الدبلوماسية التلفزيونية.. ثورة جديدة في العمل الدبلوماسي وبناء العلاقات الدولية

رغم ازدحام الفضاء الأميركي بالقنوات التلفزيونية ليس في الولايات المتحدة واحدة تمثل موقف البيت الأبيض (مواقع التواصل الاجتماعي)

أثر تطور التلفزيون على العلاقات بين الدول وفي قدرتها على بناء صورتها الذهنية في الخارج، والتأثير على الجماهير في الدول الأجنبية.

لذلك، يجب أن تتطور النظريات الدبلوماسية لتشمل مجالات جديدة، من أهمها الدبلوماسية التلفزيونية، واستخدام الدول قنوات التلفزيون في بناء مكانتها الدولية وسمعتها وصورتها والتأثير على الرأي العام.

عندما حضرت كاميرات التلفزيون

أصبحت كاميرات التلفزيون فاعلة في تشكيل العلاقات الدولية، وأصبح دورها يفوق دور قادة الدول الذين يحضرون الاجتماعات ويديرون المفاوضات، فالصور التي تنقلها الكاميرات تؤثر على إدراك الجمهور لقوة الدول التي يمثلها هؤلاء القادة، وتدفع الجمهور لتأييد موقف دولة معينة أو رفض هذا الموقف.

أصبح امتلاك الدولة قنوات فضائية من أهم وسائل بناء المكانة والقوة في النظام العالمي، لذلك ارتبط تطور القنوات الفضائية بتطوير أنواع جديدة من الدبلوماسية مثل "الدبلوماسية الفضائية" حيث أصبحت الجماهير في العالم تشاهد بشكل مباشر حركة قادة الدول واجتماعاتهم وتتابع خطاباتهم

مرحلة جديدة في تاريخ الدبلوماسية

شكل تطور القنوات التلفزيونية مرحلة جديدة في تاريخ الدبلوماسية وأساسا لدبلوماسية جديدة خرجت من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام لتؤثر على الرأي العام.

لكن، هل يمكن تطوير مجال علمي جديد نطلق عليه "الدبلوماسية التلفزيونية"؟ وبماذا يمكن أن يتميز هذا النوع من الدبلوماسية عن الكثير من أنواع الدبلوماسية العامة؟ وكيف يمكن أن تقوم الجامعات بدورها في تأهيل كوادر جديدة تستطيع أن تخطط لاستخدام القنوات التلفزيونية في بناء العلاقات الدولية؟

إن أهم ما تتميز به الدبلوماسية التلفزيونية أنها يمكن أن تشمل كل أنواع الدبلوماسية، فالدول تستخدم القنوات التلفزيونية لتحقيق الكثير من الأهداف، من أهمها بناء قوتها الناعمة على المستوى الدولي، مما يؤهلها لتلعب دورا في حل المشكلات الدولية، والتوسط بين الدول في حل الصراعات، بالإضافة إلى الدبلوماسية العامة والتأثير على الجماهير.

تدفق الأنباء ورواية الأحداث

تعمل الدول لبناء قوتها الإعلامية بإنشاء قنوات تلفزيونية تتدفق من خلالها المعلومات عن الأحداث إلى الجماهير في الدول الأجنبية من منظور مخططي السياسة الخارجية للدولة، وكلما تمكنت الدولة من التأثير على تدفق الأنباء والمعلومات زادت قدرتها على تقديم روايتها للأحداث، ودورها في صنعها، وهذا يساهم في تشكيل سمعتها وحضورها ومكانتها على المستوى العالمي.

البث الفضائي وتدفق المعلومات عبر الحدود

لذلك، أصبحت قنوات التلفزيون من أهم وسائل الدبلوماسية الدولية، خاصة بعد أن تطور البث الفضائي الذي سهل تدفق المعلومات والصور والمنتجات الثقافية عبر الحدود.

وقد أصبح امتلاك الدولة قنوات فضائية من أهم وسائل بناء المكانة والقوة في النظام العالمي، لذلك ارتبط تطور القنوات الفضائية بتطوير أنواع جديدة من الدبلوماسية مثل "الدبلوماسية الفضائية" حيث أصبحت الجماهير في العالم تشاهد بشكل مباشر حركة قادة الدول واجتماعاتهم وتتابع خطاباتهم.

دبلوماسية عالمية

لقد أصبحت القنوات الفضائية أساسا لدبلوماسية عالمية ارتبطت بالعولمة، حيث أصبحت الأنباء والمعلومات تتدفق عبر الحدود لتشكل صورة العالم في أذهان الجماهير ومكانة الدول فيه.

وفي هذا العالم المتشابك تحاول كل دولة أن تنشر رسائلها لتكسب العقول والقلوب في الدول الأجنبية، وأصبحت العلاقات بين الدول تقوم على الصور الذهنية التي أصبحت القنوات الفضائية الفاعل الرئيس في بنائها.

