عن إستراتيجية الغرب المترددة في أوكرانيا

الرئيس الأميركي جو بايدن (الجزيرة)

بعد 7 أشهر من الحرب، تحاول أوكرانيا تحويل مسار الصراع لصالحها، من خلال الهجوم المضاد الذي أطلقته منذ أسابيع ضد القوات الروسية في شرق وجنوب البلاد. إذا كانت هناك من نتائج واضحة يُمكن استخلاصها من المكاسب السريعة والانهيارات المفاجئة للدفاعات الروسية في منطقة خاركيف في الأيام الأخيرة، فهي:

أولا: أن كييف قادرة على استعادة زمام المبادرة، ليس فقط عندما تكون روسيا تخوض قتالا واسعا على جبهات عديدة كما حصل في بداية الحرب، بل أيضا عندما تحصر موسكو قدراتها القتالية الكبيرة في مناطق محدودة كما الحال الآن.

ثانيا: أن تزويد الدول الغربية الجيش الأوكراني بالمزيد من الأسلحة المتطورة، يُساعده فعلا على استعادة ما خسره من أراض منذ بداية الحرب. مع ذلك، فإن العبرة ليست في حرمان موسكو من بعض المناطق المهمة التي استولت عليها، بل في القدرة على الاحتفاظ بها لوقت أطول ومواصلة التقدم إلى النقطة التي تجعل روسيا تشعر بأن حربها وصلت إلى نفق مسدود.

بقدر أهمية الروح المعنوية التي يكتسبها الأوكرانيون في الوقت الحالي، فإن تحقيق هذه النتيجة مرهون بمدى قدرة الغرب على تعميق دعمه العسكري لكييف بشكل أكبر. الأسبوع الماضي، تعهد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن من كييف بمواصلة دعم أوكرانيا "طالما تطلب الأمر". لقد لعب الأميركيون بالفعل دورا بارزا في إفساد خطة بوتين لتحقيق نصر سريع وهندسة العزلة الغربية على روسيا، لكن الإستراتيجية الغربية لا تزال تفتقر إلى الوضوح الكافي لإجبار بوتين على التراجع والقبول بتسوية تفاوضية.

روسيا تتحول الآن من وضعية الدفاع ضد العقوبات إلى وضعية الهجوم، من خلال زيادة وتيرة تسليح إمدادات الطاقة لأوروبا دون الاكتراث لخسارة عشرات المليارات التي تجنيها شهريا من بيع الغاز للأوروبيين

نجح الغرب في تحويل الحرب -التي خطط بوتين لأن تكون خاطفة- إلى صراع استنزاف عسكري واقتصادي طويل الأمد لروسيا، لكن نقطة الضعف الرئيسية في هذه الإستراتيجية تكمن في رهانها الضعيف على أن روسيا ستجد نفسها مع مرور الوقت عاجزة عن تحمل التبعات العسكرية والاقتصادية والسياسية لفترة أطول. رغم الإخفاقات العسكرية السابقة والأخيرة، فإن بوتين لن يتخلى على الأرجح عن اعتقاده أن بمقدوره تحقيق الحد الأقصى من المكاسب قبل التفاوض على اتفاق سلام. لا تزال روسيا تُسيطر على ما يقرب من 20% من الأراضي الأوكرانية بعد الحرب، ودمرت نحو 30% من الإمكانات الصناعية والزراعية لأوكرانيا، كما حرمت كييف من معظم سواحلها المطلة على البحر الأسود.

علاوة على ذلك، لم يُظهر الاقتصاد الروسي أية مؤشرات حتى الآن على اقترابه من نقطة الانهيار بفعل العقوبات. استطاع بوتين التحول بسرعة إلى اقتصاد الحرب، وعمل على إيجاد بدائل أخرى قوية عن الغرب في العلاقات الاقتصادية والتجارية. في حين أن الغرب يُراهن على أن قدرة الاقتصاد الروسي على امتصاص صدمة العقوبات ستضعف بمرور الوقت، إلآّ أنّ هذا الاعتقاد -إن صحّ- فإنه لن يتحقق في وقت قريب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن روسيا تتحول الآن من وضعية الدفاع ضد العقوبات إلى وضعية الهجوم، من خلال زيادة وتيرة تسليح إمدادات الطاقة لأوروبا دون الاكتراث لخسارة عشرات المليارات التي تجنيها شهريا من بيع الغاز للأوروبيين. هذا التحول مثير للفزع في أوروبا على وجه الخصوص لأنّ تفاقم أزمة الطاقة فيها سيؤدي إلى ركود اقتصادي عميق واضطرابات اجتماعية وسياسية، وبالتالي فإن فرص بقاء تماسك الوحدة الغربية تتراجع على نحو يُعزز قناعة بوتين بإمكانية كسب الحرب. الأميركيون يُعانون بالفعل من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنّهم أقل عرضة للتداعيات مقارنة بالدول الأوروبية.

