أسباب تزايد مخاطر تخلف مصر عن سداد ديونها الخارجية

تظل خطوة الاقتراض في جميع الحالات مؤشرا على التعثر الاقتصادي
الجنيه المصري يتراجع مقابل الدولار (شترستوك)

أشارت وكالة "بلومبيرغ" (Bloomberg) لتزايد مخاطر تخلف مصر عن سداد ديونها الخارجية، والتي ارتفعت قيمتها منذ تولي الجيش السلطة منتصف عام 2013، من 43.2 مليار دولار إلى 157.8 مليار بنهاية مارس/آذار 2022، مع الاستمرار بالاقتراض بالشهور الأخيرة من البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي وغيرهما، واستمرار التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد.

وهو الدين الذي توزع وفق جهات الإقراض ما بين 52 مليار دولار من 20 مؤسسة إقليمية ودولية أبرزها الصندوق والبنك الدولي، و36 مليار دولار من 22 دولة، و29 مليار دولار إصدارات سندات بالأسواق الخارجية، و12 مليار دولار من بنوك قُطرية أجنبية وخليجية، إلى جانب 26 مليار ديون قصيرة الأجل من دول ومؤسسات إقليمية.

نظرا لاستمرار تراجع سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي والمتوقع استمرار انخفاضه بالأسابيع القادمة، فإن تكلفة تدبير فوائد وأقساط الدين بالسنوات المقبلة سيمثل عبئا كبيرا على السلطات المصرية، وعلى الموازنة الحكومية.

وقد انقسم ذلك الدين ما بين قروض متوسطة وطويلة الأجل بقيمة 131.4 مليار دولار، وديون قصيرة الأجل لمدة عام بقيمة 26.4 مليار دولا، وتمثل قصيرة الأجل نسبة 17% من الإجمالي، وهي نسبة ارتفعت مؤخرا بعد الودائع قصيرة الأجل البالغة 13 مليار دولار، والتي حصلت عليها مصر من السعودية والإمارات وقطر بالربع الأول من العام الحالي، ومن مظاهر خطورة هذا الدين أنه مثّل نسبة 71% من احتياطيات النقد الأجنبي في مارس/آذار الماضي.

كذلك نجد أن قيمة القروض متوسطة وطويلة الأجل البالغة 131.4 مليار دولار، سيتم سدادها بقيمة 170.8 مليار دولار، أي أن الدين الخارجي الذي سيتم دفعه شاملا (متوسط وطويل وقصير الأجل) سيزيد على 197 مليار دولار، وذلك بالـ50 عاما القادمة وحتى عام 2071.

ونظرا لاستمرار تراجع سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي والمتوقع استمرار انخفاضه بالأسابيع القادمة، فإن تكلفة تدبير فوائد وأقساط ذلك الدين بالسنوات المقبلة سيمثل عبئا كبيرا على السلطات المصرية، وعلى الموازنة الحكومية التي استحوذت تكلفة الدين المحلي والخارجي على نسبة 53% من الإنفاق بها بموازنة العام المالي الحالي.

ووفق بيانات البنك المركزي المصري تصل تكلفة الدين الخارجي متوسط وطويل الأجل في العام الحالي إلى 15.547 مليار دولار، موزعة ما بين 5.7 مليارات دولار للدول الخليجية الثلاثة الكويت والإمارات والسعودية، و4.7 مليارات دولار للمؤسسات الدولية والإقليمية، و3.7 مليارات دولار لدول أجنبية أخرى، و1.4 مليار لإصدارات السندات المصرية بالخارج، فإذا أضيف لتكلفة تلك القروض متوسطة وطويلة الأجل 26 مليار دولار تمثل القروض قصيرة الأجل، فإن مجمل تكلفة الدين في العام الحالي تصل إلى 41.5 مليار دولار.

عجز تجاري لمدة 50 عاما

وهو رقم ضخم بالقياس لقيمة مصادر النقد الأجنبي المختلفة، والتي بلغت العام الماضي 31 مليار دولار لتحويلات المصريين العاملين بالخارج، و23.5 مليار دولار للصادرات السلعية غير البترولية، و13 مليار دولار للصادرات النفطية والغازية والتي تسترد الشركات الأجنبية حوالي نصفها، و9 مليارات دولار للسياحة المتأثرة بالحرب الروسية الأوكرانية.

