تركيا.. حزب الشعوب الديمقراطي وحسابات الانتخابات المقبلة

أعلن حزب الشعوب الديمقراطي المعارض في تركيا أنه بصدد تقديم مرشح عنه للانتخابات الرئاسية المقبلة. وبالنظر إلى أنه الحزب الأكبر الباقي خارج التحالفَين الانتخابيين الرئيسيين، فإن تصريحه هذا خلط الأوراق فيما يتعلق بتوازنات الانتخابات المقبلة وتحالفاتها ونتائجها المتوقعة إلى حد كبير.

الوضع الدستوري

يعد حزب الشعوب الديمقراطي آخر التمظهرات السياسية للحركة السياسية الكردية المرتبطة بمنظمة حزب العمال الكردستاني المصنفة على قوائم الإرهاب التركية. وكان الحزب تأسس عام 2012 باندماج عدة أحزاب سياسية يسارية وأخرى تتبنى القومية الكردية، إضافة لعدد من الهيئات والمبادرات المجتمعية وغيرها.

قدم الشعوب الديمقراطي نفسه "حزبا لكل تركيا" في افتراق واضح في السردية عن الأحزاب "الكردية" التي سبقته، وحقق مفاجأة كبيرة في أول انتخابات خاضها في يونيو/حزيران 2015 بحصوله على 13.1% من الأصوات و80 مقعدا في مجلس الأمة التركي الكبير (البرلمان) المكوّن من 550 مقعدا، ثم تراجع إلى نسبة 10.7% و59 مقعدا في انتخابات الإعادة في نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

تعمّق الجفاء أكثر بين العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 2016 حيث تحالف الأول مع حزب الحركة القومية، الأمر الذي انعكس على خطاب الحزب الحاكم وسياساته

أما في انتخابات 2018، فقد حصل الحزب على نسبة 11.7% من الأصوات و67 مقعدا في البرلمان (من أصل 600 مقعد بعد التعديل الدستوري) ليكون ثالث أكبر حزب في البرلمان بعد العدالة والتنمية الحاكم، والشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة.

كان الحزب حتى 2015 جزءا من التسوية بين الحكومة التركية والعمال الكردستاني، لكن نكوص الأخير عنها واستئنافه عمله العسكري في يولو/تموز 2015 أنهى تلك العملية، وأزّم العلاقة بين الشعوب الديمقراطي والعدالة والتنمية (والحكومة).

منذ ذلك الوقت يُنظر للشعوب الديمقراطي على نطاق واسع كواجهة سياسية للعمال الكردستاني أو كحزب سياسي تابع له، وخصوصا من قبل العدالة والتنمية الذي تحاشى لسنوات طويلة التواصل أو نسج أي علاقة معه إلى حد كبير. وقد ساعدت في تأسيس هذه الحالة خلفية عدد لا بأس به من قيادات الحزب وأعضائه، فضلاً عن تصريحات بعضهم الداعمة أو المؤيدة لعبد الله أوجلان أو العمال الكردستاني أو امتداده السوري حزب الاتحاد الديمقراطي، إضافة لمحاكمة رؤساء بلديات من الحزب بتهم تتعلق بدعم الإرهاب وتسخير إمكانات البلديات للعمال الكردستاني.

تعمق الجفاء أكثر بين العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 2016 حيث تحالف الأول مع حزب الحركة القومية، الأمر الذي انعكس على خطاب الحزب الحاكم وسياساته. ولذلك بقي في حالة قطيعة مع الشعوب الديمقراطي إلى أن زاره مؤخرا وفد رفيع منه لإقناعه بدعم مشروع تعديل دستوري بخصوص حرية لباس المرأة والحجاب.

العام الفائت، رفع المدعي العام الجمهوري على حزب الشعوب الديمقراطي دعوى لحظره ومنع 687 من أعضائه بمن فيهم قياداته من ممارسة السياسة بتهمة "استهداف الإضرار بوحدة الوطن والشعب وهدمها". وقبل أيام، وبناء على طلب المدعي العام، قررت المحكمة الدستورية العليا تجميد حصة الحزب من دعم خزينة الدولة من باب أنها يمكن أن تستخدم لدعم الإرهاب، وسيكون على الحزب أن يقدم دفاعه ضد هذا القرار خلال مدة شهر، قبل أن تصدر المحكمة قرارها النهائي بشأنه.

رسائل سياسية وانتخابية

في السابع من يناير/كانون الثاني الجاري، أعلنت الرئيسة التشاركية للشعوب الديمقراطي برفين بولدان أن حزبها "بصدد خوض الانتخابات بمرشحه الخاص"، بعد أن كان الحزب عبّر في وثيقة نشرها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن "انفتاحه على تحديد مرشح توافقي موحد للمعارضة". هذا التوجه أكده الرئيس التشاركي الآخر للحزب مدحت سانجار، نافيا أن يكون قرار حزبه مجرد مناورة سياسية، دون أن يسد الباب على إمكانية الحديث مع "الطاولة السداسية" في الموضوع.