وعلى الرغم من تزايد اهتمام الباحثين في السنوات الأخيرة بمفهوم "الدبلوماسية الفضائية" فإن التعريف الذي استخدموه ما زال ضيقا، حيث يدور حول استخدام الدولة القنوات الفضائية في التأثير على آراء الشعوب واتجاهاتها وقرارات النخب الحاكمة والقيادات في الدول الأجنبية، ونحن نرى أن حاجة الدول تتزايد لتعريف جديد يتسع للكثير من الوظائف الدبلوماسية العالمية للقنوات الفضائية.

نحو تعريف جديد يفتح المجال

لذلك، نقدم هنا تعريفا جديدا يمكن أن يفتح المجال العلمي ويتسع للكثير من الأنشطة التي يمكن أن تقوم بها الدول، فالدبلوماسية التلفزيونية -طبقا للتعريف الجديد- تشمل عملية التأثير على تدفق الأنباء والمعلومات والمنتجات الثقافية عبر القنوات التلفزيونية إلى العالم، والتي تساهم في بناء تصور الجماهير للعالم ولمكانة كل دولة فيه.

يحتل دور الدولة في بناء صورة العالم مكانة مهمة في هذا التعريف الجديد، فلكي يتمكن الفرد من تحديد موقفه من الأحداث فإنه يحتاج إلى بناء صورة العالم في ذهنه، والقنوات التلفزيونية أصبحت أهم الوسائل في بناء هذه الصورة، وهذا يوضح أن استخدام الدولة القنوات التلفزيونية في بناء العلاقات الدولية لا يقتصر على تشكيل صورة الدولة نفسها، فالقنوات التلفزيونية تبني صورة الدولة داخل الصورة الشاملة للعالم.

لذلك، فإن تطوير نظرية الدبلوماسية العالمية يحتاج إلى دراسة دور التلفزيون في توفير المعلومات للجماهير عن الأحداث وبناء صورة العالم.

الصناعة العالمية للمضمون التلفزيوني

الدولة التي تريد أن تبني مكانتها الدولية لا بد أن تفكر أولا في مساهمتها في صناعة المضمون التلفزيوني العالمي، وهي صناعة متعددة الأبعاد، فلكي تتمكن الدولة من جذب الجماهير في الدول الأجنبية والتأثير عليها يجب أن تفكر بعمق في كيف يمكن أن تقدم مضمونا تلفزيونيا متميزا عن المضمون الذي تنتجه الدول الأخرى بحيث يشبع احتياجات الجماهير للمعرفة ويؤثر على إدراكها للعالم.

بناء مكانة الدولة في النظام الإعلامي العالمي

كما تتزايد قدرة الدولة على التأثير في الشعوب وكسب العقول والقلوب كلما تمكنت من بناء قوتها ومكانتها في النظام الإعلامي العالمي وتزايدت مساهمتها في صناعة المضمون التلفزيوني العالمية.

هذا يعني توسيع مجال الدبلوماسية التلفزيونية ليشمل الكثير من الدراسات والنظريات التي يمكن أن تساهم في تأهيل الكثير من الكوادر لبناء قوة الدولة الإعلامية ومكانتها العالمية وعلاقاتها الدولية، كما يمكن أن يساهم في تأهيل قادة الدول لمخاطبة الجماهير باستخدام القنوات التلفزيونية، وهذا يمكن أن يساهم في تفسير لماذا توسعت الدول في الاستثمار في مجال إنشاء القنوات التلفزيونية واستخدامها في التأثير على الجماهير.

الإنفاق يزيد رغم الأزمة الاقتصادية

هناك جانب مهم يمكن أن يوضح أهمية القنوات التلفزيونية باعتبارها مصدرا لقوة الدولة وبناء مكانتها العالمية، حيث قامت الكثير من الدول بزيادة إنفاقها على القنوات التلفزيونية على الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت عام 2008.

وقد قامت الكثير من الدول بتقليل الإنفاق على السفارات في الوقت الذي قامت فيه بزيادة الإنفاق على استخدام القنوات التلفزيونية في بناء سمعتها ومكانتها العالمية.

التخطيط الإستراتيجي للدبلوماسية التلفزيونية

هذا يوضح أن الدبلوماسية التلفزيونية دخلت في مجال التخطيط الإستراتيجي لبناء العلاقات الدولية، خاصة في الولايات المتحدة ودول أوروبا والصين، وهناك الكثير من الدول التي أصبحت تنفق ببذخ على القنوات التلفزيونية التي تحقق أهداف سياستها الخارجية بشكل غير مباشر مثل مساندة نظم حليفة لها، أو إسقاط نظم معادية وتشويه صورتها في أذهان الجماهير، وهذا يشكل تطورا للدبلوماسية بشكل عام وبناء العلاقات الدولية وتشكيل نظام عالمي جديد في القرن الـ21.

