هل سيكون عاما جديدا من الجنون؟ (3) | في مواجهة الجنون

تناولنا في أول مقالات السلسلة حالة الجنون التي تعتري السلطة العربية، والآثار الفادحة المترتبة عليها، بسبب توحّش السلطة وتمترسها وراء الشرعية الخارجية، والهيمنة الشمولية، وجبروت القبضة الأمنية، وسياسات الإقصاء والتمييز والتأزيم، وخلخلة البنية الوطنية للشعب.

ورأينا في المقال السابق كيف أدى ذلك إلى شلّ النخبة العربية بمختلف طبقاتها وفئاتها، وعرقلتها عن القيام بدورها في المساعدة على مواجهة هذا الجنون، بعد أن استمالت السلطة أكثر من 90% من النخب العربية إلى صفّها. هذا التوحّش المجنون خلق حالة من الانسداد المطبق المستعصي على الاختراق، وبالتالي لا خيار سوى الاستسلام لدوامته، والإقرار باستحالة مواجهته أو عقلنته. ولمّا كان الاستسلام في حد ذاته ضربا من الجنون، فإن الأمر يستوجب المثابرة، وعدم الانزواء في قوقعة اليأس المهلك، ومواصلة البحث عن الوصفة السحرية اللازمة لبدء عملية الإصلاح السياسي.

إن المرحلة العربية الراهنة تتطلب تغيير بوصلة الإصلاح السياسي بعيدا عن نوع نظام الحكم ومن يقف على رأسه، وتحريكها باتجاه واجبات النظام تجاه الدولة والشعب، وبعيدا عن تراكمات الفكر السياسي وأيديولوجياته المتوارثة، وبعيدا عن التصورات الغربية، التي لا ترى الإصلاح إلا من زاوية التحوّل الديمقراطي والتعددية الحزبية

الإصلاح السياسي

استخدام كلمة (الجنون) في هذه المقالات هو استخدام اصطلاحي استفزازي، يشير إلى حالة التردي السياسي التي تمر بها الدول العربية على المستويين الوطني والإقليمي، والتي تفاقمت على مدى العقود الخمسة الماضية بصورة مزرية. وتعود أسباب هذه الحالة في الأساس إلى الخلل السياسي الكبير الذي تعيشه الدول العربية، وتحافظ عليه، بدون أن تقوم بخطوات إصلاحية شاملة لمعالجته، من أجل فتح صفحة جديدة في تاريخ الأمة العربية، في مرحلة دولية انتقالية غامضة، شديدة التوتر والاضطراب.

وإذا طرحنا السؤال التالي على أي مجموعة عشوائية في الشارع العربي: هل الدول العربية بحاجة إلى إصلاح سياسي؟ فأعتقد أن الإجابة ستكون نعم بنسبة 100%. ولكن ماذا نقصد بالإصلاح السياسي؟ وفي أي جوانب؟ وكيف يكون ذلك؟ وكم يحتاج إلى وقت؟ ومن الجهة المسؤولة عن هذا القيام بهذا الإصلاح؟

هناك العديد من المؤلفات والأوراق البحثية التي تناولت موضوع الإصلاح السياسي في الدول العربية على مدى العقود الخمسة الماضية، تنطلق من فرضيات ومعايير علمية غير واقعية، لم تسهم حتى الآن في إحداث أي إصلاح حقيقي. وهذا يدعونا إلى التفكير في أطروحات أكثر واقعية، يمكنها أن تساهم في عملية الإصلاح بدون الوقوع في دوامة الصراعات الأهلية أو الإقليمية.

فدول المنطقة بحاجة إلى إصلاح سياسي يساهم في إحداث التغييرات التنظيمية والهيكلية والتشريعية والرقابية التي تساعد النظام على القيام بواجباته الأساسية تجاه الدولة والشعب على أكمل وجه ممكن، وتوفر للسلطات الحاكمة ما يلزمها للقيام بهذه الواجبات، من أجل تحقيق الاستقرار والأمن والرفاه للشعب، ضمن الضوابط الدستورية التي تنظم العلاقة التكاملية بين النظام والشعب، وتضمن عدم استغلال النظام سلطاته لخدمة تطلعاته الشخصية على حساب الدولة والشعب.

