التعددية وسؤال المواطنة في الفكر والواقع العربي (1)

20-24 years; 25-29 years; 30-34 years; 35-39 years; 40-44 years; 45-49 years; 50-54 years; 55-59 years; african ethnicity; arms raised; asian ethnicity; bonding; brainstorming; business; businessman; businesswoman; caribbean ethnicity; caucasian; chinese ethnicity; circle; co-worker; collaboration; color image; community; concept; connection; cooperation; copy space; creative; creativity; crowd; cut out; directly above; diversity; enlightenment; friendship; full length; future; happiness; harmony; high angle view; hope; horizontal; huddle; idea; ideas; illumination; indian ethnicity; innovation; insight; inspiration; large group of people; latin american and hispanic ethnicity; light; looking at camera; man; mature adult; mature men; mature women; mid adult; mid adult men; mid adult women; middle eastern ethnicity; mixed race person; multi-ethnic group; pacific islander ethnicity; people; photography; portrait; posing; possibility; shining; smiling; standing; strategy; studio shot; teamwork; togetherness; unity; woman; working together; young adult; young men; young women
الصراع الحاد والحروب الدينية والأهلية عوامل مهدت الطريق لفكرة الديمقراطية والمواطنة (غيتي)

يتميز النسيج الاجتماعي والثقافي والديني في العالم العربي والإسلامي بتنوع شديد وتداخل يعكس مدى الغنى والثراء الذي يطبع المنطقة وتتفرد به، غير أن هذا التنوع في البنيات الاجتماعية والأنساق الثقافية والدينية قد يكون عامل انقسام مجتمعي واحتراب عند الإخفاق في إدارة التعدد وتدبير الاختلاف العقائدي والديني والإثني، ومن ثم يتحول التنوع الثقافي الذي يتسم به النسيج الاجتماعي إلى نقمة وبلاء بعد أن كان مصدر غنى وثراء، وهو المصير الذي وجد المشرق والمغرب معا نفسيهما أمامه.

كيف برزت إشكالية تدبير التعددية في الواقع العربي والإسلامي؟ وإلى أي مدى تشكل المواطنة مخرجا للانقسام المجتمعي وتجاوز تناقضات الهويات الفرعية؟

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

التعددية بوصفها إشكالية طارئة ومستمرة عربيا ودوليا

يمكن القول ابتداء بما يشبه فرضية ستوجهنا في هذه المقالات؛ إن قضية التعددية طارئة في الاجتماع العربي والإسلامي وغير مألوفة، وليس القول بحداثة مشكلة التعددية انزياحا إلى إلغائها واقعيا أو التعبير عن نزعة شمولية بخلفية عقائدية أو قومية تلغي الآخر وتعمل على تذويبه في الأنا الجماعية لدين أو عرق أو مكون ثقافي أو أيديولوجي معين، بل هي محاولة لجذب الانتباه إلى السياق الذي نشأت فيه بوصفها قضية إشكالية حديثة لم يألفها النظام الاجتماعي التقليدي، استلزمت التفكير في معالجتها، حينما أضحى الفكر السياسي والدستوري الحديث، ومعه تحديث بنية النظام السياسي ونسق السلطة أمرا واقعا أمام العقل النهضوي العربي.

وفق هذا المنظور، فقد تولدت إشكالية التعددية في السياق العربي والإسلامي على ما هي متداولة، منذ الاشتباك مع الحداثة، والانشغال الفكري بأسئلتها وتحدياتها، والواقعي بمتطلبات تحديث النظم السياسية والاجتماعية، فالتعددية بصيغتها الحديثة، قبل أن ترتبط بالمشروع الليبرالي وحقوق الإنسان ضمن ما يسمى الأقليات الدينية وغير الدينية، هي من إفرازات الدولة القومية والتحديث السياسي والثقافي، لها تمظهرات مختلفة حسب السياقات والظروف المجتمعية، في الدول المتقدمة التي بها نظم ديمقراطية استطاعت تطوير معايير قادرة على استيعاب التنوع، أو تخفق مع تلك التي تعرف فشلا في تحديث نظمها وأنساقها السياسية والاجتماعية، كما يتضح مع ويل كيمليكا الذي عمل على تتبع ورصد "الإحراجات الأخلاقية والتعقيدات السياسية التي تثيرها الجهود الدولية لنشر التعددية الثقافية" على المستوى العالمي (ينظر كتابه من جزأين بعنوان "أوديسا التعددية الثقافية.. سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوع"، ترجمة إمام عبد الفتاح، إصدارات عالم المعرفة، العدد 377، 378).

