توسيع الناتو والعقدة التركية

Turkish President Recep Tayyip Erdogan
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (وكالات)

بدد التوتر الجديد بين تركيا والسويد، بعد حادثة إحراق المصحف الشريف في ستوكهولم، أي أمل في إمكانية مصادقة أنقرة قريبا على إتمام عملية انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن الحادثة ليست السبب الوحيد لانتكاسة المفاوضات بين الدول الثلاث بقدر ما شكلت دافعا إضافيا لتركيا لإظهار أنها لا تزال غير مستعدة للترحيب بهذين البلدين في الأسرة الأطلسية.

لدى الرئيس رجب طيب أردوغان كثير من المبررات الواقعية لإبداء رد فعل غاضب إزاء السويد على وجه الخصوص. قبل كل شيء، فإن السماح بمثل هذه المظاهر المعادية للمسلمين، وإن كان بذريعة حرية التعبير، يشكل إهانة للعالم الإسلامي ولبلد معظم سكانه مسلمون، بينما تريد منه السويد الموافقة على انضمامها إلى الناتو.

كما أنه مضى ما يقرب من 8 أشهر على إبرام مذكرة التفاهم بين تركيا والسويد وفنلندا، لكن الحكومة السويدية لم تحقق سوى بعض من تعهداتها في المذكرة. على سبيل المثال، عززت السويد قوانين مكافحة الإرهاب في الدستور، ورفعت حظر الأسلحة المفروض على تركيا، وسلمت واحدا على الأقل من المطلوبين لتركيا، لكن هذه الخطوات لم تلبِ الحد الأدنى من التوقعات في أنقرة التي تريد عمليات تسليم أكثر وأسرع، بالإضافة إلى الحد من الأنشطة العامة لأنصار حزب العمال الكردستاني.

رغم أن السويد تصنف حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية -مثل باقي دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة- فإن أنصار الحزب لديهم حرية التظاهر، وحتى أنهم يحظون بتعاطف علني من جانب سياسيين وأحزاب سويدية.

علاوة على ذلك، فإن الانتخابات التي تستعد لها تركيا مايو/أيار المقبل تشكل عاملا آخر معقدا بعض الشيء. وهناك اعتقاد في الغرب أن أردوغان يسعى لإطالة أمد هذه القضية لما بعد الانتخابات من أجل تحقيق مكاسب داخلية. قد يبدو أردوغان كذلك لكنه يفضل بالطبع أن يحصل على كل ما يريده من السويد، وفي كلتا الحالتين سيستفيد من هذه المكاسب.

أدت سنوات من تجاهل مصالح تركيا وهواجسها الأمنية إلى خلق حالة من انعدام الثقة لديها بالغرب. فاستمرار الدوران في حلقة مفرغة في العلاقات التركية الغربية، والتركية الأميركية على وجه الخصوص، لن يؤدي إلى سوى تعميق هذه الحالة ودفع أنقرة إلى مواصلة التغريد بعيدا عن الفضاء الغربي

حقيقة أن الحكومة السويدية غير قادرة على تحقيق جميع تعهداتها بخصوص مكافحة الإرهاب تجعل أردوغان أكثر اهتماما في الوقت الراهن بإطالة أمد المفاوضات والإبقاء على قدر من التوترات مع الغرب في هذه الفترة. يبدو أن الدول الغربية أصبحت مقتنعة بصعوبة إتمام عملية ضم السويد وفنلندا إلى الناتو قبل الانتخابات التركية، وتراهن على أن موقف تركيا بعدها سيصبح أكثر مرونة سواء بقي أردوغان في السلطة أم لا.

مع ذلك، فإن هذا الرهان قد لا يكون صائبا تماما، خصوصا إذا فاز أردوغان في الانتخابات. إن المسألة بالنسبة لتركيا وأردوغان شخصيا لا تتعلق بافتعال أزمة مع الغرب في قضية مصيرية من أجل جذب الانتباه فقط بقدر ما هي فرصة لدفع الغربيين إلى الإنصات للهواجس الأمنية التركية والتعامل معها بجدية. لذلك، من غير المرجح أن يتحول موقف أردوغان بسرعة بعد الانتخابات إذا لم ير خطوات واضحة من السويد تحقق المطالب التركية.

في الواقع، منحت قضية توسيع الناتو تركيا ورقة قوية لفرض قائمة مظالمها على شركائها الغربيين، بما فيهم واشنطن التي لديها علاقة قوية بوحدات حماية الشعب الكردية الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني.

منذ بداية أزمة توسيع الناتو، فضلت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مراقبتها عن بعد، وآثرت عدم التدخل لتجنب الدخول في مساومة مع أنقرة على قضايا أخرى، لكنها ارتكبت خطأ في هذا النهج، وتسببت في هدر مزيد من الوقت لمعالجة هذه القضية، وأفسحت المجال أمام العوامل الأخرى التي تعمل على إفساد العلاقات بين أنقرة والغرب.

