التغريبة السورية الداخلية في فيلم "نزوح"

صورة من الفيلم السوري “نزوح”
من الفيلم السوري “نزوح” (مواقع التواصل الاجتماعي)

بينما ينهمك الأب "معتز" في تغطية آثار قصف الطائرات على منزله في سوريا، باستخدام أفرشة السرير، تستغرب ابنته المراهقة من المنظر وتقول له: "أشعر وكأننا في خيمة، كتلك التي صنعناها ونحن أطفال". يحاول معتز أن يقنع زوجته وابنته بأن كل الأمور ستكون على ما يرام، وأنه سيصلح كل شيء.

يغوص الفيلم في قلب الثقافة الشعبية الشامية والفخر الدمشقي بالانتساب للشام عبر شخصية "معتز"، التي يؤديها الممثل سامر المصري. فبعد أن أصبح شارعه أطلالا وهجره البشر، ما فتئ معتز يمني زوجته وابنته بأن الوضع سيتغير، رافضا فكرة أن يحمل لقب نازح أو لاجئ

تزداد أحوال الأسرة صعوبة عندما تصلهم تحذيرات من احتمالية دخول الجيش المنطقة، فتقرر الزوجة والابنة الرحيل رغما عن الأب في فيلم "نزوح"، الذي حصد جائزة الجمهور في مهرجان فينيسا السينمائي الدولي هذا العام 2022، وهو من إخراج المخرجة السورية الفرنسية سؤدد كعدان، وبطولة الممثل السوري سامر المصري والممثلة السورية كندة علوش، ومن إنتاج سوري فرنسي بريطاني مشترك.

يبدأ الفيلم بجملة تعريفية للعنوان، وهي "نزوح الروح والماء والبشر" التي تلخص عناصر الحياة الرئيسية التي سُلبت تباعا من السوريين بداية من غربة الروح، ثم شح المياه ومقومات الحياة الرئيسية، وأخيرا موجات انتقال البشر نزوحا ولجوءا. ويحسب للفيلم أنه طرق زاوية هامة تتعلق بالوضع في سوريا، ليس من زاوية الهجرة واللجوء، ولكن من زاوية النزوح. والفرق بينهما أن النازح هو الذي أرغم على ترك مدينته لمكان آخر في الدولة ذاتها، أما انتقاله لبلد أخرى، فيسمى لجوءا. وانصب حوار الفيلم حول رفض فكرة النزوح وترك دمشق.

وهنا يغوص الفيلم في قلب الثقافة الشعبية الشامية والفخر الدمشقي بالانتساب للشام عبر شخصية "معتز"، التي يؤديها الممثل سامر المصري. فبعد أن أصبح شارعه أطلالا وهجره البشر، ما فتئ معتز يمني زوجته وابنته بأن الوضع سيتغير، رافضا فكرة أن يحمل لقب نازح أو لاجئ وهو ابن الشام الأصيل. وفي هذا الدور تفوّق المصري على نفسه، الذي لا يستطيع أي مشاهد أن يفصله عن شخصية "العقيد أبو شهاب" في دوره بمسلسل "باب الحارة" الشهير. وكأن الفيلم سيرة ذاتية لما حدث للعقيد أبو شهاب بعد الثورة السورية.

صورة من الفيلم السوري “نزوح”
الفيلم السوري “نزوح” الذي حصد جائزة الجمهور في مهرجان فينيسا السينمائي الدولي هذا العام 2022 (مواقع التواصل الاجتماعي)

استطاعت المخرجة سؤدد كعدان أن توظف عناصر الإضاءة الطبيعية والظلال في مواقع المباني المدمرة التي لا تحمل أي قيم جمالية، لتخرج ببعض اللقطات الشاعرية الجمالية، مثل مشهد نزول الزوجة والابنة للنفق وعند خروجهما منه. كما حاولت أن تستخدم التضاد بين الظلام الليلي الدامس، الذي يغطي هذا الحي من المدينة المحرومة من الكهرباء، ومشاهد النهار والشمس المشرقة؛ لتعزيز المقارنة البصرية بين أحوال الظلام والنور ورمزية ما تمثله كل حالة منهما في سيناريو الفيلم. ففي مشاهد الليل، لا نكاد نرى الممثلين، بل نرى أشباحا نميزها فقط من الصوت وبعض حدود الأجساد، للدلالة على الغموض الذي يكتنف مستقبل السوريين ومصيرهم.