إعلان

ترتبط تلك الإحراجات بصمت المجتمع الدولي عن مظالم مارستها الدولة القومية باعتبارها قائمة على التجانس الثقافي، وهو ما جعل مكونات مجتمعية، عرقية أو دينية أو ثقافية، تجد نفسها تحت طائلة الإكراه وواقع التذويب القسري لخصوصياتها، أو عدم الاعتراف بها وبحقوقها السياسية والثقافية، مما تنعدم معه المساواة. ويمكن أن نشير في سياق مجتمعات الشرق إلى الحالة الكردية في سوريا التي ظلت منقوصة المواطنة، بفعل نزعة أيديولوجيا قومية مغلقة يؤسس النظام السياسي عليها شرعيته، ومن ثم تصطبغ الدولة بصبغة القومية، أو في إيران التي بها نزعة شمولية ذات بعد عقائدي يمتزج بالعنصر الفارسي، مما جعل عرب وسنّة إيران تحت واقع الإكراه.

بل امتد أثر ذلك إلى دول الإقليم حينما تلبّست الطائفة والمذهب بعدا سياسيا عابرا لحدود الدول، بحيث لا يراعي خياراتها الوطنية كما تجلى ذلك بوضوح في لبنان والعراق؛ مما ولّد تنافسا حادا مع مكونات دينية ومذهبية وإثنية أخرى، نتجت عنه في الماضي، وقد تنتج في المستقبل اصطدامات واشتباكات متعددة تهدد السلم الأهلي وتؤدي إلى تقويض دول وإضعافها، فيتحول عنصر الغنى والثراء في النسيج الاجتماعي إلى عنصر إضعاف وتفكيك كما أسلفنا سابقا. ذلك أن إدارة التعددية في النظرية السياسية الحديثة، إنما تنتظم تحت ناظم المواطنة التي تعدّ مطلبا فكريا ومجتمعيا ملحّا منذ قرنين في السياق العربي والإسلامي، لتلافي التناقضات الحادة بين الهويات الفرعية، وتجاوز الانقسامات على أرضية المعتقد أو المذهب والطائفة أو العرق والإثنية أو الأيديولوجيا.

"من الأشياء التي ترتبت على الحرية عند الفرنساوية أن كل إنسان يتبع دينه الذي يختاره ويكون تحت حماية الدولة، ويعاقب من تعرض لعابد في عبادته، ولا يجوز وقف شيء على الكنائس أو الإهداء إليها إلا بإذن صريح من الدولة، وكل فرنساوي له أن يبدي رأيه في مادة السياسات أو في مادة الأديان بشرط ألا يخلّ بالانتظام المذكور في كتب الأحكام" رفاعة الطهطاوي.

