ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب وتهديد الاستقرار المجتمعي

بيان 21 يوليو/تموز 2020 أفاد بوجود ممارسات منافية للمنافسة في سوق توزيع المحروقات (وكالات)

عرفت حملة الرفض المتنامي لغلاء الأسعار في وسائط التواصل الاجتماعي بالمغرب اتساعا وتمددا، لا سيما أنها اتجهت رأسا إلى معضلة تتداخل فيها الثروة بالسلطة، والمصالح الشخصية بالمصالح العامة، ويتعلق الأمر بسوق الغاز التي يملك فيها رئيس الحكومة حصة الأسد، وذلك ما جعل الاحتجاج الصامت على الشبكة العنكبوتية يتخذ منحى سياسيا من خلال المطالبة بمساءلة رئيس الحكومة وتنحّيه، باعتباره طرفا في الاستفادة غير المشروعة من ارتفاع أسعار المحروقات.

جدل ارتفاع سعر المحروقات بالمغرب

تكاد تكون أزمة الطاقة مشكلة عالمية تخص جميع الدول، وليس المغرب استثناء من هذه الأزمة، بل إن جلّ الحروب التي تُخاض يكتنفها صراع مضمر حول الطاقة؛ تجلى ذلك بوضوح في الأزمة الراهنة في شرق أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، حيث تقف أوروبا مترددة بشأن معالجة تبعات أزمة الطاقة التي تهدد بها روسيا، والتي قد تعني شتاء باردا في حال تعقد الأزمة وعدم انفراجها أو غياب البدائل.

لكن على الرغم من ذلك، فإن هذه الدول التي يتجاوز اقتصاد دولة منها (مثل ألمانيا) اقتصادات الدول العربية مجتمعة؛ لم ينفرط فيها العقد، بسبب وجود مؤسسات الرقابة والتقيد بقيود القانون والمصلحة العامة، وذلك يعكس جانبا من جوانب الثقة رغم الهيمنة البادية للسوق والشركات. تلك الثقة تظل موضع تساؤل في المغرب، وغيره من دول المنطقة العربية، التي تجعل من المجتمع يبحث عن بدائل في الاحتجاج للتعبير عن مطالبه ورفض التوجهات الاحتكارية لدى "لوبيات" المال والأعمال، مما ينتج عنها اختلالات متعددة، لعل أكثرها خطرا ما يتهدد الاستقرار الاجتماعي.

تحتاج الأزمة إلى معالجة مركبة تستحضر مخاطر الاستثمار في الأزمة والاغتناء من ورائها على حساب القدرات الشرائية والوضعية الاجتماعية الهشة لشرائح واسعة قد يتطور رفضها واحتجاجها على "لوبي" المحروقات إلى ما هو أبعد من احتجاج افتراضي.

وبالنظر إلى جملة عوامل وأسئلة طرحها رواد فضاءات التواصل الاجتماعي في الأشهر الماضية، وانخرط فيها لفيف من النخبة، فإن الوضع أشبه بتجار المآسي، إذ تكون الأزمات والحروب والاضطرابات التي تعرفها النظم والمجتمعات دافعا لاغتناء فئة من وراء الأزمة، وهذا يحصل بشكل فاحش في الدول التي تغيب فيها آليات الحكامة والمحاسبة. وبصيغة أخرى، يفضي ذلك إلى الفراغ القانوني والمؤسساتي، أو عدم استقلالية المؤسسات الرقابية إلى مدى يجعلها تؤدي وظيفتها الفعالة، كما هو حال مجلس النواب/البرلمان الذي أعدّت له لجنة استطلاعية لأسعار المحروقات وشروط المنافسة صيف 2017 -عقب زيارات ميدانية ولقاءات مع الفاعلين والمستثمرين في قطاع المحروقات- تقريرا يشير إلى حالة الفساد في القطاع. ولكن توصيات اللجنة الاستطلاعية في ذلك التقرير، على ما فيه من وهن وعدم قدرة على التوصيف الصحيح لما شاب قطاع المحروقات من فساد، بقيت حبرا على ورق، بحيث لم تتحول إلى نظم قانونية وإجراءات تحمي المستهلك وتحدّ من نزعة الاحتكار، وذلك راجع إلى عدم الاستقلال الفعلي للسلطة التشريعية في النسق السياسي المغربي، وغياب الآليات التي تجعل المهام الاستطلاعية البرلمانية؛ التي يكون تشكيلها عادة لرصد العديد من الاختلالات والتجاوزات، تحوز سلطة التأثير الفعلي والمباشر في سنّ قوانين ملزمة تعالج الاختلالات الحاصلة.