التلفزيون والاتصال المستمر

سهلت القنوات التلفزيونية عملية الاتصال المستمر بين قادة الدول والنخب والسياسيين في دول العالم، وبذلك حققت الهدف الرئيس للدبلوماسية، فبدون الاتصال لا يمكن أن يتم بناء العلاقات الدولية، ولا يمكن تحقيق الاتفاق على التعاون لتحقيق أهداف على المستوى العالمي، لذلك قللت تغطية القنوات التلفزيونية للأحداث من أهمية وظيفة الدبلوماسيين التقليديين في جمع المعلومات لمساعدة صناع السياسة الخارجية في دولهم على اتخاذ القرارات التي تحقق المصالح القومية.

ثورة دبلوماسية

شكل تطور القنوات الفضائية ثورة في مجال العمل الدبلوماسي، وفرض على الدول أن تعيد بناء نظمها الدبلوماسية، وأن تخطط لبناء صورتها ومكانتها الدولية باستخدام الدبلوماسية التلفزيونية التي نعمل لتوسيع مجال دراستها.

تقوم الدبلوماسية التلفزيونية بالعديد من الوظائف، من أهمها:

  • توفير المعلومات للجماهير عن الأحداث والأزمات العالمية، ففي الأزمات تشتد حاجة الجماهير للمعلومات وتتزايد نسبة مشاهدة القنوات التلفزيونية، لكن الناس يحتاجون لمعلومات تتميز بالدقة والمصداقية، ولذلك يتزايد تأثير القنوات التلفزيونية كلما تزايدت ثقة الجماهير فيها.
  • بناء العلاقات بين الدول عن طريق نقل الرسائل المتبادلة، وتسهيل عملية الاتصال بين قادة الدول، وتحقيق التفاهم المشترك القائم على المعرفة.
  • تبادل الرسائل حول المقترحات والحلول التي تقدمها الدول للأزمات والمشكلات على المستوى العالمي.
  • إدارة الحوار بين النخب من دول مختلفة، وتسهيل إمكانيات المناقشة والتفاوض حول الكثير من القضايا، وزيادة فرص الحوار بين الثقافات.
  • بناء صورة العالم في أذهان الجماهير، ففي إطار تلك الصورة يتم بناء الصور الذهنية للدول، ومن أهم السمات التي أصبحت الدول تقوم بتسويقها أن الدولة تستطيع التوسط والعمل للتوصل إلى حل الأزمات التي تؤثر على حياة الناس كما فعلت تركيا في عقد اتفاق بين روسيا وأوكرانيا لتسهيل تصدير الحبوب الأوكرانية لإنقاذ العالم من أزمة غذائية، وهذا النموذج يوضح أهمية الأعمال التي تقوم بها الدولة لحل الأزمات، وتأثيرها على بناء صورتها العالمية، فقد تمكنت تركيا من بناء صورة إيجابية لنفسها تقوم على أنها أنقذت البشرية من المجاعة، وباستخدام الدبلوماسية التلفزيونية تستطيع الدولة أن تبني مكانتها العالمية وسمعتها وتأثيرها على الشعوب.
  • زيادة تأثير الدولة الثقافي على الشعوب، وهذا يساهم في بناء علاقات غير رسمية طويلة المدى مع الجماهير، فالقنوات الفضائية تساهم في تحويل العلاقات بين الدول إلى علاقات تقوم على تبادل المعرفة والمنتجات الثقافية، وهذا يمكن أن يساهم في تطوير العلاقات بين الدول والثقافات والحضارات خلال القرن الـ21.
  • ربط المواطنين الذين يعيشون خارج الدولة بقضايا وطنهم، وتوفير المعرفة لهم ليقوموا بدورهم في بناء صورة الدولة في الخارج، وزيادة إمكانيات بناء العلاقات مع الشعوب.

آفاق جديدة للدبلوماسية التلفزيونية

إن القرن الـ21 سوف يشهد بناء نظام عالمي جديد تقوم فيه العلاقات بين الدول على تبادل المعرفة، والتعاون في مواجهة أزمات يمكن أن تهدد البشرية.

والدبلوماسية التلفزيونية يمكن أن تقوم بدور مهم في بناء هذا النظام، وزيادة قدرات الشعوب على الحوار وتبادل الخبرات وحلول المشكلات.

لذلك، فإن الدول يجب أن تشجع جامعاتها على تطوير برامج علمية تهدف إلى تأهيل الكثير من الكوادر التي تساهم في تطوير النظام الدبلوماسي باستخدام الدبلوماسية التلفزيونية، فهل يمكن أن تواجه الجامعات العربية هذا التحدي فتقوم بتطوير الدراسات الإعلامية والسياسية وتربط بوعي بين التخصصات لتطوير أقسام علمية جديدة مثل الدبلوماسية التلفزيونية؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.