هل يمكن استدعاء سيد قطب من جديد؟

جمال عبد الناصر (يمين) وسيد قطب (الجزيرة)

أعادني الجدل الذي انطلق بمناسبة إصدار الصديق العزيز الدكتور عصام تليمة للطبعة الأولى من الظلال لأفكار سيد قطب رحمه الله، بعد أن أنهيت رسالتي للماجستير عن "الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية" بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة 1993، وأعود إليه بعد 30 عاما تقريبا، وقد عشت في "ظلاله" سنين عددا لإنهاء رسالتي.

وبالرغم من الطلب المتكرر لإعادة نشر الرسالة بعد أن نفدت في أواخر العقد الأخير من القرن الماضي، إلا أنني رفضت لأسباب لا تتعلق بالقديم والجديد من فكر قطب، كما هو مثار الآن، لكن الدوافع عندي مبعثها الإمكانيات السياسية التي يتيحها مفهوم الحاكمية على مستوى التنظير السياسي لتقييد تغول الدولة المعاصرة، وهو ما آمل أن يعمل عليه أحد الشباب النابهين.

نشأ قطب بفكره في مواجهة قوة التبشير بالانتصار على الاستعمار والصهيونية والتفاوت الطبقي. و"الجيل القرآني الفريد" يواجه هيمنة الدولة على مؤسسات التنشئة، و"لا إله إلا الله منهج حياة" في مواجهة أيديولوجيا الاشتراكية العربية التي يبشر بها النظام الناصري

انتهيت وقتها في الرسالة وقد أعدت تفكيك وبناء مفهوميّ "الحاكمية والجاهلية" إلى عدد من النتائج التي التقطها المستشار طارق البشري -رحمه الله- بألمعيته المعروفة عند تحكيم الرسالة للنشر في المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

  1. أولا: مفهوما الحاكمية والجاهلية من المفاهيم الإسلامية الأصيلة، إلا أنهما -وليس كما قدمهما قطب- لا يعدان في الواقع مفاهيم مثالية متمايزة ومنفصلة عن بعضهما البعض؛ بل يختلطان ويمتزجان في سلوك الفرد، وبين أوساط المجتمعات، وعلى مستوى الدولة والنظم؛ وفي هذا قضاء على الأيديولوجيا القطبية التي قامت على تقديمهما (الحاكمية والجاهلية) باعتبارهما نمطين مثاليين مثل "مرج البحرين لا يلتقيان" أبدا.
  2. ثانيا: الإمكانيات النظرية لهذين المفهومين، ومن مدخل النظرية السياسية وعلى خلاف ما تصور قطب، تفتح على موضوعات هي من صلب الاشتغال للعقل الفلسفي المعاصر من قبيل:
  • تقييد سلطة الدولة من خارجها وبفكرة مفارقة لها وليست من صلبها، أي تقييد تغولها بإطار قيمي فوقها يحكم تصرفاتها التي هي من طبيعة متغولة على مواطنيها، وقد تجسد ذلك في أشكال نظامية ومؤسسية في التاريخ الحضاري الإسلامي من علاقة بين القضاة والفقهاء وبين الخلفاء، أي بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية بتعبيرنا المعاصر، فقد استقل الفقهاء بالتشريع والقضاة بإصدار الأحكام عن الخلفاء والولاة نتيجة إمكانية الرجوع للشريعة لإنشاء أحكامهم وفقههم.
  • كما أن مفهوم الحاكمية وبخلاف ما أنتج قطب جعلنا نفتح عقولنا على التعددية بأوسع معناها؛ لأنه إذا انفرد الله بالحاكمية فلا يستطيع أحد أن يدّعيها لنفسه، وكما ورد في الحديث "لا تنزلهم على حكم الله، وإنما أنزلهم على حكمك لأنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا". وإذا انقطع الوحي فلا تطابق بين النص والواقع، وإنما تظل الفجوة بينهما لتُملأ بالاجتهاد الذي يتسع معناه فلا يقتصر على أقوال الفقهاء وإنما يمتد ليشمل اجتهاد المسلم والمسلمين وما يُنشئون من نظم ليعيشوا زمنهم بالإسلام.