بيد أن واشنطن أدركت متأخرة خطأ الرهان على إنجاح المفاوضات من دون حاجتها إلى التدخل وتقديم تنازلات لأنقرة. قبيل زيارة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الأخيرة إلى واشنطن، سرب مسؤولون أميركيون لصحيفة "وول ستريت جورنال" (The Wall Street Journal) عرضا لأنقرة بتسهيل بيعها مقاتلات "إف-16" (F-16) مقابل مصادقة برلمانها على انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو، لكن توقيت العرض لم يكن ملائما بأي حال من الأحوال بالنسبة لتركيا، كما أنه ليس كافيا لها.

لقد سبق أن وعدت واشنطن أنقرة ببيعها هذه المقاتلات قبل بروز قضية توسيع الناتو، وبالتالي، فإنه من واجب الولايات المتحدة الوفاء بهذا الوعد بدل تحويله إلى ورقة للضغط عليها في ملف الناتو. كما أن أنقرة تريد من الولايات المتحدة التخلي عن علاقتها بالوحدات الكردية، والاعتراف بأن هذه العلاقة تشكل خطرا على حليف حيوي ومهم في الناتو لا يقل عن الخطر المتصور من جانب روسيا على السويد وفنلندا. لسوء الحظ، لا تزال واشنطن تفتقر إلى البصيرة الإستراتيجية الكافية لإدراك أن العلاقة مع الوحدات الكردية والتخلي عن نهج التوازن بين تركيا واليونان يعملان على إضعاف شراكة إستراتيجية مع أنقرة تمتد لعقود طويلة.

قد يؤدي رضوخ سويدي -في نهاية المطاف- للمطالب التركية أو مرونة تركية إلى إنهاء أزمة توسيع الناتو، لكن المشكلة الأكبر المتمثلة في تراجع العلاقات التركية الغربية ستستمر. في هذه التحولات التاريخية التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية على أمن حلف شمال الأطلسي، سيتعين على صناع القرار في الغرب التركيز أيضا على معالجة الخلافات مع تركيا بالقدر الذي يتم التركيز فيه على ضم دول جديدة إلى الحلف.

في حين أن تركيا والغرب قررا في السنوات الأخيرة التعايش مع هذه البرودة في علاقاتهما، فإن استمرارها يستنزف قدرات حلف شمال الأطلسي للتكيف بفعالية أكبر مع عصر التنافس الجيوسياسي العالمي الجديد. كما أن تعزيز الجناح الشمالي للحلف بضم فنلندا والسويد لن يعوض الفراغ الذي يحدثه غياب الانسجام بين تركيا وشركائها الغربيين على الجبهة الجنوبية الشرقية للناتو، حيث تتزايد التحديات على الحلف بفعل الدور المتنامي لروسيا في الشرق الأوسط والبحر المتوسط.

بقدر ما أن حرب روسيا على أوكرانيا دفعت الحلف إلى محاولة توسيع حدوده لتعزيز جبهته الشرقية والشمالية وفرضت على الدول الأعضاء في أوروبا العودة إلى سياسات الإنفاق العسكري التي كانت سائدة في حقبة الحرب الباردة، فإنها تذكر كذلك بأن تركيا لا تزال مهمة في تأمين الجناح الجنوبي الشرقي للحلف وبأن إعادة انسجامها المتكامل مع الغرب يشكل مصلحة حيوية للطرفين. إن الطريق إلى ذلك يبدأ أولا في شروع الولايات المتحدة في إعادة تقييم أولوياتها في العلاقة مع تركيا بما يتلاءم مع الوضع العالمي الجديد المضطرب.

لا تزال تركيا ترى نفسها جزءا من الغرب رغم نهج التوازن الذي تتبناه في علاقتها بين الغرب وروسيا، والذي يستند إلى منظور الهامش المتاح للدول الأعضاء في الناتو لتغليب مصالحها الوطنية في بعض الأحيان على مصالح الحلف، بما لا يتعارض مع الهوية الجيوسياسية العامة لتركيا كجزء من المنظومة الأطلسية.

صحيح أن عقدين من حكم الرئيس رجب طيب أردوغان أظهرا عمق الهوة بين أنقرة والغرب مقارنة بالعقود السابقة، إلا أن الاعتقاد الغربي بأن هذه الهوة ستتقلص بمجرد رحيل أردوغان عن السلطة، لا يبدو غير واقعي فحسب، بل يكشف عن سوء فهم غربي لتركيا ومصالحها الوطنية التي لا ترتبط بهوية من يحكمها بقدر ارتباطها بها كدولة قبل كل شيء.

لقد أدت سنوات من تجاهل مصالح تركيا وهواجسها الأمنية إلى خلق حالة من انعدام الثقة لديها بالغرب. إن استمرار الدوران في حلقة مفرغة في العلاقات التركية الغربية والتركية الأميركية على وجه الخصوص لن يؤدي سوى إلى تعميق هذه الحالة ودفع أنقرة إلى مواصلة التغريد بعيدا عن الفضاء الغربي. أخيرا، بقدر أن المسارعة في معالجة مسألة عضوية فنلندا والسويد في حلف الناتو تكتسب أهمية للحلف وتركيا معا، فإن هذه الأزمة ينبغي أن تذكر صناع القرار في واشنطن وبروكسل بأن قوة تركيا من قوة الغرب وحلف شمال الأطلسي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.