من ضيق الهويات الفرعية إلى سعة المواطنة.. تبيئة المفهوم عربيا وأهميته

انشغل العقل العربي بسؤال المواطنة منذ زمن مبكر، وقد ارتبط المفهوم في بروزه الأول تحت مسمى الوطن مع تعريب رفاعة الطهطاوي للدستور الفرنسي لسنة 1814، عقب هزيمة نابليون وعودة الملكية بغطاء دستوري يستلهم مبادئ الثورة، وكذا ملخص الإضافات التي تمت عقب ثورة 1830 على الملك شارلمان العاشر الذي حاول الانفراد بالسلطة، والذي قدمه الطهطاوي للقرّاء العرب بعنوان "في تدبير الدولة الفرنساوية". ومما أورده الطهطاوي في المرشد المعين "في ذكر الوطن وتمدينه" و"أبناء الوطن"، وأشار إلى دلالة المواطنة ومعناها بما يعكس وعيه بها مفهوما حديثا، مع استعماله عبارات تقربها من المدلول المصري والعربي، بقوله "معنى ذلك أنه يتمتع بحقوق بلده، وأعظم هذه الحقوق الحرية التامة في الجمعية التأنسية، ولا يتصف الوطني بوصف الحرية إلا إذا ما كان منقادا لقانون الوطن ومعينا على إجرائه" (ينظر كتابه: المرشد الأمين).

غني عن البيان، القول إن الطهطاوي كان مبتعثا في زمن محمد علي، فمجابهة محمد علي لمركز الخلافة العثمانية التي كانت تقوم شرعيتها على أساس الرابطة الدينية كان بحاجة إلى هذه الخلفية النظرية التي تلهم مشروعه الوطني والسياسي في بناء وطنية خاصة ومستقلة بذاتها، وهنا تأتي أهمية ما كتبه الطهطاوي عن أحوال باريس التي مكث فيها وعرفها عن قرب، وهي مهد الأنوار والتحديث آنذاك. لكن ما كتبه الطهطاوي لن يكون أثره مقتصرا على المشروع التحديثي لمحمد علي، وإنما سيفتح أفق التفكير السياسي في ذلك الوقت، حيث كانت أعين القوى الكبرى التي في طور التشكل، على الشرق وشمال أفريقيا وبقية بقاع العالم.

إعلان

كما كانت بعض الأقاليم العربية في علاقتها بمركز السلطة في حالة توتر اتخذ طابعا دينيا وهوياتيا من جهة، ومنحى سياسيا من جانب آخر، لم يستوعب بالكامل تحدياته في ما سمي بعهد التنظيمات، كما لم يستمر تحديث نسق السلطة ليواكب الأفكار والنظم الحديثة -كما سنرى في مقال آخر- والتي حاول الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيره تبيئتها في التربة العربية والإسلامية لحل المعضلات التي أصابتها.

يصف الطهطاوي الديناميات السياسية والاجتماعية والقانونية، وجدل الدولة والمجتمع، ومنسوب الحرية المعبر عنه مع مخاضات الثورة التي أفرزت نسقا سياسيا ارتبط به سؤال التعددية، قائلا "ومن الأشياء التي ترتبت على الحرية عند الفرنساوية أن كل إنسان يتبع دينه الذي يختاره ويكون تحت حماية الدولة، ويعاقب من تعرض لعابد في عبادته، ولا يجوز وقف شيء على الكنائس أو الإهداء إليها إلا بإذن صريح من الدولة، وكل فرنساوي له أن يبدي رأيه في مادة السياسات أو في مادة الأديان بشرط ألا يخلّ بالانتظام المذكور في كتب الأحكام".

وليس خافيا استبطان النص السابق لطبيعة الصراع الحاد الذي كانت الكنيسة طرفا فيه، وهو ما يعكس الموقف الحاد الذي صرفته الثورة الفرنسية من الدين في العبارة الشهيرة "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"، بل إن الصراع الحاد والحروب الدينية والأهلية عوامل مهدت الطريق لفكرة الديمقراطية والمواطنة، أي النظام الدستوري الحديث والدولة الوطنية. وإذا كان التاريخ مخبرا لتجارب الشعوب ومعينا لبعضها من أجل استخلاص الدروس تجنبا للآلام المجتمعية والصدامات العنيفة، فإن تجاوز النزعات الطائفية والعقدية والإثنية، والتحديث السياسي والثقافي على أسس المواطنة والديمقراطية؛ هو ما يمكن أن يشكل ملاذا ومخرجا من عنف الهويات والتشظي المجتمعي، ومن ثم استيعاب التعددية في نسق متكامل لا يلغي بعضه بعضا، بل يخدمه ويغذيه. ذلك ما تحقق به الوعي لدى الرعيل الأول للنهضة، وأغفلته المنطقة العربية والإسلامية لجملة عناصر، لعل أهمها الاستعمار المباغت والتخلف بعد قرون من الانحطاط، ثم لاحقا النظم الاستبدادية التي جاءت تعبيرا عن فشل الدولة الوطنية في المنطقة.