3. ثالثا: في طبعة قطب الأخيرة -وأؤكد هنا على عبارة "طبعته الأخيرة" وهو انحياز لما قدمه تليمة في مقدمة الظلال الجديدة وما أكد عليه الصديق الدكتور معتز الخطيب في مقاله– نشأت أفكاره لمواجهة مشروع دولة ما بعد الاستقلال كما ظهرت مع عبد الناصر، ولذا فبمقدار استمرار صيغة هذه الدولة بمقدار استمرار التمثلات التي أنتجتها من أفكار وحركات ومناهج نظرية، وفي رأيي أن دولة يوليو/تموز 1952 وتمثلاتها من إسلام سياسي وأيديولوجيات ليبرالية واشتراكية وقومية/ ناصرية قد انتهت؛ والانتهاء لا يعني عدم البقاء، ولكنه يعني وجودها على الهامش إلى أن يجري التجديد عليها، ولا أدري في حال أنها جرت عليها سنن التجديد والتغيير هل يجب أن تبقى على حالها أم لا؟

قامت دولة يوليو/تموز 1952 على الثنائيات المتعارضة؛ قطاع عام في مقابل الخاص، ونحن في مواجهة الغرب الاستعماري، وإحلال الواردات في مقابل الانفتاح الاقتصادي، كما استندت إلى المفاهيم الكلية المصمتة من قبيل القومية العربية والتنمية، وحملت قوة تبشيرية بمستقبل زاهر تستعيد فيه الأمة مكانتها التاريخية وتسترد فلسطين بالانتصار على الكيان الصهيوني، وتقضي على الاستعمار والاستغلال.

قطب كان الوجه الآخر للعملة، وكما يقولون لا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يفل المطلق إلا المطلق من جنسه ومن مادته. والحاكمية هي المقابل الموضوعي للدولة الناصرية ودولة ما بعد الاستقلال، والتبشير باستئناف حياة إسلامية تعطلت منذ انتهاء الخلافة الراشدة سنة 40 هـ، فنشأ قطب بفكره في مواجهة قوة التبشير بالانتصار على الاستعمار والصهيونية والتفاوت الطبقي. و"الجيل القرآني الفريد" يواجه هيمنة الدولة على مؤسسات التنشئة، و"لا إله إلا الله منهج حياة" في مواجهة أيديولوجيا الاشتراكية العربية التي يبشر بها النظام الناصري.

نحن بإزاء مشروعين في مواجهة بعضهما البعض، وبرغم ما بينهما من صراع محتدم، إلا أنهما ينتميان إلى نفس البنية الفكرية والمعرفية التي قامت على الثنائيات المطلقة المتعارضة، وهي بالمناسبة نفس البنية التي حكمت التفكير العربي على مدار القرن الـ20 كله، وأنتجت البنّا كما أنتجت قطب، وأنتجت الإسلام السياسي كما أنتجت الاشتراكية والرأسمالية.

 بعض مكونات خطاب قطب سيتم تطويرها على الأطراف وفي المناطق التي يستشعر فيها المسلمون بالتهديد الوجودي مثل جنوب آسيا وشبه القارة الهندية كجزء من خطاب مقاومة العولمة والحفاظ على الهوية

محددات الاستدعاء

محددات الاستدعاء هي 4 محددات متداخلة متفاعلة مع بعضها البعض:

المحدد الأول: تكتسب الأفكار قوة دفع مما يقف وراءها من حركات وتنظيمات، وانتشارهما (الأفكار والحركات) هو ما يغذي كلا منهما، وانحسار أحدهما هو انحسار للآخر بالضرورة. وقد رأى البعض أن احتدام الجدل حول الطبعة الحالية من الظلال هو محاولة يائسة لاستعادة التنظيمات السياسية الإسلامية التي تأسست على فكر قطب أو استهلكته ووظفته لقوة مشروعها، ولكنه استدعاء في زمن غير الزمن ووقت غير الوقت، ومع الأسف فإنه يحول دون القيام بالمهمة المطلوبة وهو تجديد مشروعها بما يوافق اللحظة المعرفية الجديدة.

وقد استخدم الإخوان سيد قطب لأهداف عدة أهمها:

  • تأكيد المهمة الأساسية والوظيفة الجوهرية التي نذروا أنفسهم لها، وهي استئناف حياة إسلامية معطلة، ومن أجل هذا الاستئناف كان المطلوب منهم هو القضاء على الحواف الحادة لمشروع قطب، هذه الحواف المتمثلة في فصل أنفسهم عن الواقع ووصمه بالجاهلية، لذا فقد فصلوا بين المعتقد الأساسي في مشروعه بوصف الواقع بالجاهلية وبين قوة المشروع التعبوية والعاطفية التي تنبع من البنية المذهلة لخطابه وأسلوبه الساحر.
  • لعب قطب بالنسبة للإخوان وغيرهم من التنظيمات الإسلامية مثل السروريين (التيار الصحوي، أو السلفية الحركية) والسلفية الجهادية وتنظيم القاعدة وبعض فصائل السلفية السياسية، دورا مهما في خلق التماسك بين الأعضاء، تمهيدا للتحكم والسيطرة عليهم. فقد أضفى قطب مفهوم القداسة على "الجيل القرآني الفريد" الذي كتب عنه وله، لأن هذا الجيل هو المنوط به استعادة الحياة الإسلامية في مواجهة الجاهلية التي انتشرت في كل مكان، وإذا صار التنظيم مقدسا بحكم مهمته فكل ما يدور داخله يكون مقدسا بالضرورة.

