الدراما البدوية.. هل أسهمت في تشويه صورة العرب؟

حياة البداوة شكلت مصدر قوة استخدمها الأمير عبد القادر في كفاحه وصموده أمام الجيش الفرنسي لسنوات طويلة (شترستوك)

الصورة الذهنية الإيجابية للشعوب والدول واحدة من مصادر ثروتها وقوتها الناعمة، صورة الدول التاريخية أيضا تسهم في بناء تصور حضاري واضح لها في أذهان الشعوب الأخرى.

تشويه هذه الصورة يشكل أزمة تحتاج ممن يهتم بها إلى حلول إبداعية وتفكير جديد في استخدام وسائل الإعلام لتقديم الصورة الحقيقية، وقصة الشعب الذي أُسيء لصورته الذهنية والتاريخية.

لذلك، كان اهتمامي منذ عشرات السنين بصورة العرب في وسائل الإعلام الغربية، وأوضحت في دراساتي أن تحيز هذه الوسائل ضد العرب من أهم العوامل التي أدت إلى تصويرهم بشكل سلبي، وبناء صورة نمطية لهم تقوم على سمات تثير الكراهية والاحتقار، وتبرر الجرائم الاستعمارية الغربية ضدهم.

الظلم الغربي والاستشراق

إن الصورة النمطية السلبية التي شكلتها وسائل الإعلام الغربية للعرب كانت من أهم أشكال الظلم الذي تعرضوا له منذ نهاية القرن الـ18 حين أسهم المستشرقون في بناء هذه الصورة، فقامت صناعة الدراما الغربية بالاعتماد على كتب المستشرقين ودراساتهم في إنتاج الأفلام الوثائقية والدرامية والمسلسلات التي جعلت الصورة النمطية للعرب والمسلمين أبعد ما تكون عن حقيقتها، ولكنها أقرب لما أراد المستشرقون أن يروها عليه.

كان هدف المستشرقين الأول هو تبرير الاستعمار وإرضاء الضمير الغربي وإعادة النظر إليه كبطل أنقذ الشعوب المتخلفة من الجهل، وذلك عبر الترويج لفكرته الرئيسية التي قامت عليها الموجة الاستعمارية الغربية الحديثة وهي أنه يقوم بالعبء التاريخي الذي يفرض على الرجل الأبيض أن يقوم بدوره في تمدين البشرية.

ولتبرير المذابح التي ارتكبتها الدول الاستعمارية ضد العرب، قام المستشرقون بإنتاج صورة سلبية للشخصية العربية، كانت أهم سماتها البدائية والتخلف والغدر والقسوة واضطهاد المرأة. اعتمدت صناعة الدراما الغربية على هذه السمات في بناء صورة تقلل من إنسانية العربي في الخيال الغربي، وتجعل الغربي لا يشعر بالذنب عندما يقوم بقتله؛ فهو لا يقتل إنسانا كامل الإنسانية مثل الغربي ولكنه إنسان يتسم بالعديد من الصفات التي تجعله في نظر الغربي أقرب إلى الحيوان، وبالتالي فكرة القتل وقتها تكون فكرة مسوّغة.

تبرير الكراهية العنصرية

هذه الصورة النمطية السلبية التي شكلتها صناعة الدراما الغربية تثير الكراهية العنصرية الغربية ضد العرب وهي ما زالت تغذي العداء والكراهية ومشاعر الاحتقار في الغرب ضد العرب الذين يتم وصفهم بشكل مستمر بالتخلف، اعتمادا على المفهوم الغربي الذي قدموه لمجتمعاتهم وهو أن التقدم يعني التقدم المادي وحده.

إن إنتاج هذه الصورة السلبية تشكل أساسا للحرب، ولا يمكن الفصل بين صناعة الدراما والثقافة والأيديولوجيا والسياسة، وإذا كانت الجيوش الأوروبية والأميركية قد استخدمت النار في إبادة ملايين العرب منذ الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 حتى العدوان الأميركي على العراق، فإن صناعة الدراما كانت تخوض حرب الصور وتبني صورة للشخصية العربية تبرر للغربي إبادة العرب بالأسلحة النارية.