الإغراق في واقعية الشأن السوري

لا يمكن فصل الفيلم عن موجة الأفلام السورية في المهرجانات الدولية في السنوات الماضية؛ فهو يشترك معها في التماس الشديد مع الواقع الذي يكاد يصل لدرجة التطابق والتماثل والسرد البصري، طبقا للمدارس الأوروبية. ويتجلى هذا في طريقة إخراج الفيلم التي تنتمي إلى حد بعيد إلى المدرسة الفرنسية في الإخراج، التي تعتمد على الصوت الطبيعي -أكثر من الموسيقى- وقلة الحوار، واستنطاق مكونات المشهد في اللغة البصرية. ولهذا لا أتوقع أن يتفاعل المشاهد العربي مع الفيلم كما يتفاعل مع أعمال سينمائية أخرى. وإن كان من الضروري أن ينفتح جماليا على هذه المدارس البصرية وأن تكون متاحة أمامه خاصة باللغة العربية، كونها تعبر عن قضية عربية.

هناك أيضا ضعف شديد في القصة والسيناريو والحبكة وطريقة المعالجة، مما أثر على طريقة السرد الدرامي للقصة. ويبدو أن المخرجة تأثرت كثيرا بتجربتها السابقة في الأفلام الوثائقية؛ فوضعت كل تفاصيل الثورة السورية في الفيلم، بداية من فكرة الناشط الذي يوثق الحرب للسيدة المحرومة من ابنتها، وهواتف الثريا، والمسلحين، ودور المواطن الصحفي، وأسعار بيع صور الدمار لوسائل الإعلام؛ في زحام من المعلومات ليس له توظيف حقيقي في بنية الفيلم القصصية سوى التأكيد على أن الفيلم يتحدث عن الثورة السورية ويتناولها. وربما لو استعانت المخرجة بسيناريست وركزت على الإخراج، لكان الفيلم قد خرج بشكل أقوى.

ويعد الحوار الأمر الذي رفع من قيمة الفيلم وعوض هذا النقص في السيناريو والحبكة، فلقد انتقي بعناية، إذ تعكس كل كلمة فيه رمزية ورسالة الفيلم؛ فحين تقول البنت لأمها وهم يهربون إن المسلحين حولهم من جماعتهم، ترد الأم بأنه لا أحد معنا الآن، كناية عن الخذلان الذي يشعر به معظم السوريين. وحين تسأل الأم سيدة عابرة عن مكان النفق، تباغتها السيدة بسؤال آخر إن كانوا تابعين للنظام أم للمناطق المحررة؟ فترد الأم: "بحر"، في دلالة على تمثيل قطاعات شعبية لا تريد أن تكون أسيرة هذه الازدواجية.

الممثلة كندة علوش كانت إضافة للفيلم، وذلك لشهرتها ولإضفائها جوا من المصداقية على العمل كونه أتاح للمشاهدين رؤيتها وهي تتحدث لهجتها السورية، بعد عديد من الأعمال الفنية التي تحدثت فيها باللهجة المصرية. ولأنها لم تتحدث كثيرا في الفيلم، فقد ظل دورها ربما أقل من العادي، من دون أي استثمار أو استكشاف لها، خاصة أنها غير مدربة على التمثيل بالعين وحركات الوجه الذي تتطلبه مثل هذه الأعمال الفنية التي تنتمي للمدرسة السينمائية الفرنسية.

استطاع الفيلم أن يأخذ المُشاهد من الدور المركزي للأب والزوج "معتز" في بداية الفيلم، لينتقل شيئا فشيئا نحو مركزية المرأة، متمثلة في الابنة التي تحاول الخروج عن سيطرته، ثم تتبعها الأم التي تقرر تهجر المدينة نهائيا. وكان واضحا رمزية الأب للسلطة والابنة والزوجة للمعارضة. وهنا يمكن أيضا فهم هذا التحول كرمزية لتبدل أحوال نساء أهل الشام المحافظين بعد الثورة، وفقا لتصريحات المخرجة الصحفية، لكن هذا التحول بدا وكأنه تناقض في قصة الفيلم؛ لأن الأسرة ظهرت في إطار ديني محافظ جدا في شكل توثيقي واقعي لطبيعة معظم الشوام، لتنتقل القصة إلى بُعد تحرري عبر علاقة وتصرفات الابنة مع جارهم عامر وقرار الزوجة المفاجئ بالسفر، من دون تمهيد لهذا التحول أو شرحه.