و6.4 مليارات دولار لقناة السويس التي زادت إيراداتها بعد الحرب الروسية، و5 مليارات دولار صافي الاستثمار الأجنبي المباشر، و3 مليارات دولار للصادرات الخدمية الأخرى بخلاف السياحة والنقل، و2 مليار دولار من خدمات النقل التي يتم تقديمها للطائرات والسفن الأجنبية بالموانئ المصرية.

تجد السلطات المصرية نفسها محاصرة بمدفوعات عديدة مطلوبة منها، تجعلها تركز أولا على شراء الغذاء والوقود ومستلزمات الإنتاج والمواد الخام والسلع الوسيطة، مما يجعل تدبير قيمة الأقساط والفوائد أمرا متعذرا

حيث إن تلك الموارد لا تفي بمتطلبات مدفوعات النقد الأجنبي للواردات السلعية والخدمية، ببلد يعتمد في غذائه على الاستيراد، كما أن صادراته فيها بنسبة 60% مكون أجنبي، ولهذا بلغت قيمة الواردات السلعية غير البترولية العام الماضي 70 مليار دولار، ومدفوعات فوائد دخل استثمار الأجانب بمصر 15 مليار دولار.

والواردات البترولية والغازية 11 مليار دولار ومدفوعات الخدمات الأخرى بخلاف السياحة والنقل 5.5 مليارات دولار، والسياحة الخارجية من مصر 3.3 مليارات دولار، وخدمات النقل المدفوعة للطائرات والسفن المصرية بالخارج 2.3 مليار دولار، والمصروفات الحكومية من بعثات وتدريب 2 مليار دولار.

والمعروف أن هناك عجزا تجاريا سلعيا مزمنا يصل عمره لحوالي 50 عاما متواصلة، وأن كبر هذا العجز التجاري يستوعب الفائض التجاري الخدمي وتحويلات المصريين بالخارج، ويحقق ميزان المعاملات الجارية المصري عجزا دائما منذ سنوات بلغ العام الماضي 18.6 مليار دولار، وهو ما يمثل فجوة دولارية يصعب سدها خلال السنوات القليلة المقبلة.

وهكذا تجد السلطات المصرية نفسها محاصرة بمدفوعات عديدة مطلوبة منها، تجعلها تركز أولا على شراء الغذاء والوقود ومستلزمات الإنتاج والمواد الخام والسلع الوسيطة، مما يجعل تدبير قيمة الأقساط والفوائد أمرا متعذرا، الأمر الذي يدفعها للاقتراض من جديد لدفع أقساط القروض القديمة، بل وفوائدها أيضا بعد أن أصبحت قيمة الفوائد كبيرة، ففي الربع الأول من العام الحالي، بلغت تكلفة الدين الخارجي 6.3 مليارات دولار؛ منها 5 مليارات للأقساط و1.3 مليار للفوائد، وتمثل الفوائد نسبة 21% بمجمل تكلفة الدين الخارجي، ومن هنا جاءت تحذيرات بلومبيرغ وغيرها من تزايد مخاطر التخلف عن سداد أقساط الدين الخارجي.

89 مليار دولار مطلوبة خلال 5 سنوات

وسعت السلطات مؤخرا لبيع أصول شركات مقابل جانب من الديون لدول خليجية، لكن بيع الأصول يقلل من الفوائض التي كانت تساهم فى موارد الموازنة العامة للدولة، والتي تساعد بتدبير تكلفة الدين المحلي والخارجي، أي أن ذلك البيع يزيد من صعوبة سداد أقساط فوائد الدين لباقي الأطراف.

وحتى مارس/آذار الماضي بلغت ديون الدول الخليجية أكثر من 35 مليار دولار، منها 14.6 مليار دولار للإمارات و11.8 مليار للسعودية، و5.9 مليارات للكويت و3 مليارات لقطر، بخلاف قروض أخرى من بنوك إماراتية مثل بنك الخليج الأول وبنك "الإمارات دبي"، وديون للبحرين بقيمة 170 مليون دولار.