رواية العرب قصتهم الحقيقية

لقد قررت أن أدرس الإعلام في الجامعات، وأن أكافح لبناء صناعة عربية للإعلام، لأنني كنت أدرك أن من حق العربي أن يروي قصته للبشرية وأن منعه من رواية هذه القصة هو ظلم يتعرض له أمام مرأى ومسمع من العالم كله، لأن تلك القصة يمكن أن تقدم جوانب متميزة ونادرة لكفاحه من أجل تحقيق الحرية والعدل ودفاعه عن منظومة قيم ومبادئ تشتد حاجة العالم لها في ظل عالم تسوده النفعية والكراهية، وأن هذه القصة الحقيقية يمكن أن تسهم في تحرير البشرية من الاستعمار الثقافي، والسيطرة المادية الفردية الرأسمالية الغربية، وتوضح للشعوب إمكانيات المشاركة والتعاون لإنجاز أهداف عظيمة من أهمها المحافظة على قيمة الإنسان وكرامته وحريته.

ولأنني نشأت وتربيت وعشت في البادية، وتعلمت من شيوخ العرب الحكمة والفصاحة والأصالة والمبادئ والقيم، كنت أدرك أن الشخصية العربية تمتلك كثيرا من السمات الإيجابية التي تستحق الفخر، وأن تلك السمات كان لها دورها في بناء حضارة متميزة، وفي تحقيق المجد والانتصارات.

لذلك، من حق العرب أن تكون لهم وسائل إعلامية تقوم برواية قصتهم للبشرية، وتسهم في بناء صورتهم الإيجابية الحقيقية، لذلك كنت أحلم بإنشاء قنوات تليفزيونية تقدم مضمونا متميزا يوضح تاريخ العرب وكفاحهم، وتعرض سير فرسانهم وقادتهم وأبطالهم، لكن هذا الحلم لم يتحقق حتى الآن، وسأسعى لتحقيقه ما حييت.

البداوة ليست نقيضا للحضارة!

في مؤتمر الثقافة الجماهيرية الذي عقد بمدينة مرسي مطروح عام 1989، قدم بعض الباحثين الذين ينتمون إلى حقل الدراسات المسرحية أبحاثا اعتمدوا فيها على دراسات المستشرقين عن الشخصية العربية وعن حياة البداوة باعتبارها حالة من التخلف.

أعطاني يومها أستاذ علم الاجتماع ورئيس المؤتمر الدكتور محمد حافظ دياب الفرصة للرد على هذه الدراسات ونقدها، فطالبت يومها بإنشاء حركة علمية عربية تشكل أساسا للتحرر من الاستعمار الثقافي والمفاهيم الغربية ومن المنظور الاستشراقي، لكي تتمكن من تقديم العربي في صورته الحقيقية للعالم وكشف حقائق مهمة يمكن أن تسهم في بناء المستقبل، ومن أهم هذه الحقائق السمات المتميزة الفريدة للشخصية العربية التي أسهمت في بناء الحضارة، مثل الفروسية والكفاح من أجل العدل والحرية.

تحدثت يومها عن تجربة القبائل العربية الجزائرية التي قادها الأمير عبد القادر الجزائري ضد الغزو الفرنسي، وكيف شكلت حياة البداوة مصدر قوة استخدمها الأمير عبد القادر في كفاحه وصموده أمام الجيش الفرنسي لسنوات طويلة.

كما عرضت تجارب القبائل العربية في مواجهة الاحتلال الصليبي، ودورهم في جيش صلاح الدين الأيوبي، ودور قبائل سيناء في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، واستخدمت تلك التجارب في البرهنة على أن البداوة ليست نقيضا للحضارة، ولكنها أسلوب حياة يسهم في زيادة القدرة على الصمود، ومواجهة المخاطر وعدم التركيز على الاحتياجات المادية وأنها تشكل جزءا أصيلا من التراث العربي. لذلك كان من أهم التقاليد العربية إرسال الأبناء إلى البادية ليتعلموا الفروسية والفصاحة وليكتشفوا آفاق الكون ليعيشوا فيه أحرارا وسادة وليدافعوا عن الأرض ويحموا العرض.

الدراما المصرية وشخصية البدوي

من خلال دراساتي، اكتشفت أن الدراما المصرية أسهمت في تشكيل صورة سلبية للشخصية العربية أدت إلى انتشار الكراهية العنصرية للقبائل العربية، وهذه الصورة توضح أن صناع الدراما لا يمتلكون خيالا سياسيا واجتماعيا، وأن الصورة التي يتم تقديمها لا تختلف كثيرا عن تلك الصورة التي تقدمها الدراما الغربية للشخصية العربية.

لقد حاولت تقديم مشروعات لإنتاج مسلسلات تصور كفاح قبائل سيناء ضد الاحتلال الإسرائيلي، فقد كنت أعرف كثيرا من القصص الحقيقية لأبطال قاموا بأدوار مهمة في تحقيق النصر، ويمكن أن تجذب هذه القصص المشوقة اهتمام الجماهير، لكن محاولاتي باءت بالفشل.

الدراما الأردنية.. الحاجة إلى رؤية جديدة

في السنوات الأخيرة، خصصت جزءا من وقتي لمشاهدة بعض المسلسلات البدوية الأردنية، وكنت أتمني أن أجد فيها محاولة جادة لتقديم صورة إيجابية للشخصية العربية وتقاليد العرب وكفاحهم وسأعرض هنا نموذجا واحدا هو مسلسل "نمر بن عدوان".

كنت أسمع في سنوات الصبا من شيوخ العرب حديثا عن شخصية نمر بن عدوان التي كان من أهم سماتها الكرم والفروسية، وهذا يعني أنه شخصية يمكن أن تشكل أساسا لعمل درامي يمكن أن يجذب الملايين من القبائل العربية التي تشتاق إلى زمن الفروسية والبطولات، والتي يمكن أن تمثل هذه الشخصية بعض جوانب حياتها.

آمال مكسورة

في الحلقات الأولي من المسلسل، رأيت بعض الجوانب الإيجابية مثل حب البدوي للعلم، وكفاحه للحصول عليه، وهي سمة مهمة يمكن أن نجدها في القبائل العربية، التي كان من أهم نتائجها نبوغ كثير من أبنائها وتفوقهم حتى أصبحوا علماء في الكثير من المجالات.

لذلك تصورت أن المسلسل سينطلق من حب نمر بن عدوان للعلم وإصراره للتغلب على شوقه لأمه وللديار ومتابعة تحصيل العلم في مدارس القدس، ثم الانتقال للأزهر، وتخيلت أن مؤلف المسلسل يريد التركيز على تلك السمة، خاصة أنه صوّر حب نمر بن عدوان لمصاحبة شيوخ الأزهر ورغبته في تلقي العلم منهم وأن شيخه طلب منه عندما قرر العودة إلى دياره أن يعمل بما تعلمه.

لكي يقود الكفاح

تخيلت أن البناء الدرامي يمكن أن يقوم على أن نمر بن عدوان يعود بعلمه ليوحد القبائل العربية، ويقود كفاحها لتحقيق أهداف عظيمة وأن يربط العلم بتقاليد العرب وقيمهم.

لذلك صبرت وأنا أتابع الحلقات، لكن بعد كل حلقة كنت أشعر بخيبة أمل، فبعد عودة نمر بن عدوان إلى ديار قبيلته يطلب عمه إخفاء خبر عودته عن القبيلة ويرسله إلى الصحراء ليصطاد الوحوش ليتأكد من قوته البدنية، وصلاحيته ليكون شيخا للقبيلة.