استمر نمو فكرة المواطنة في سياق جدل ومخاض، يتداخل فيه النظري المجرد بالعملي المحسوس، ولعل ما حدث بجبل لبنان في ستينيات القرن الـ19، ثم البعثات الدراسية التي كثرت وتنوعت، وكان من ضمنها نخب تنتسب إلى مسيحيي ومسلمي الشرق معا؛ دفع بالواجهة إلى طرح فكرة الرابطة الوطنية بديلا عن الرابطة الدينية، في علاقة المجتمع بالسلطة أو المواطن الفرد بالحاكم، وقد عبّر عنها صراحة فرح أنطون في علاقة السلطة الدينية بالسلطة السياسية، وهو ما أثمر جدلا فكريا تجديديا من داخل الفكر السياسي العربي والإسلامي، رغم اختلاف وجهات النظر بين كل من أنطوان وعبده.

لقد نزع الإمام محمد عبده نزوعا تأصيليا لمدنية السلطة في الإسلام، بما يدفع عن الدين والمعتقد كل شبهة تتعلق بالإكراه الذي كان ملازما للسلطة لا الدين الذي يتأسس عنده على الحرية والتعددية والمساواة، على خلاف أنطون الذي استبطن رأيه بعدا سجاليا، يقرن بين السياقين الأوروبي والإسلامي، وينظر في تعدد الهويات وفعاليتها في الزمن الحديث من خلال الانتماء المواطني لا الرعوي؛ انتماء تتحدد قسماته على أساس سياسي لا عقائدي. ويمكن التأكيد أن الخلافات بينهما كانت قائمة على مستوى المنطلقات الفكرية والمقاربات وحسب، لكنها من حيث الجوهر والغاية واحدة، بذر محمد عبده من خلالها بذور التجديد في الفكر السياسي ووضع أسس المواطنة والتمييز بين الديني والسياسي بما يستوعب الاختلاف والتعدد، أما أنطون فأثار المفهوم ورمى في بركة الثقافة العربية المعاصرة والتداول الفكري والسياسي.

إعلان

ختاما: إن سؤال التعددية والمواطنة في المجال التداولي العربي والإسلامي يمر باختبار عسير على مستوى الفكر والواقع معا، وهو ما يحتاج إلى جهد نظري يمزج بين البعد الفكري من خلال مواكبة الإشكالات المطروحة وتأصيلها داخل حقل الثقافة العربية والإسلامية لتفكيك ذهنية الانغلاق والتقوقع على الذات، مما يجعل التنوع الديني والمذهبي والثقافي والإثني عنصر بناء لا هدم، وتواصل لا قطيعة، وطاقة حيوية للنسيج الاجتماعي والفعالية في أفق وطني على أساس المواطنة الجامعة، وليس لهيبا يحرق كل النسيج ويعمق الانقسام بين مكوناته فيزيد من تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ، هذا الأفق يتساوق فيه الوعي النظري بالتشبيك العملي من خلال مدّ الجسور، ليصبح التعدد والاختلاف غنى وثراء، وليس نقمة وبلاء حينما يتداخل عمى الانغلاق على الذات مع لهيب مشتعل بأياد بعضها خفي وبعضها ظاهر، قد يدفع مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى حرب الكل ضد الكل بين مختلف مكوناتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان