"في ظلال القرآن" (3) | سيد قطب بين الناقد الفني والمفكر الحركي

قامت أعمال سيد قطب القرآنية على أساسين: التجربة الدينية الفردية التي عاشها في طفولته ونشأته، والجانب النقدي الفني الذي أولع به ونظّر له بوصفه ناقدًا فنيًّا.

ومع ذلك، لا يمكن فصل النقد الفني عن الجانب الوجداني والشعوري عمومًا لدى سيد قطب، هذا إن لم يكن للتكوين الخاص للطفل سيد أثر في انصرافه إلى فكرة النقد الفني والتنظير له وتطبيقه على الأدب أولاً ثم على القرآن ثانيًا. أي أن النسخة الأولى من الظلال كانت استمرارًا لمشروع النقد الفني الذي سيتراجع -مع سيد الثاني- ليصبح خادمًا للفكرة الدينية في النسخة الثانية من الظلال.

كان سيد واعيًا بأنه يقدم رؤية خارجة على مألوف الأدب والبلاغة أصالةً، وقد أفصح عن تفرده بالبحث عن جمال القرآن بالقول إنه "نحو خاص غير مسبوق"، وذلك في رده على بعض نقاده سنة 1945

يمكن أن نقف في النسخة الشائعة من كتاب الظلال على سمتين رئيسيتين: تحليل الجانب الفني الأدبي في الخطاب القرآني، وإيجاد سند نصي للحركية الإسلامية التي تقطع مع المجتمع القائم الموصوف "بالجاهلي" من جهة، وتنشد بناء المجتمع المسلم والدولة المسلمة من جهة أخرى. فإذا كان مشروع سيد الأول هو "النقد الفني"، وهو مشروع برز لديه منذ أواخر الثلاثينيات ولم يغادره حتى استشهاده؛ فإن مشروع سيد الثاني هو "حاكمية القرآن" في المجتمع والدولة. أي أن سيدًا انتقل من مرحلة التمييز الواضح بين المنهجين الفني والديني مع انحياز شديد ومتكرر للمنهج الفني، إلى مرحلة تسخير المنهج الفني للمنهج الديني، ومن ثم طغى المنهج الحركي على النسخة الثانية من الظلال.

وإذا كانت استعادة سيد الأول (الناقد الفني) قد تُجنّبنا أبرز إضافات سيد الثاني (المفكر الحركي) التي أثارت -ولا تزال- الكثير من الجدل (أعني الحاكمية والجاهلية والتكفير)، فإن الإضافة المركزية التي قدمها سيد (الناقد الفني) لم تَسلم -أيضًا- من النقد، وقد انخرط سيد نفسه في التفاعل معها؛ دفاعًا عن فكرته وتعميقًا لها، بل ربما أسهمت تلك المقالات النقدية في بروز مشروع "مكتبة القرآن الجديدة" كما سيأتي.

في أواخر الثلاثينيات، خلص سيد إلى فكرتين سيكون لهما -في رأيي- أثرهما في ما بعد على مشروعه وانشغالاته:

  • الفكرة الأولى: أن "التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن" للتعبير عن طيف واسع من المدركات والمحسوسات والانفعالات والطبائع، بطريقة محسّة متخيَّلة تنطوي على صورة وحركة وإيقاع؛ فالمعنى المجرد يتحول -في القرآن- إلى صورة متحركة لها هيئة، والحالة النفسية ترتسم لوحةً، والنموذج (أو الطبع) الإنساني يصبح مشخّصًا حيًّا، والطبيعة البشرية تتحول إلى جسم مرئي.
  • الفكرة الثانية: أن هذا المنحى الفني في التعبير مكّن سيدًا من أمرين: أولهما أن القرآن مرجع أدبيّ أو نموذج يُحتذى به في التعبير الفني؛ فطريقته في "التصوير والتظليل" هي "أعلى طريقة فنية للأداء"، وتفرده بذلك "دليل فنيّ" على مصدر القرآن. ولذلك يجب تَمَلّي تلك الطريقة والإفادة منها؛ لأن نقلها إلى عالم الأدب خليق بأن يرتقي به إلى آفاق لم يصل إليها. وهذا المنحى لم يلتفت إليه المفسرون السابقون؛ إلا نادرا مع عبد القاهر الجرجاني وفلتات مع أبي القاسم الزمخشري؛ بما يتناسب مع عصرهما، ومن هنا نفهم لماذا أهدى سيد كتاب "النقد الفني" إلى عبد القاهر الجرجاني الذي وصفه بأنه "أول ناقد عربي أقام النقد الأدبي على أسس علمية نظرية، ولم يطمس بذلك روحه الأدبية الفنية".

وثانيهما تقديم تقويم نقدي للأدب العربي وتاريخه؛ بالنظر إلى النموذج القرآني. وهذا الموقف النقدي يقوم على عدة نقاط حسب قراءتي لسيد:

  1. أن الأدب العربي -في جملته- تعنيه "المعاني" (أي الأفكار) أكثر مما تعنيه "الحالات النفسية"، ومن ثم فإن التعبير فيه إنما يُعنى بهذه المعاني الكلية (الحسية أو الذهنية) أكثر مما يُعنى بالإنسان نفسه.
  2. أن الأدب العربي "لم ينتفع الانتفاع الواجب بكتاب الإسلام المقدس كما انتفعت آداب الأمم المسيحية بكتابهم المقدس من الوجهة الفنية". فـ"كل تجلية لطريقة القرآن الأدبية ولمواضع الجمال فيها على طريقة فنية شاملة" هي كسب للأدب العربي، و"توسيع لآفاق النظر الفنية للبلاغة، واتجاه بها إلى النقد الفني الذي كان يجب أن تصير إليه لو لم تركد عند القواعد البلاغية الجافة".ويفصح سيد في بعض مقالاته عن أن "نيته الكبرى" هي "أن يتوجه البحث في جمال التعبير القرآني كله هذا الاتجاه، وأن ننظر إلى هذا الجمال الخالد من زاوية أخرى غير الزاوية البلاغية المعهودة القائمة على أساس المعاني والألفاظ".
  3. إعادة تفسير أسباب ضعف الشعر في أوائل العهد الإسلامي بالقياس إلى العصر الجاهلي، وهي مسألة نوقشت في تاريخ الأدب العربي، ولكن سيدًا يذهب في 1946 إلى تقديم تفسير جديد لها، وهو أن السبب الأساسي "كامن في نسيج القرآن ذاته"، وهو أن "الجمال الفني في القرآن كان من القوة والضخامة بحيث بدَهَ الحسّ العربي بمفاجأة عنيفة، وكان وحده كافيا لتغذية مشاعر العرب وإشباع الحاسة الفنية في نفوسهم بزاد أجمل من زاد الشعر الذي عرفوه وأقوى". وهذا الجمال الفني سيقودنا -مع سيد- إلى التصوير الفني والتخييل مجددًا.

كان سيد واعيًا بأنه يقدم رؤية خارجة على مألوف الأدب والبلاغة أصالةً، وقد أفصح عن تفرده بالبحث عن جمال القرآن بالقول إنه "نحو خاص غير مسبوق"، وذلك في رده على بعض نقاده سنة 1945. ويبدو أن فكرة الخروج بنظرية جديدة كانت تشغل بعض أبناء جيله أيضًا، فهذا عبد المنعم خلاف نشر كتابًا بعنوان "أومن بالإنسان"، ظنّ فيه أنه جاء بنظرية جديدة تعيد اكتشاف مركزية الإنسان وسموه، ولكن الشيخ مصطفى عبد الرازق حثّ خلّاف -في مقدمته للكتاب- على أن يستثمر تأملاته الفلسفية في أن يأتي بجديد حقًّا. وكان سيد قد قرأ كتاب خلّاف فأثار لديه بعض النقد، ولكن مرض سيد الذي استمر نحو 3 أشهر حال دون أن يترجم أفكاره إلى شيء مكتوب. أدرك خلّاف نفسه أهمية الإضافة التي قدمها سيد في ما سبق، ولذلك يبدو أنه حار في تصنيف كتاب "التصوير الفني" فوضعه في خانة مكتبة القرآن، وبحوث البلاغة والنقد الأدبي، والأدب الفني، والفن أي التصوير بالريشة والإزميل، والبحث المستقصى والتتبع والتحقيق.