بالرغم من اعتراضي على الفكرة، لكنني تخيلت أنه يريد الربط بين العلم والفروسية والقوة البدنية، لكن مع توالي الحلقات كان شعوري بالإحباط يتزايد، فلم يكن هناك تأثير لعلمه على مواقفه وهو يعتمد على قوته البدنية، فيشارك في غزو قبيلته للقبائل الأخرى ونهب أغنامها وإبلها وهذا يشكل صورة سلبية لا تختلف عن تلك التي تصورها الدراما الغربية، وهي أحداث غير حقيقية.

قصة حب نمر بن عدوان

ركز المسلسل بعد ذلك على قصة حب نمر بن عدوان لـ"وضحى" التي رآها على النبع وهي تنتمي إلى قبيلة أخرى، فذهب ليخطبها من أهلها ويتزوجها.

تصورت أن المؤلف سينطلق من ذلك إلى تصوير كفاح نمر بن عدوان لتوحيد القبائل العربية، وبناء علاقات بينها تقوم على التعاون والمشاركة، لكن ذلك لم يحدث، فركز المسلسل على تصوير قصة حب نمر لـ"وضحى" بشكل مبالغ فيه، وهنا تصورت أنه يريد التأكيد على حماية العرب لكرامة المرأة، والتعامل معها بما يضمن لها الكثير من الحقوق التي لا تتمتع بها المرأة الغربية.

لقد ركز المسلسل على تعامل نمر مع زوجته بشكل كريم، لكن الحلقات توالت لتكشف أنه فرّط في كرامته في كثير من المواقف، فهو يصاب بالمرض لأنها غضبت منه بسبب إشاعة حول زواجه من امرأة أخرى، وقررت أن تهجره، لكنها تقوم بزيارته وهو نائم فتصيبه الحيرة بعد أن يستيقظ فلا يجدها، هل كان ذلك حلما أم حقيقة، مما يدفع رجال القبيلة للسخرية منه.

هذا الموقف ليس له أي مبرر درامي، ولا أعتقد أنه واقعي، فكرامة العربي أعز على نفسه من الحب والحياة نفسها. ثم كيف تقبل امرأة عربية إهانة كرامة زوجها وحبيبها الفارس الكريم! بذلك فقد المسلسل –بسبب تركيزه على قصة الحب– الفرص لتصوير الجوانب الإيجابية في حياة نمر بن عدوان بوصفه نموذجا لشخصية الفارس البدوي العالم الذي يدافع عن الحق والعدل.

ربط الدراما بالعلم

هذا النموذج يوضح ضرورة الربط الوثيق بين الدراما والعلم، وأن يقوم صناع الدراما بالاستعانة بخبراء الصور الذهنية الذين يمكن أن يقدموا رؤية تؤدي إلى ترشيد البناء الدرامي، وتحويل الدراما إلى مصدر لقوة الأمة.

إن الدراما ليست مجرد فن أو وسيلة للتسلية، لكنها يمكن أن تشكل أساسا لبناء المستقبل عندما تعيد للعربي الاعتزاز بشخصيته كمقاتل من أجل الحرية، وتعيد له حب الحضارة العربية وقيمها ومبادئها، لذلك تحتاج الأمة إلى دراما بدوية برؤية جديدة تسهم في رواية قصص الكفاح من أجل بناء الحضارة والتحرر من الاستعمار، لذلك يجب ربط الدراما بالعلم الذي يحدد لصناعها الأهداف، وكيفية الدفاع عن الشخصية والهوية.

هناك حاجة لإنشاء شركات لإنتاج الدراما البدوية، ليس بهدف إنتاج مسلسلات للتسلية ولكن لإنتاج مسلسلات وأفلام وثائقية وروائية تسهم في بناء صورة إيجابية للشخصية العربية، فمن الصحاري ينطلق الفرسان بقيمهم لبناء عالم جديد، وتحرير الأمة من الاستعمار الثقافي.

كما أن الأمة تحتاج لقنوات تليفزيونية جديدة تروي القصة العربية، وتحولها إلى مصدر قوة للأمة ووسيلة للتحرر من الخرافات العنصرية التي صنعها الاستعمار والمستشرقون.. ولكن كيف؟