إن المرحلة العربية الراهنة تتطلب تغيير بوصلة الإصلاح السياسي بعيدا عن نوع نظام الحكم ومن يقف على رأسه، وتحريكها باتجاه واجبات النظام تجاه الدولة والشعب، بعيدا عن تراكمات الفكر السياسي وأيديولوجياته المتوارثة، وبعيدا عن التصورات الغربية التي لا ترى الإصلاح إلا من زاوية التحوّل الديمقراطي والتعددية الحزبية. وانطلاقا من ذلك؛ يمكننا تحديد أبرز جوانب الإصلاح فيما يأتي:

  1. الإصلاح التشريعي:
    الذي يزيل الالتباس المتعلق بتعريف السلطة ونوعها وواجباتها ومهامها انطلاقا من تحقيق مصلحة الوطن والشعب، وثوابته الدينية والاجتماعية، وتوضيح حدود صلاحياتها، السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، الداخلية والخارجية، في السلم والحرب.
  2. الإصلاح السياسي: الذي يعلي قيمة الشعب والأفراد، ويضمن تمتعهم بمزاولة كافة الأنشطة التي كفلها لهم الإصلاح التشريعي، بحرية كاملة، وبدون انتقاص أو تهديد، ويضمن نزاهة أداء أجهزة السلطة المختلفة، وشفافية عملها، وتوفير آليات المراقبة والمحاسبة، بما يحد من تطرّفها وتوحّشها وتجاوزاتها وفسادها.
  3. الإصلاح الاقتصادي: الذي يضمن تقوية الاقتصاد وتنميته، وحرية التجارة والاستثمار في كافة المجالات، ويقدّم التسهيلات والضمانات التي تعمل على تدفق رؤوس الأموال بدون خوف أو تردد أو تضييق. كما يضع السياسات والضوابط الأخلاقية التي تنظم المنافسة وانتعاش الأسواق، بما يصب في صالح الدولة والأفراد، وزيادة معدلات الدخل ومعالجة البطالة.
  4. الإصلاح الديني: الذي يحافظ على سلامة الهوية الدينية وعقيدتها على مستوى المجتمع والأفراد، ويوفر لهم كافة السبل التي تقوّي شخصيتهم الدينية، وحمايتها من الغلو والتطرف، ومن التشويه والانحراف، ومن الانجراف وراء التيارات والأفكار الشيطانية الملحدة.
  5. الإصلاح الاجتماعي: الذي يحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي بكل أطيافه ومكوناته، بدون تمييز، انسجاما مع الإصلاح السياسي والديني.
  6. الإصلاح الإعلامي: الذي يكفل حرية الرأي والتعبير، بما لا يتعارض مع الدستور والقانون وثوابت الدولة والمجتمع، وبما يوجه الإنتاج الإعلامي لخدمة عملية الإصلاح بكافة مجالاتها، ومنع مساهمته في إفشالها أو تقويضها بقصد أو بدون قصد.
  7. الإصلاحي التعليمي: العام والخاص، الوطني والأجنبي، بما يساهم في إعادة توجيه العملية التعليمية في كافة المراحل، انسجاما مع الإصلاح السياسي والديني والاجتماعي، وبما ينمي الشخصية الوطنية، ويستغل القدرات الذاتية للأفراد، ويشرع في إعداد أجيال وطنية جديدة غير مشوهة، وخالية من العقد النفسية والاجتماعية والفكرية.
  8. الإصلاح الأمني: الذي يسخر الأجهزة الأمنية لصالح تحقيق الاستقرار الداخلي، والمحافظة على أمن وسلامة المجتمع والأفراد، ويمنع تسلّط الأجهزة الأمنية عليهم، وتحولها إلى آلة قمع وتنكيل وبطش وملاحقة لا تهدأ، تجعل من الدولة سجنا كبيرا لمواطنيها، تحسب عليهم فيه أنفاسهم ونظراتهم قبل كلماتهم.

وبغض النظر عن نوع النظام، سواء كان وراثيا أم انتخابيا أم متغلّبا، مدنيا أم عسكريا، وبغض النظر عن كيفية وصول النظام إلى السلطة، ومن يقف على رأسها، فإن هذه الإصلاحات لا تستقيم إلا على أساس قيام السلطة بواجباتها في تحقيق الأمن والتنمية والرفاه للشعب، من جهة، وحق الشعب الرقابة على السلطة، وفي تغييرها إذا عجزت عن القيام بهذه الواجبات، من جهة أخرى، وذلك وفق آليات دستورية واضحة يتم النصّ عليها في العملية الإصلاحية.