ومع ذلك، أثارت إضافة سيد بعض النقد عبر صفحات بعض المجلات البارزة منتصف الأربعينيات من القرن العشرين، فخلّاف نفسه اعترض على كون "التصوير الفني" هو قاعدة القرآن أو "الأداة المفضلة في القرآن"؛ بحجة أننا "لسنا أمام كتاب فني يُقَدَّر بمجموعه لا بأجزائه؛ بل أمام كتاب يتحدى بسورة واحدة منه". وقد اعترض خلاف أيضًا على ذلك الربط الذي أقامه سيد بين "التصوير الفني" من جهة، و"سر إعجاز القرآن" من جهة أخرى؛ لأن هذا الربط يعني أن ثمة تطابقًا "بين القرآن وبين المعهود من سنن الطبيعة في البلاغة البشرية العبقرية"، ومن ثم يمكن أن "يُلحق القرآن بالآثار البلاغية الشائعة" في الصنعة البشرية.

ويبدو أن هذا الالتباس سرى -كذلك- إلى نجيب محفوظ الذي اعترض على استعمال سيد تعبير "النماذج الإنسانية" في سياق حديثه عن "الطبائع البشرية والسجايا النفسية"؛ وكأن نجيبًا فهم أن سيدًا يعني بـ"النموذج" هنا ما تعنيه اللفظة الإنجليزية (moral model) أي ما يُحتذى به، ثم وجّه نجيب نقدًا لسيد بصيغة سؤال؛ إذ رأى أن سيدًا تحدث عن "التصوير والتخييل والتجسيم والتناسق الفني، وكل أولئك روح الشعر ولبابه قبل أي شيء آخر"، ثم كتب مخاطبًا سيدًا "أفلم يخطر لك أن تحدد أي نوعٍ كلامُ القرآن على ضوء بحثك هذا؟"

يبدو أن هذا التفاعل النقدي مع إسهام سيد، والردود والردود المضادة، دفع سيدًا في منتصف الأربعينيات إلى تعميق أفكاره وتأملاته، ومن ثم تَطور لديه -فيما يبدو- تصور عما سماه "مكتبة القرآن الجديدة"، وهو تعبير ظهر أول مرة فيما أعرف في مقدمة كتاب "مشاهد القيامة في القرآن" (1947)، وقد عدّه سيد الكتاب الثاني بعد "التصوير الفني" (1945) من كتب تلك المكتبة التي ستضم أيضًا: "القصة بين التوراة والقرآن"، و"النماذج الإنسانية في القرآن" و"المنطق الوجداني في القرآن" و"أساليب العرض الفني في القرآن"، وكل هذه تفريعات على نظرية التصوير الفني.

ولكن المتأمل لمحتويات تلك المكتبة التي لم تكتمل فيما يبدو، سيجد أنها -جميعًا- تدور حول "المنهج الفني" للناقد سيد قطب؛ المنهج الذي نظّر له في "التصوير الفني"، ودافع عنه -بقوة- في ردوده على نقاد كتابه منتصف الأربعينيات، ثم تعمق لديه في كتاب "النقد الأدبي" الذي نشره مطلع الخمسينيات. وسأوضح ذلك من 3 جهات: المفهوم، والمنهج، والردود التي كتبها ردًّا على نقاده.

أولا من جهة المفهوم

تعبر عناوين "مكتبة القرآن الجديدة" عن سعة مفهوم "التصوير الفني" لدى سيد، وكان عبد المنعم خلّاف أوضح -في رد على قطب- أن "التصوير الفني أداة واحدة من أدوات التعبير الكثيرة في القرآن، وليست هي الغالبة ولا الكثيرة"، وساق 5 طرائق للتعبير القرآني، هي:

  • أن القرآن تارة يعبر عن المعنى المراد بالتعبير متكافئ المعنى واللفظ الذي يستخدم الألفاظ الوضعية وحدها.
  • وتارة يستعير لفظة واحدة من غير أسرة الألفاظ التي في الجملة؛ ليحرك بها الخيال ويلمس الحس لمسًا رقيقًا.
  • وتارة تكون ألفاظ الحقيقة وملابسات الخيال متساوية.
  • وتارة تكون ملابسات التصوير وإثارة الخيال هي الغالبة.
  • وتارة تكون هي الكل.

ولكن سيدًا أوضح في رده على خلاف أن 4 من تلك الطرائق الخمس هي ما يعنيه بمصطلح "التصوير الفني"، ولا يخرج عن ذلك المصطلح سوى "الطريقة الذهنية المجردة"، وللدقة فإن سيدًا لا يحصر سر الإعجاز في التصوير الفني فقط كما فهم خلاف.