المحدد الثاني: تأثرت حركات القاعدة والسلفية الجهادية إلى حد ما بخطاب قطب، إلا أن الملاحظة الجديرة بالاعتبار أن "داعش" وتنظيمات العنف التي نشأت بعد تراجع الربيع العربي قد خلت تماما من أفكار قطب، بل إنها تجاوزت الحركات التقليدية التي قامت على التربية العقائدية واستندت إلى الأيديولوجيا لتتأسس ممارساتها على المظالم السياسية، وتقوم تعبئتها على ثقافة الصورة المعولمة.

المحدد الثالث: تدين الشباب، حيث يعدّ تدين الشباب في الزمن المعاصر متجاوزا لبنية الفكر القطبي الكلي الشامل؛ فهو تدين شبكي لا يقوم على التنظيمات، ولا يستند إلى أفكار كلية شاملة بل يرتكز إلى التجريب والممارسة العملية، ومن خصائصه التحول والتغير الدائم بما لا يمكن الحديث عن أنماط تحكمه، فهو متشظٍ، ويتعامل مع الخطابات الدينية بمنطق الاستهلاك الشره للرموز والأفكار والخطابات.

وما نحب أن نؤكد عليه أن الإسلام في التطبيق المعاصر لم يعد بنية متمايزة عن البنيات الأخرى من حداثة وعلمانية ورأسمالية أو اشتراكية، كما يطرح قطب، والأهم أن النقطة المركزية التي أنشأ قطب مشروعه الفكري لمواجهتها -وأقصد هنا الدول- لم تعد كذلك؛ فقد نشأ بجوارها وفي القلب منها فاعلون آخرون قد يتقدمون ويتفوقون عليها بمراحل.

الخلاصة في هذه النقطة: أن العالم المعاصر لم تعد تحكمه الثنائيات الجامدة المتعارضة، ولم تعد الدولة الفاعل الرئيسي فيه فبجوارها فاعلون كثُر، والأهم أنه لم تعد هناك نقاط أو أطر مرجعية كلية تفسر الوجود البشري وترسم سر الوجود الإنساني، وإنما تحولنا عن الأيدولوجيا إلى عدد من القضايا التي يتفاعل معها العالم وتتوزع عليه قواه مثل البيئة وحقوق الإنسان والجندر والعنصرية وتوحش الشرطة، وغير ذلك.

المحدد الرابع: هو النتيجتان اللتان نشأتا عن هذه المحددات السابقة، الأولى أن خطاب قطب لن يكون بأي حال خطابا سائدا أو مهيمنا، ولكنه -وهو النتيجة الثانية- سيظل خطاب مقاومة راديكالية مثل كل الخطابات القومية المتطرفة لمقاومة العولمة والتعددية. وهكذا؛ فإن بعض مكونات خطاب قطب سيتم تطويرها على الأطراف وفي المناطق التي يستشعر فيها المسلمون بالتهديد الوجودي مثل جنوب آسيا وشبه القارة الهندية كجزء من خطاب مقاومة العولمة والحفاظ على الهوية.

ذكر لي أحد الأصدقاء أنه في أواخر السبيعنيات من القرن الماضي  أهدى أستاذنا الدكتور حامد ربيع -أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة – بعضا من كتب سيد قطب، ولم يكن يعرفه فسأل عنه. أخبره صديقي أن عبدالناصر أعدمه بسبب كتاب "معالم في الطريق". قال له أستاذنا وقد كانت من لوازم قوله: "غبي لا يفهم شيئا" – يقصد عبدالناصر –  بل إن أراد أن يعدمه فليكن من أجل كتاب "خصائص التصور الإسلامي"، أقول قليل من يتنبه إلي هذا الكتاب لأنه بحق ثورة في التفكير الإسلامي المعاصر.
نحن بذلك أمام موقفين من قطب أحدهما سياسي يدرك أن وراء الأفكار تنظيم  – كما قال عبدالناصر بعد أن قرأ المعالم – وآخر فكري  يؤسس بها تنظيم كما جرى من بعض الحركات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.