يبدو الغرب واقعيا في التعامل مع الصراع من خلال اقتناعه بصعوبة تحقيق هزيمة مذلة لبوتين، وتركيزه بدلا من ذلك على إنهاك روسيا إلى الحد الذي يدفعها للقبول بتسوية تفاوضية. ذلك غير ممكن إذا لم يرفع الغرب سقف رهانه على انخراطه العسكري في الحرب. لا تزال آلة الحرب الروسية تعمل بفعالية، والضغط المؤثر على بوتين يتطلب التزاما عسكريا أكبر لتحقيق أهدافه.

زوّدت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الجيش الأوكراني بأسلحة متطورة لمقاومة الهجوم الروسي، لكنّ أوكرانيا لا تزال تجد صعوبة في إضعاف التفوق الروسي. رفض الرئيس جو بايدن صراحة مطالبة فولوديمير زيلينسكي لحلف الناتو بفرض حظر جوي فوق أوكرانيا، ولا يزال يُعارض حتى اليوم تزويد كييف بطائرات مقاتلة خشية الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع روسيا. كما رفع بايدن خطوطا حمراء أمام استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب، لكنّه لم يحدد ما الذي سيفعله الغرب لإجبار بوتين على التراجع. من الواضح أن بوتين يرى في القلق الغربي من الانجرار إلى صدام مع روسيا على أنه ضعف.

يتفاخر المسؤولون الأميركيون والغربيون بأن انخراط الغرب بالوكالة في هذه الحرب حرم بوتين من تحقيق نصر سريع وحاسم، لكن تحول الصراع إلى الشكل الذي تستطيع فيه قوة عسكرية كبيرة كروسيا التعايش معه لفترة طويلة، يُقلص من فوائد الإستراتيجية الغربية ويُعرضها لمزيد من المخاطر. قد يدفع هذا التحول ببوتين إلى تكثيف الحرب التقليدية في الشرق والجنوب، أو ربما استخدام أسلحة أكثر فتكا إذا ما شعر بأن الغربيين يسعون إلى إذلاله. يجادل المسؤولون الأميركيون بأن بوتين لن يخاطر أبدا بالتصعيد النووي، لكن هذا الرهان لا يبدو مضمونا، خصوصا عندما يرى بوتين أن المكاسب التي حققها منذ بدء الحرب تتبدد.

إن تصعيد روسيا المحتمل للصراع من شأنه أن يضغط بشكل أكبر على الغرب الذي يسعى لتجنب تعميق الانخراط في الصراع. ستكون الإستراتيجية الغربية أكثر فعالية وقابلية للنجاح طالما أنها قادرة على تجنب الصدام المباشر وحرمان بوتين من تحقيق المزيد من المكاسب، أو حرمانه من بعض المكاسب التي حققها.

كلما طال أمد الحرب، زاد احتمال انجرار روسيا والناتو إلى صراع مباشر. لا يحتاج بوتين إلى الكثير من الحوافز لمهاجمة قوافل المساعدات العسكرية الغربية التي تصل إلى الجيش الأوكراني عبر بولندا. حتى الآن، لم تُهاجم روسيا أيا من هذه القوافل بشكل مباشر، لكنّها سعت إلى عرقلة وصولها من خلال قصف طرق الإمداد.

قد يُصعد بوتين أكثر عندما يجد أن قصف طرق الإمداد لا يفعل ما يكفي لمنع وصول الأسلحة إلى أوكرانيا. رغم أن الأهداف الأميركية المُعلنة بإضعاف روسيا لا تصل إلى الحد الذي يُشكل تهديدا وجوديا لحكم بوتين، فإن الغرب يراهن على أن إطالة أمد الحرب ستجعل بوتين عقلانيا في تعامله مع الصراع. تبدو حرب الاستنزاف الطويلة مُكلفة لبوتين على صعيد القدرة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والسمعة قبل كل شيء، لكنّ أضرارها على الغرب في تزايد.

علاوة على ذلك، فإن اتجاه بوتين إلى تعميق العلاقة مع الصين يُضر بالإستراتيجية الأميركية على المدى البعيد. بدأت روسيا بالفعل في تحويل صادرات الطاقة والمعادن من الأسواق الأوروبية المعادية، إلى الصين. سيعتمد المستهلكون الروس بشكل متزايد على الواردات الصينية، مما يعني أن استقرار الاقتصاد الروسي سيعتمد بشكل أكبر على ضخ النقد والسلع الصينية. هذا الوضع سيُتيح لبكين ممارسة قدر كبير من النفوذ على موسكو.