ثانيا: من جهة المنج

يرى سيد أن "وظيفة النقد الأدبي وغايته" تتلخص في "تقويم العمل الأدبي من الناحية الفنية، وبيان قيمته الموضوعية وقيمه التعبيرية والشعورية (…) وتحديد ما أضافه إلى التراث الأدبي في لغته". فغاية العمل الأدبي تكمن في ذاته عند سيد، و"التجارب الشعورية" هي مادة التعبير الأدبي، ومن ثم فمن العسير أن يُفصل بين التجربة الشعورية والتجربة التعبيرية لديه، وإن كانت الأولى أسبق من الثانية وجودًا، ولكنها إن لم يُعبَّر عنها لا تكتمل ولا تكون فنًّا.

ومن يقف على تفاصيل هذه المعاني الثلاثة في "النقد الأدبي" لسيد (أعني وظيفة النقد الأدبي، وغايته، ودور التجربة الشعورية فيه)، يدرك أهمية تلك الفكرة التي تتكرر لدى سيد، سواء في ما أصدره من "مكتبة القرآن الجديدة" أم في مقالاته ذات الصلة أو في النسخة الأولى من كتاب الظلال، وهي أن همّ سيد كله "موجه إلى الجانب الفني الخالص"، و"الوجهة الفنية البحتة"، و"مقام البحث الفني لا البحث الديني"، وأن هدفه "فني خالص محض"؛ بحيث لا يتأثر فيه إلا "بحاسة الناقد الفني المستقل"، وأن مقاربته للقرآن فنية. هذه عبارات تَرد في كتابات مختلفة لسيد، ولكنها تثير -في الوقت نفسه- أمرين:

  • الأمر الأول: علاقة الدين بالفن، فهنا يقرر سيد في الطبعة الثالثة من كتاب "التصوير الفني" أن "الدين لا يقف في طريق البحوث الفنية والعلمية التي تتناول مقدساته تناولا طليقًا من كل قيد"، ويعتقد -في مقال له عن "دروس في التفسير"- أن "في كل عقيدة دينية قسطًا أصيلا من الفن"، وأن القرآن قد تكفل "بتحقيق هذا القسط الفني من دون أن يُخل بنصوع العقيدة وبساطتها" من خلال التصوير الفني. ولكن الفارق أن "وجهة القرآن الدينية" جعلت التصوير الفني أداة "خاصة بأغراض الدعوة الإسلامية"، في حين أن سيدًا يريد أن يستثمر ذلك في الأدب؛ بعيدًا عن المباحث الدينية والدعوية؛ لأن وظيفة الفن الأولى -حسب سيد- هي "إثارة الانفعالات الوجدانية وإشاعة اللذة بهذه الإثارة (…) وتغذية الخيال بالصور".
  • الأمر الثاني: استعادة القرآن بوصفه نصًّا فنيًّا، ومن ثم فإن هدف سيد في كتابيه المؤسِّسيْن لـ"مكتبة القرآن الجديدة" (أعني "التصوير الفني" و"مشاهد القيامة") هو أن يعيد "القرآن في إحساسنا جديدًا؛ كما تلقاه العرب أول مرة فسُحروا به أجمعين"، و"أن تُبرز فيه الناحية الفنية، وتُستخلص خصائصه الأدبية". هذا المقصد الأعظم لدى سيد من شأنه أن "يستنقذ القرآن من ركام التفسيرات اللغوية والنحوية والفقهية والتاريخية والأسطورية أيضًا"، وأن يستعيد نص القرآن كما كان "قبل أن يعقّده المفسرون والمؤولون"، وهو النقد الذي ردده سيد أكثر من مرة، سواء في كتاب الظلال أو في أعماله الأخرى، وهو ما يؤكد فكرة الخروج على تقاليد التفسير التي عاد إلى بعضها في النسخة الثانية من الظلال، كما أوضحت في المقال السابق.

أراد سيد الأول إذن أن يكشف -من خلال "مكتبة القرآن الجديدة"- عن الجانب الفني في القرآن؛ لخدمة المنهج الفني وغاياته الكامنة في ذاته. أما سيد الثاني -ممثَّلا في النسخة الثانية من الظلال- فقد عاد إلى "الوجهة الدينية" للقرآن نفسه؛ لخدمة أغراض الحركة الإسلامية مستخدمًا التعبير الفني. أي أن مقاصد سيد الناقد الفني الذي كتب عن "النقد الأدبي" وعن "مهمة الشاعر"، وكان مشغولا بما يلائم "طبيعة الفنون"، تختلف عن مقاصد سيد المنظّر الحركي؛ من دون أن يعني ذلك أن سيدًا تخلى تمامًا عن أدوات النقد الفني وتطبيقاته.