ووعدت السلطات المصرية ببيع أصول سنويا بنحو 10 مليارات دولار لمدة 4 سنوات، وهو ما يقل عن تكلفة الدين الخارجي بالعام الحالي وحده والبالغة 41.5 مليار دولار، مما يزيد المخاوف من إمكانية سداد أقساط وفوائد الدين الخارجي بالسنوات المقبلة، والتي تبلغ بالنسبة للقروض متوسطة وطويلة الأجل وحدها العام المقبل 17.6 مليار دولار، وفي العام التالي له 24.2 مليار دولار، وعام 2025 نحو 9.9 مليارات دولار وعام 2026 نحو 16.8 مليار دولار.

أي أن تكلفة الدين الخارجي بالسنوات الخمسة الممتدة من العام الحالي وحتى 2026؛ تصل إلى 89.2 مليار دولار بمتوسط سنوي 17.4 مليار دولار، قبل إضافة القروض قصيرة الأجل إليها كل عام، والتي ستتراوح بأقل تقدير ما بين 15 إلى 20 مليار دولار سنويا، بعد بلوغها 26 مليار دولار العام الحالي.

وإذا كانت فترة سداد الدين الخارجي متوسط وطويل الأجل تمتد حتى عام 2071، فإن تكلفة السنوات العشر الأولى منها تصل إلى 123 مليار دولار، والعشرية الثانية إلى 23 مليار دولار والعشرية الثالثة لـ19 مليار دولار، والعشرية الرابعة إلى 4 مليارات دولار والعشرية الخامسة إلى 91 مليون دولار فقط.

وهو ما يشير إلى تركز أعباء السداد بالسنوات العشر الأوائل، بما يصعب مهمة النظام الحالي أو حتى من يحل محله، حين يجد نفسه مطالبا بسداد هذا الكم الكبير من القروض الخارجية، بخلاف الدين العام الداخلي الضخم والذي لم تعلن السلطات المصرية بياناته منذ يونيو/حزيران 2020، إلا أنه مستمر بالتصاعد مع استمرار إصدار أذون وسندات الخزانة، واستمرار كبر نصيب الدين العام الداخلي من الإنفاق بالموازنة.

وهكذا تزداد صعوبة الوفاء بسداد أقساط وفوائد الدين الخارجي بالمرحلة القادمة، حيث كان تدفق الأموال الساخنة يساعد على الوفاء بالأقساط، لكنه مع وجود فائدة حقيقة سلبية حاليا بمصر منذ فبراير/شباط الماضي، واستمرار ارتفاع أسعار الفائدة بالولايات المتحدة وإنجلترا ودول اليورو وسويسرا وغيرها يصعب عودتها بالأجل القصير.

كما كانت السلطات المصرية تلجأ لاحتياطيات النقد الأجنبي لسداد أقساط الدين، إلا أن استمرار تراجع أرصدته إلى 33 مليار دولار سيجعل استمرار نقصه أمرا صعبا، بما يمثله من طمأنة للموردين وكسند للواردات المصرية وقت الأزمات وطلب صندوق النقد بقاءه عند سقف معين.

كما كان إصدار السندات بالأسواق الخارجية يساعد بتدبير موارد دولارية، إلا أن ارتفاع فائدة السندات الأميركية، وتراجع القيمة السوقية للسندات المصرية الخارجية في العام الحالي، يجعل مسألة إصدار سندات خارجية  قبل تعديل سعر الصرف للجنيه المصري أمرا متعذرا، ولهذا تأجل إصدار صكوك سيادية تم تجهيزها قبيل الحرب الروسية.

وقد أصبح المسار المتاح أمام السلطات المصرية هو الاستمرار بالاقتراض لسداد القروض القديمة، وبيع الأصول المصرية، في ظل تغييب دور البرلمان والإعلام والمجتمع المدني والمراكز البحثية الاقتصادية، واستمرار الإنفاق على مشروعات لا تمثل أولوية للمصريين، وبذلك تزداد صعوبة مأزق الوفاء بالديون الخارجية.