في السياق نفسه، يمكن استحضار العمل الذي قام به مجلس المنافسة الذي يعدّ مؤسسة دستورية ذات طابع استشاري؛ يدخل اختصاصها بشكل مباشر فيما نحن بصدده، حيث عمد مجلس المنافسة قبل سنتين إلى رصد ارتفاع أسعار المحروقات وتحديد هامش الربح الذي جنته شركات المحروقات في ظرفية محدودة عقب تحرير قطاع المحروقات، إلى رفع تقرير لملك البلاد، يفيد بوجود تواطؤات محتملة بين موزعي المحروقات، باحتمال "وجود ممارسات منافية للمنافسة في سوق توزيع المحروقات" كما جاء في بيان له يوم 21 يوليو/تموز 2020، مع فرض غرامة مالية بمبلغ 9% من رقم معاملات موزعي المحروقات بأنواعها الثلاثة بالمغرب، وما دون ذلك بالنسبة للشركات الأخرى. وفي مرحلة لاحقة، رفع تقرير ثان يعمّم الغرامة المالية على كل الشركات بشكل متساو في حدود 8%، ليبرز فيما بعد وجود خلاف داخل المجلس نفسه، حيث تم تكوين لجنة للنظر في سير عمل المجلس، هي التي رفعت توصيات إلى الملك نتج عنها إعفاء رئيس المؤسسة بيوم 22 مارس/آذار 2021، بسبب مخالفات قانونية وتدهور مداولات المجلس، حسب بلاغ للديوان الملكي حينئذ.

ومن خلال تقرير المجلس الذي أفاد بوجود تواطؤات بين موزعي المحروقات، وكذلك التوترات التي شابت المجلس الذي ينتظر منه ضمان التنافس الشريف في الاقتصاد وحماية المستهلك، فإن المصرح به من مؤسسة رسمية هو الاستغلال الفاحش لتحرير قطاع المحروقات، في ظل غياب قوانين ضابطة، أو مع العجز عن تسقيف الأسعار. فتدهور المداولات داخل المجلس نفسه لا يفيد بعدم صحة خلاصات المجلس التي أتت شبه مطابقة لما أسفرت عنه اللجنة الاستطلاعية، وبين عمل اللجنة البرلمانية وما لحق رئيس المجلس يتبيّن حساسية موضوع المحروقات، والتأثير القوي "للوبي" المحروقات، الذي قد ينتج عن حالة الجشع زيادة الاحتقان الاجتماعي والسياسي معا في البلاد، ويؤثر في الثقة المجتمعية بالمؤسسات الدستورية التي تعاني أزمة معمقة في الأصل.

الاحتجاج في وسائط التواصل والرفض المجتمعي.. مستويات حل الأزمة

تستحضر حالة الرفض المتنامي لارتفاع أسعار المحروقات، وما ترتب عنها من ارتفاع أسعار للمواد الغذائية في المجمل وعيا سياسيا معمقا ينبغي الانتباه له والاستثمار فيه لتجاوز الاختلالات الحاصلة في نسق السلطة والفراغ الرقابي، من خلال تفعيل المؤسسات وآليات الرقابة على "لوبي" المال والأعمال، حيث تتداخل عند جزء منه المصالح الشخصية بالعامة، وهذا ليس إطلاقا للكلام بشكل مرسل، بل ورد في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، يوم 30 يوليو/تموز 2022، وذلك يفيد دعوة إلى تجنب التماهي في المصالح الفردية على المصالح العامة، والتي عُدّت إشارة إلى الأزمة الحاصلة التي تزيد من انسداد المشهد السياسي والاحتقان على المستوى الاجتماعي.

في الواقع، تحتاج الأزمة إلى معالجة مركبة تستحضر مخاطر الاستثمار في الأزمة والاغتناء من ورائها على حساب القدرات الشرائية والوضعية الاجتماعية الهشة لشرائح واسعة قد يتطور رفضها واحتجاجها على "لوبي" المحروقات إلى ما هو أبعد من احتجاج افتراضي، ذلك أن انعكاساتها مسّت العيش المباشر لعامة الناس، لا سيما أن وضع تقلبات أسعار الخام على المستوى الدولي وانخفاضها لا يوازيه الانخفاض في سعر بيعه للعموم، حيث يمكن أن يبلغ الربح الصافي في اللتر الواحد 3 دراهم فوق ما هو مقرر، وهو ما يعني حالة فساد واستغلال لوضعية الفراغ القانوني وتعطيل المؤسسات الرقابية أو قصورها عن القيام بأدوارها، مما يحتاج إلى التدخل للحد من تبعات الأزمة التي تعدّ بحق تجليا لمعضلة التداخل بين الثروة والسلطة، والبحث عنه لن يكون ناجعا إلا إذا كان بشكل منظومي من خلال مستويات متعددة:

