الوضع القانوني لتشريعات الكنيست حول الاستيطان بالأراضي الفلسطينية

تعتبر عملية وضع القوانين والتشريعات الوطنية من أوجه ممارسة الدولة لسيادتها الوطنية التي تتمتع باستقلالية إصدار القوانين والتشريعات الملائمة وفق احتياجاتها القانونية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ولكن ذلك ليس بعيدا عن التعهدات الدولية التي قد تكون أحيانا جزءا لا يتجزأ من القوانين الوطنية.

فعندما يقوم الكنيست الإسرائيلي، وفق القانون الأساسي الإسرائيلي، بإصدار قوانين تتعلق بمصادرة الأراضي والاستيلاء عليها وشرعنة جريمة الاستيطان والتعدي على أراضي الدولة الفلسطينية سواء من قبل الأفراد الإسرائيليين أو مواطنيها، فهي مسؤولية الكنيست الإسرائيلي عن أعمال الحكومة بمن فيها رئيس وزراء الحكومة، فهم مسؤولون أمام الكنيست عن أعمالهم وجميع القرارات وفق القانون الأساسي الإسرائيلي. وبما أن الكنيست الإسرائيلي هو السلطة التشريعية فإنه مخول أن يلعب دورا أساسيا في ملاحقة مجرمي جريمة الحرب -الاستيطان- وأن يمنع الحكومة من تنفيذ أي انتهاكات تتعلق بالاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة للدولة الفلسطينية.

من الأهمية أن تتحمل دولة الاحتلال الآثار القانونية المترتبة هنا وهي التعويض بدفع مبالغ مالية لإصلاح الأضرار المترتبة عن جريمة الاستيطان باعتبارها جريمة حرب تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية

سبق لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أن قام بإصدار تعليمات لرئيس الائتلاف الحكومي دافيد بيطون من حزب "الليكود"، لطرح قانون "التسويات" لشرعنة البؤر الاستيطانية للتصويت عليه بالقراءة الثانية والثالثة في الكنيست الإسرائيلي في 29 يناير/كانون الثاني من عام 2017 وعدم احترامه لقرارات مجلس الأمن الدولي وخاصة القرار رقم 2334، الصادر بتاريخ 23 ديسمبر/كانون الأول لعام 2016 المتعلق بالوضع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية (الاستيطان)، وقد جاء هذا القرار ليُحمّل إسرائيل جميع التدابير الرامية من قبلها لتغيير التكوين الديمغرافي وطابع ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية.

أما القرار 446 الصادر عن مجلس الأمن في 20 مارس/آذار لعام 1979، فيعتبر أن سياسة إسرائيل وممارساتها في إقامة المستوطنات بالأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967، ليست لها شرعية قانونية ويدعو مرة أخرى إسرائيل بوصفها "السلطة القائمة بالاحتلال"، إلى التقيد الدقيق بـ"اتفاقية جنيف" الرابعة لعام 1949، وإلغاء تدابيرها السابقة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يؤدي إلى تغيير الوضع القانوني والطابع الجغرافي، أو يؤثر ماديا على التكوين الديموغرافي للأراضي العربية المحتلة منذ 1967؛ وعلى وجه الخصوص القدس وعدم نقل سكانها المدنيين، وتحدد لجنة مؤلفة من 3 أعضاء في مجلس الأمن، يتم تعيينهم من قبل رئيس المجلس بعد التشاور مع أعضاء المجلس، الوضع المتعلق بالمستوطنات في الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس.

كما أن القرار رقم 252 الصادر في 21 مايو/أيار لعام 1968 يعتبر أن جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية، وجميع الأعمال التي قامت بها إسرائيل، بما في ذلك مصادرة الأراضي والأملاك التي من شأنها أن تؤدي إلى تغيير في الوضع القانوني للقدس- هي إجراءات باطلة، ولا يمكن أن تغير في وضع القدس. ويدعو إسرائيل، بإلحاح، إلى أن تبطل هذه الإجراءات، وأن تمتنع فورا عن القيام بأي عمل آخر من شأنه أن يغير في وضع القدس.

وبالتالي عندما يقوم الكنيست الإسرائيلي بوضع تشريعات قانونية تشرع الاستيطان في أراضي الدولة الفلسطينية، يعتبر ذلك عملا غير قانوني، مما يعرضه للمساءلة القانونية عن تلك الأعمال التشريعية، وفق قواعد القانون الدولي.

قضية آلاباما كدليل على ضرورة المساءلة القانونية

وفي قضية "آلاباما" الصادرة عام 1872 بين الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا خير دليل على ذلك، حيث قضت المحكمة الأميركية بإدانة بريطانيا وتحملها المسؤولية الدولية لعدم حيادها أثناء الحرب الأهلية الأميركية، ورفضت الدفع المقدم من بريطانيا بعدم وجود تشريع لديها ينظم مسألة الحياد، فدعاوى التعويض عن الضرر التي رفعتها حكومة الولايات المتحدة ضد حكومة المملكة المتحدة لمساعدتها سرا الولايات الكونفدرالية الأميركية بعد التحكيم لعام 1872 أجبر بريطانيا على دفع 15.5 مليون دولار للولايات المتحدة بسبب الأضرار التي سببتها السفن الحربية بريطانية الصنع التي بيعت للكونفدرالية.

لذلك من الأهمية أن تتحمل دولة الاحتلال الآثار القانونية المترتبة هنا وهي التعويض أي أن تقوم بدفع مبالغ مالية لإصلاح الأضرار المترتبة عن جريمة الاستيطان باعتبارها جريمة حرب تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

وبالتالي يمكن مساءلة أعضاء السلطة التشريعية والمسؤولين عن إصدار التشريعات والقوانين والمراسيم والقرارات الحكومية عندما يتم إصدارها تحت سلطتهم المباشرة، لأنهم لا يرجعون لشعوبهم وهو مصدر السلطة ويحدث ذلك عندما يقومون بالاتفاق مع الأجهزة العسكرية والقادة العسكريين بإصدار تشريعات تحمي جرائمهم من الملاحقة القانونية، وذلك لمحاولة تجاوز المعاهدات والمواثيق الدولية حتى يضمنوا عدم مساءلتهم عن تلك الجرائم في المستقبل.

وبالتالي يمكن القول إن هؤلاء لن يكون من حقهم التمسك بالقرارات والمراسيم أو التشريعات أو الاتفاقيات الدولية التي صدرت عنهم فيما يخص مخالفتها للمواثيق الدولية وخاصة للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيث لا يحق لهم التمسك إذا ما تم إصدارها بشكل قانوني، وهم بذلك لا يتحملون المسؤولية عن تلك التشريعات المخالفة لأنها صدرت عن جهات رسمية بالدولة التي يعملون بها.

كما لا يحق للدولة التمسك بإكراه ممثلها عن طريق إصدار أعمال أو تهديدات موجهة ضده وتكون مخالفة للمعاهدات الدولية، ومن ثم تكون مسؤولة كل المسؤولية عن ذلك وفقا للمادة (51) لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

ولذلك عند صدور قرار أو تشريع أو مراسيم أو معاهدات مخالقة لقاعدة آمرة في القانون الدولي، فسوف تكون هذه التشريعات الصادرة عن الكنيست الإسرائيلي بحكم المعدومة، لأنها خالفت قواعد القانون الدولي مما سيحمّل إسرائيل المسؤولية القانونية عن ذلك.