثير من دراسات الحالات الدالة على الوطأة القاسية للحروب على الأطفال رغم اختلاف الأماكن التي اندلعت فيها الحروب وأزمنة نشوبها ووقت استمرارها، وكذلك أعراق وديانات واعتقادات وثقافات الأقوام الذين انخرطوا فيها أو فرضت عليهم.

وتتكرر الاضطرابات والأمراض والتشوهات النفسية التي تصيب الأطفال في زمن الحروب، من الفزع الليلي إلى الهلاوس والوساوس القاهرة، ويصاب كثيرون منهم بالتبول اللاإرادي، وقد تنتاب بعضهم نوبات من الاكتئاب حين يتذكر المشاهد الأليمة التي وقعت عليها عيناه، كأن يُقتل أهله أمامه أو يصابون إصابات بالغة أو يتهدم بيتهم وتبعثر محتوياته، وبعضهم يفقد النطق من فرط الرعب والحيرة، ويزيد كل هذا إن فقدوا البيوت وسيقوا إلى ملاذات تجهز للمشردين، بيوتا بديلة كانت أو خياما، أو حتى البقاء في العراء.

على مدى قرن

ولا أعتقد أن أطفالا في هذا العالم يعانون كما هم في فلسطين، خصوصا في قطاع غزة والضفة الغربية، فكل الحروب -بما فيها أوسعها نطاقا وأشدها فتكا كالحربين العالميتين- لها زمن محدد حتى لو استغرقت سنوات، ثم تضع أوزارها، فتعطي الناس فرصة لالتقاط الأنفاس وتضميد الجراح واستعادة الحياة الغاربة والاستعاضة عن الحكايات المؤلمة التي صنعتها الحروب بأخرى فيها من اللذة والطرافة والتسلية ما يعيد إلى النفوس التسرية والبهجة في ظل السكينة والسلام.

أما الحرب على أرض فلسطين فلم تتوقف، تشتد وتستعر ثم تتراجع، لكنها لا تخمد أبدا، إلى أن تشتعل من جديد.

على مدار قرن لم يمر يوم إلا وأطفال فلسطين على موعد مع معاناة، أقلها هو هدم البيوت أو سلبها واقتلاع الزروع والتخويف أو الترهيب ومنع المرور أو المحاصرة، لتأتي بعدها الإصابات الجسدية البالغة والقتل لأفراد أو جماعات، حتى أنه في بعض الحالات قد يفقد طفل كل أسرته في اعتداء من قبل مستوطنين أو جنود إسرائيليين، ليجد نفسه وحيدا في وجه دنيا بالغة القسوة حين يتنكر أهلها لحقه في العيش الهادئ الهانئ الكريم أو حتى المناسب لحياة بسيطة آمنة.

وطول زمن المواجهة وعمق الشعور بعدالة القضية والوعد الدائم بالانتصار جعل الطفل الفلسطيني يختلف عن غيره من أطفال المجتمعات التي تعاني ويلات الحروب لأربعة عوامل أساسية، هي:

1ـ التحدي والاستجابة الذاتية: حيث يقع الطفل الفلسطيني دوما في دائرة واسعة من التحديات، فيتعلم بالفطرة والغريزة والتجربة أن يصنع استجابة على قدر التحدي، ليس من زاوية الجَلد والصبر فقط، بل أيضا الإحساس العميق بالواجب حيال أهله، ثم أرضه، ابتداء من البلدة التي يقطنها إلى مساحة فلسطين كلها.

هذا الشعور نقل الطفل الفلسطيني من حيز الانتظار إلى الاستباق، ومن القابلية إلى الفاعلية، أي من الفرجة إلى المشاركة، فصار يناضل كتفا بكتف إلى جانب الصبية والشباب والرجال، حتى أنه انتزع لنفسه مكانا أطلق عليه العالم ذات يوم "أطفال الحجارة" حين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر/كانون الأول 1987، لنجد أطفالا يقذفون الدبابات الإسرائيلية بالحجارة وهم يقفون في تحد وكبرياء أمام الجنود المحتمين بها.

وقد يستبدل الطفل الحجر كنوع من المقاومة المادية الظاهرة إلى مقاومة رمزية تتمثل في رفع علم فلسطين في وجه المستوطنين والجنود الإسرائيليين تعبيرا عن رفض القهر، والتشبث بالوطن.

2ـ نمط التنشئة الاجتماعية المختلفة: فالأسرة الفلسطينية تُشرك الصغار منذ أن يطولهم الوعي بمعاني الكلمات ومرامي الحكايات في السردية الكبرى للشعب الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة أو في مخيمات الشتات واللجوء أو حتى في المنافي والغربة.

وبذا احتشدت التنشئة في معارفها وقيمها وأنماط سلوكها وتصرفاتها واتجاهاتها بالكثير، مما يدفع الأطفال إلى الوعي بالتاريخ القريب والبعيد، وإدراك ما يجري في الواقع من أحداث، والنظر البعيد إلى المصير والمآل.