أما من جهة ردود سيد على نقاده:

فسنجد أن أعمال سيد القرآنية اللاحقة هي تفصيل لنظريته في التصوير الفني آخذًا في الاعتبار انتقادات خلّاف له، فقد رأى أنه إنْ وُفِّق لإصدار بقية "مكتبة القرآن الجديدة"، فسيجد الناس مصداق فكرته حول التصوير الفني، وستستريح ضمائرهم كما استراح ضميره لها. فالتعبير عن المعاني في صورة مشخصة يخاطب "الحس والوجدان" ليصل إلى النفس من منافذ شتى: الحواس بالتخييل والإيقاع، والوجدان المنفعل بالأصداء والأضواء، والذهن (أو العقل) الذي لا يعدو أن يكون أحد منافذ المعاني إلى النفس وليس هو المنفذ الوحيد ولا الرئيس. وهذا يعني أن التعبير المجرد الذي يخاطب العقل يتراجع لدى سيد إلى مرتبة متأخرة؛ لأنه لا يتناسب مع "طبيعة الفنون" التي هي المقصود الأعظم هنا، كما أن طريقة التعبير التي تخاطب العقل تُفقد المعنى "ظلاله الجميلة". ولأجل هذا عاد سيد في "مشاهد القيامة" إلى تأكيد أن أكثر من 3 أرباع القرآن تستخدم طريقة التعبير المصوّر، أي باستثناء الربع الذي يتضمن التشريع والجدل والتقرير الذهني المجرد، وذلك ردّ مكرر على خلّاف.

والناظر في مشروع سيد الأول القائم على فكرة التصوير الفني لا يخطئ مركزية الوجدان فيه وأولويته على العقل وطريقته في التعبير المجرد، وهو سر احتفاظ سيد بمفردة "الظلال" عنوانًا لكتابه الذي اختزن -في رأيي- "مكتبة القرآن الجديدة"، حيث تجاوز فيه المعنى إلى ظلال المعنى، تلك الظلال التي تنطوي على صورة وحركة وإيقاع، والتي تخاطب الحس والوجدان، "وتطبع في النفس صورة من صنع الخيال". وهذه طريقة تليق بـ"طبيعة الفنون"، وهو التعبير الأثير لدى سيد الأول.

ثمة نصيب وافرٌ لسيد الطفل في ذلك الوجدان، لا سيما أنه كتب "طفل من القرية"، وأن التجربة التعبيرية والتجربة الشعورية لا تنفكان عند سيد وفيه، ويتبدى ذلك في مواضع عديدة من كتبه: كإهداءات كتبه، ومقدمات أعماله. فكتاب "التصوير الفني" أهداه لأمه التي كانت مولعة بالاستماع إلى مرتلي القرآن، وقد كان يصحبها، ومنها تعلم الانفعال بالقرآن وإن لم يدرك المعنى فإنه أمسك بظلاله. وكتاب "مشاهد القيامة" أهداه لأبيه الذي كان نموذجًا لمن خوفُه من اليوم الآخر يصوغ سلوكه الأخلاقيّ الذي شكل نموذجًا يُحتذى لسيد: حالا ومقالا. وفي مقدمة كتاب "التصوير الفني" يستعرض سيد تلك الصور والخيالات والانفعالات التي كانت ترتسم في وجدانه حين كان يقرأ آيات مخصوصة وهو طفل.

ولوجدان الطفولة -كذلك- أثره في نفور سيد المتكرر من كل ما يعكر تلك الانفعالات والخيالات التي تشكلت في وعيه، من ذلك نفوره من كتب التفسير التي صرفت عنه لذة الاستماع إلى القرآن التي كان يجدها أيام الطفولة، ومن ثم كان مرجعه في كتاب "التصوير الفني" هو المصحف (ويصدق هذا إلى حد ما على النسخة الأولى من الظلال).

يبدو أن ما بدا للطفل سيد من صور أثناء طفولته تحول إلى "القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض فيما عدا غرض التشريع"، ومن ثم حين انتهى من كتاب "التصوير الفني" قال "وجدتني أشهد في نفسي مولد القرآن من جديد"؛ فهو في نفسه "جملة موحدة تقوم على قاعدة خاصة"، وهذا يفسر تمسكه -في كل أحواله- بمفردتي الخواطر والظلال في الحديث عن كتابه، والله أعلم.