المستوى السياسي

ذلك أن اقتصاد الريع والتجاوزات الحاصلة في قطاع المحروقات والتي تعبر عن فساد بنيوي يستفيد من طبيعة المنظومة السياسية، يفقد الثقة بالمؤسسات والوسائط السياسية، وعجزها عن حماية المصالح أو الصمت على تجاوزات "لوبي" يشكل تهديدا وخطرا على السلم الاجتماعي والنسق السياسي برمته، مما يعني أن المدخل كامن في ترسيخ الديمقراطية التي تسمح بإفراز نخب يمكن مساءلتها ومحاسبتها، وهو في الواقع ما يغيب عن إفرازات المشهد السياسي الحالي، الذي يزيد من تعميق الهوة بين الدولة والمجتمع.

والواقع أن الرهان على التنمية برؤية تستبعد المضمون السياسي يحمل أخطارا مجتمعية محدقة، ذلك أن جانبا من الرفض المجتمعي يسائل زواج المال بالسلطة، ويتجه إلى ضرورة الفصل، تجنبا لتحويل المؤسسات إلى مجرد أدوات في يد "لوبي" لا ينشغل بالاستقرار والسلم المجتمعي، إنما بالربح والثروة، وحينما تكون المآسي فرصة للاغتناء من طرف القلة المحتكرة، فإن هذا يكون مهددا للدولة في أحد أسس وجودها واستمرارها.

توقف الشركة الوحيدة بالمغرب المختصة بتصفية وتكرير البترول عن العمل، وعدم تدخل الدولة في حل المشكلة أو في القطاع برمته؛ سمح للوبي المحروقات بالهيمنة على سوق التوزيع، أما الضرورة فتقتضي تدخل الدولة في القطاعات التي تمس بشكل أو بآخر الاستقرار المجتمعي.

المستوى القانوني والرقابي

وهذا على صلة مباشرة بالمستوى السابق، ذلك أن "لوبي" المحروقات وغيره من أشكال اقتصاد الريع وتمظهرات الفساد، إنما ينتعش في ظل غياب استقلالية المؤسسات عن دوائر النفوذ، كما تجلى في تقرير اللجنة الاستطلاعية، ثم لاحقا مع مجلس المنافسة في نسخته السابقة والحالية التي عبّر رئيس المجلس فيها عن انتظاره تحيين قانون المجلس، وهذا يعبر عن أزمة تخفي خلفها حالة عجز قد يتطور معها الرفض المجتمعي إلى ما هو أبعد من احتجاج صامت.

تأميم شركة "سامير" وتدخل الدولة في القطاع

ذلك أن توقف الشركة الوحيدة بالمغرب المختصة بتصفية وتكرير البترول عن العمل، وعدم تدخل الدولة في حل المشكلة أو في القطاع برمته؛ سمح للوبي المحروقات بالهيمنة على سوق التوزيع، أما الضرورة فتقتضي تدخل الدولة في القطاعات التي تمس بشكل أو بآخر الاستقرار المجتمعي، فالمحروقات مجال حيوي ترتبط به جملة من القطاعات، ويتطلب حضور الدولة لضمان التوازن وعدم وقوع المجتمع تحت رحمة الشركات، في سياق اقتصادي تغيب فيه آليات الحكامة وتشوبه شبه الفساد.

ختاما: حينما يكون الفساد حالات فردية، فإن تأثيره يظل معزولا، لكن واقع الحال كما تجلى منذ تحرير قطاع المحروقات، ومع توالي تقارير اللجنة الاستطلاعية ومجلس المنافسة، ثم في السياق الراهن في عدم التناسب بين تحولات سعر الخام على المستوى الدولي وسعر البيع للعموم، مما نتج عنه رفض مجتمعي، فإننا أمام فساد بطابع مركب ومؤسسي، تلحق أضراره الدولة ويشكل تهديدا وجوديا لها، مستفيدا من الفراغ القانوني وآليات الرقابة، بما يقتضي حكم القانون وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة. غير ذلك، فإن الدولة/السلطة قد تصبح أداة في يد قلة محتكرة، مما يفرز أزمات تهدد السلم والاستقرار المجتمعي، لذلك ينبغي النظر إلى يقظة المجتمع باعتبارها منبّها لطبيعة الخلل والأزمة، ومن ثم مدخلا للإنقاذ ومصالحة الدولة بالمجتمع، وبصيغة أخرى استعادة الثقة المهدورة.

ويعكس استحضار هذا الجانب، حسب بعض القراءات، انتباها من المؤسسة الملكية في المغرب لمخاطر الاستثمار في سياقات الأزمة، لكن ذلك يبقى في واقع الأمر رهين الخطب على الرغم من أهميتها في المشهد السياسي من حيث إنها تحمل صبغة توجيهية.