وقد انعكست هذه التنشئة على التعبيرات اليومية للأطفال واهتماماتهم، وعلى الألعاب التي أبدعوها لتناسب واقعهم الأليم، والتي لا تخرج في جوهرها عن كونها تمرينا أو تدريبا مستمرا على الدور الذي ينتظر هذا الطفل حين يشب على الطوق وينخرط في العمل وتكوين أسرة جديدة، وهذا نوع من المقاومة أيضا.

3ـ التساند والتآزر: فالطفل الفلسطيني يلقى في ظل الظروف القاسية المتواصلة التي يعيشها نفسه مشدودا إلى غيره، فتتهذب المناكفات والنزاعات والصراعات التفصيلية والصغيرة التي تنشب بين الأطفال في الشوارع والمتنزهات والمدارس بالمجتمعات الطبيعية، لتصير نوعا من الإحساس المشترك الذي ينمو بشكل طبيعي بوحدة الهدف الجمعي، مما يجعل طاقة الغضب تنصرف ليس إلى الطفل الجار والزميل والرفيق إنما إلى العدو البادي لكل أطفال فلسطين، والذي يتمثل في سلوك المحتل وتعبيراته وإيماءاته.

4- تأمل أحوال الغير بالمضاهاة، فأطفال فلسطين -شأنهم شأن غيرهم- أعطتهم ثورة الاتصالات الكبرى فرصة للوقوف على ما يعيشه الأطفال في المجتمعات المستقلة ذات السكينة والسلام، فساعدهم هذا على فهم الضيق والقبح والقسوة التي يعيشون في ظلها، والتطلع إلى حياة سوية ينعمون فيها بما يعيشه غيرهم، وأوله الحق في أن يحيوا طفولتهم كما ينبغي لها أن تقوم وتجري.

تكفي نظرة مباشرة

ولا يحتاج أطفال فلسطين إلى النظر بعيدا ليدركوا البؤس الذي يكابدونه، فتكفي نظرة مباشرة وقريبة إلى من هم في مثل أعمارهم من أطفال إسرائيل الذين يرونهم في المستوطنات وعند نقاط التماس والاشتباك أو في المدن الفلسطينية التاريخية كالقدس، أو حتى في البلدات التي يقطنها فلسطينيو الـ48، ليروا الهوة الواسعة بين طفل ينعم بالأمان وآخر يهاجمه القلق الدائم والصور الدامية، بل هو مهدد بالقتل الخطأ أو المتعمد في أي وقت.

ولعل ما نراه في غزة حاليا شاهد على ذلك، حيث لا تمر ساعة واحدة إلا ونرى أطفالا قد ارتقوا شهداء أو أصيبوا إصابات بالغة أو طفيفة أو يصرخون تحت أنقاض البيوت التي قصفتها الطائرات والمدافع والزوارق البحرية الإسرائيلية، فصارت حطاما وركاما، أو يحملهم ذووهم مغبرين ويسرعون بهم نحو المستشفيات المكتظة أصلا.

ولا يخفى على الطفل الفلسطيني -الذي يولد وعيه السياسي مبكرا جراء التحديات الثقيلة الملقاة على عاتقه- أن الحروب التي تنشأ بين حين وآخر -أهلية في دولة واحدة أو بين جيشي دولتين- يكون الأطفال فيها ليسوا هدفا لمطلقي الرصاص ومشعلي النار، بل من يستهدفهم يُجرح أخلاقيا ويخسر معركة الصورة وتلاحقه لعنة فعلته الشنعاء كظله.

إن العبء النضالي على أطفال غزة ليس اختيارا، إنما تدفعهم إلى ذلك الظروف القاسية التي يعيشون فيها، والأولى لهم أن يحيوا طفولتهم كغيرهم من الصغار في مشارق الأرض ومغاربها، لكن هؤلاء ليست لديهم فرصة لينعموا بالطفولة، إنما يحملون ما هو أقوى من الصبر وأبعد من المشاركة في المقاومة الرمزية والمعنوية والمادية، وهو الوعد والأمل.

إننا حين ننصت إلى أطفال غزة نعرف أن هؤلاء الذين سكن تاريخ بلادهم جيناتهم ونطفهم وخلايا أجسادهم ومشاعرهم وأذهانهم لن يتركوا أرضهم أبدا، لأن سابقيهم إلى الشتات لم ينسوا التاريخ والأرض، وحتى الذين تحققوا في الغربة يجرفهم الحنين إلى تراب تغبرت فيه أقدام أجدادهم.

في عيون هؤلاء الأطفال وفي أقوالهم وأفعالهم ما يدل على أنه قد صار للفلسطينيين حق عودة وأرض وعد وميعاد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.