يدرك الحزب بالتأكيد أن مرشحه لا يملك فرصة وافرة للفوز في الانتخابات المقبلة، وبالتالي فدافعه الرئيسي للإعلان عن الترشيح، أو للدقة التلويح بفكرة الترشيح، ليس صندوق الانتخابات، وإنما مكاسب أخرى على هامشه ورسائل سياسية لعدة أطراف.

أول هذه الدوافع هو تعزيز فرصه كحزب في الانتخابات البرلمانية المتزامنة مع الرئاسية، ذلك بأن وجود مرشح رئاسي للحزب يقوّي حملته الانتخابية ويفيده بأشكال عدة، وهذا ديدن الأحزاب الصغيرة وحديثة التكوين عموما.

كما أن الحزب حريص على إثبات معنى حضوره وقوته في الساحة السياسية والانتخابية تحديدا مع القضية المرفوعة لحظره، وكذلك لإثبات "دستوريته" كحزب سياسي قائم وحاضر تحت قبة البرلمان.

هذه دوافع ودلالات عامة خاصة بالحزب، بيد أن الأهم هي الأسباب السياقية وخصوصا الرسائل السياسية التي يتوخاها الإعلان، لا سيما وأنه بقي خارج التحالفين الرئيسين وخصوصا "الطاولة السداسية" المعارضة. ولذلك فقد شكّل قبل أشهر تحالفا ثالثا جمع عددا من الأحزاب اليسارية إلى جانبه تحت اسم "تحالف العمل والحرية".

الرسالة الأولى وجهها الحزب لحزب العدالة والتنمية الحاكم، في تحفظ واضح على تعامل الأخير مع قضية الحظر وقرار تجميد حصته من دعم الخزينة، لا سيما وأنه كان قد التقاه مؤخرا بوفد رسمي رفيع، كما سلف ذكره. ومن مؤشرات هذا المعنى أن الشعوب الديمقراطي رفض الاجتماع بالعدالة والتنمية مجدداً لمناقشة الموضوع نفسه قبل أيام.

الرسالة الثانية، ولعلها الأهم، وجهّت للطاولة السداسية المعارضة، التي تتجنب حتى اللحظة وبشكل واضح اللقاء بالحزب والتعاون معه، رغم حاجتها الشديدة لقاعدته التصويتية. ومردُّ ذلك من جهة لموقف الحزب الجيد (القومي اليميني) من الشعوب الديمقراطي، وهو ثاني أكبر أحزاب الطاولة السداسية وصاحب تأثير كبير فيها، ومن جهة أخرى تجنبا لانتقاد تحالف الجمهور الحاكم، الذي سيركز على فكرة مكافحة الإرهاب وعدم مصداقية الطاولة السداسية بخصوصها. ويذكر أن الرئيس التركي يكرر مرارا أن الشعوب الديمقراطي عضو غير معلن في "الطاولة السداسية" التي يسمّيها "طاولة الستة + واحد".

ومن دلائل هذه الرسالة أن الرئيس التشاركي للحزب مدحت سنجار لم يغلق الباب تماما أمام إمكانية اللقاء بالطاولة السداسية، فقد أكد أن حزبه لا يناور في موضوع المرشح الرئاسي، لكن "إن قالت لنا الطاولة السداسية بعد إعلان المرشحين تعالوا ندير عملية تفاوضية، فلن نرفض".

كل ما سبق لا يعني أن مسألة تقديم مرشح باسم الحزب مستقل عن باقي الأطراف قد حُسمت بشكل لا عودة عنه، ذلك بأن الخطوة تقصد بشكل مباشر إعلان الوجود والإفصاح عن القوة الانتخابية، سعيا للتفاوض مع مختلف الأطراف. وهو تفاوض قد يبدأ الآن حول اسم المرشح التوافقي -الذي سيمثل الجميع هنا بما في ذلك الشعوب الديمقراطي- وبرنامجه ومواقفه، في حين أن الأرجح أن يخوض الحزب انتخابات الرئاسة بمرشحه الخاص، ويحصل على ما يستطيعه من أصوات (تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال نيله 7-11%) يستطيع من خلالها التفاوض على جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، والتي رجح الكثيرون حصولها.

أخيرا، مع أن المرجح أن يسعى حزب الشعوب الديمقراطي للتفاوض مع "الطاولة السداسية" المعارضة لخلافه الرئيسي مع أردوغان وحزب العدالة والتنمية وتقاربه السياسي والأيديولوجي مع الشعب الجمهوري بشكل أساسي، إلا أن مسألة تفاوضه مع العدالة والتنمية احتمال يبقى قائما وإن كان ضعيفا، فالسياسة التركية قبيل الانتخابات شديدة السيولة وقابلة للتحولات الكبيرة.

كل ذلك نقاش في إطار استمرار الحزب في العمل كأحد أحزاب البرلمان الرسمية، أما إن صدر بحقه قرار قضائي بالحظر قبل موعد الانتخابات، فساعتها ستكون الخيارات أمامه مختلفة وضيقة جدا، بما في ذلك الترشح كشخصيات مستقلة أو ترشيح عدد من الشخصيات على قوائم أحزاب أخرى. لكن، وبكل الأحوال، فإن مجرد تلويح الحزب بورقة تقديم مرشح للانتخابات قد زادت المشهد السياسي والانتخابي في البلاد سخونةً ودينامية.