عملية الإصلاح السياسي تحتاج إلى وقت طويل، من العمل الشاق والعميق، القائم على سياسات ترفع عن جميع الأطراف العاملة فيه، ما لحق بها من التصنيفات والاتهامات والعداءات، التي تغيب لها العقول وتضيق بها القلوب والصدور

مدّة عملية الإصلاح

يستهين البعض بعملية الإصلاح السياسي، وما تحتاجه من وقت وآليات ومتطلبات وسياسات، قد تستغرق عقودا، بل قرونا في بعض الأحيان، وفق طبيعة وحجم وتعقيدات الواقع السياسي المطلوب إصلاحه، نظرا لصعوبة التوفيق بين الأطراف المكوّنة لهذا الواقع، ونوع القوّة التي تمتلكها، والعلاقات الداخلية والخارجية التي تستند عليها، وأصحاب المصلحة المرتبطين بها، والمرتكزات الفكرية التي تقوم عليها، ومدى انسجامها أو تصادمها مع النسيج الفكري للمجتمع وقواه المختلفة.

ونذكر على سبيل المثال أن عملية الإصلاح السياسي في أوروبا استغرقت أكثر من 5 قرون، شهدت حروبا طاحنة، وصراعات دينية وفكرية لا نعرف لها في تاريخنا مثيلا، وأحدثت انقلابا اجتماعيا هائلا لم يخطر في بال الإصلاحيين الأوائل.

ولكن لماذا نذهب بعيدا، ونترك واقعنا المعاصر، فقد مضى على القضية الفلسطينية، أكثر من 100 عام منذ وعد بلفور البريطاني المشؤوم، ومضى على أزمة الصحراء الغربية حوالي 50 عاما، وعلى الحرب الأهلية في الصومال حوالي 35 عاما، وقد مضى على سقوط نظام صدام حسين في العراق 30 عاما، ولم يستطع العراقيون حتى الآن تحقيق التوافق الوطني الذي يعيد بناء العراق ويحقق للمواطنين آمالهم وتطلعاتهم، كما مضى على الحروب الأهلية في اليمن وليبيا وسوريا أكثر من 10 سنوات، وجميعها ما زالت نهاياتها مفتوحة، ولا يعلم إلا الله -سبحانه- متى ستنتهي، رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها المنظمات والأطراف الإقليمية والدولية لإيجاد حلول مناسبة لها.

بل نضرب مثالا أبسط بكثير من هذه الأزمات، وهو الانقسام الحاد بين حركتي "فتح" و"حماس" الفلسطينيتين منذ أكثر من 30 عاما، رغم أنهما تواجهان عدوا مشتركا، وتمثلان قطبين رئيسيين في مشروع التحرر الوطني الفلسطيني.

عندما نتحدث عن الإصلاح السياسي العربي، فنحن نتحدث عن عملية سياسية فكرية اجتماعية تشريعية وطنية وإقليمية في غاية التعقيد، وترتكز على إرث طويل من الصراعات والتناقضات الأيديولوجية. وكثيرا ما نستسهل إلقاء مسؤولية الإخفاق في كل ذلك؛ على العامل الخارجي كي لا نكتشف إخفاقنا ولكي نداري الحقيقة الموجعة الموجودة داخل هذه الأزمات، وخيبة الزعامات التي تقودها، وأولوياتهم السلطوية، وانحرافاتهم الفكرية، وتقاطعاتهم الداخلية والخارجية على حساب المصالح الوطنية والتطلعات الشعبية.

هذا يعني أن عملية الإصلاح السياسي تحتاج إلى وقت طويل من العمل الشاق والعميق، القائم على سياسات ترفع عن جميع الأطراف العاملة فيه ما لحق بها من التصنيفات والاتهامات والعداءات، التي تغيب لها العقول وتضيق بها القلوب والصدور. ولكن يبقى السؤال: من سيبدأ هذه العملية وكيف؟

(يتبع: من سيهزم المستحيل؟)