حرب أميركا في أوكرانيا | (9) النظام العالمي القائم على القواعد

التوتر بين موسكو وواشنطن.. هل تفلح قمة بوتين و بايدن في احتوائه؟ biden and putin
الرئيسان الأميركي جو بايدن (يمين) والروسي فلاديمير بوتين (الجزيرة)

منذ تولّي الرئيس جو بايدن السلطة في الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني 2021 وهو لا يكاد يترك مناسبة إلا ويذكر فيها النظام العالمي القائم على القواعد، خاصة المناسبات ذات الصلة بالصين وروسيا، أو الدول المصنفة لدى الولايات المتحدة بأنها دول راعية للإرهاب، حيث يتهم الرئيس بايدن وإدارته جميع هؤلاء بأنهم يسعون إلى تقويض النظام القائم على القواعد، وأن على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها العمل معا من أجل حماية هذا النظام، والوقوف بحزم في وجه القوى التي تهدد استقرار المجتمع الدولي وتعمل على تقويض نظامه القائم على القواعد. فما هذا النظام؟ وما القواعد التي يقوم عليها؟

بينما كانت الولايات المتحدة تقود ما تسميه "الحرب على الإرهاب" في العقدين الماضيين؛ كانت روسيا الاتحادية تسترجع توازنها وقوتها وتموضعها السياسي في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وكانت الصين تحقق إنجازات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية هائلة ومتسارعة؛ جعلتها المهدد الأكبر للولايات المتحدة وحلفائها، وللنظام الدولي الليبرالي القائم.

ترويج متسارع ومريب

يذكرنا إصرار الرئيس بايدن وإدارته وحلفائه على الزج بمصطلح "النظام العالمي القائم على القواعد" في مختلف المناسبات والاتفاقيات بما كان عليه الرئيس جورج بوش الابن في الترويج لمصطلح "الحرب على الإرهاب"، التي دفع إليها أكثر من 170 دولة، من دون أن تعرف شيئا عن طبيعة العدو وحجمه، ومدى خطورته، وقدراته العسكرية والاقتصادية، ولا عن ساحة المعركة وحساباتها. والآن تعلن إدارة بايدن أن الحرب على الإرهاب انتهت إلى حد كبير، وأن الحرب اليوم ضد المنافسين الذي يسعون إلى تقويض النظام العالمي القائم على القواعد.

لذلك لم يكن غريبا على الرئيس بايدن في اجتماعه بقادة مجلس التعاون الخليجي ومصر والعراق والأردن، في قمة الأمن والتنمية بمدينة جدة الشهر الماضي؛ أن يجعل من قضية بناء الولايات المتحدة للشراكات البند الأهم بين بنود الاجتماع، حيث أكّد أن الولايات المتحدة ستدعم الشراكات وتعززها، ولكن مع الدول التي تشترك في النظام الدولي القائم على القواعد. وقبل هذه القمة، كان الرئيس بايدن دفع بالأمم المتحدة لتدعو على لسان أمينها العام إلى أهمية الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد، الذي ترسّخه الأمم المتحدة، بوصفه عنصرا حاسما في مواجهة أكبر التحدّيات الراهنة.

أما حلف الناتو فقد شدد في خطته 2030 -التي أجازها قادة الحلف في يونيو/حزيران العام الماضي- على أنه "يتكيف مع المنافسة العالمية المتزايدة، ومع المزيد من التهديدات غير المتوقعة، بما في ذلك الإرهاب والهجمات الإلكترونية، والتقنيات التخريبية، وتغير المناخ، وتحديات روسيا والصين "للنظام الدولي القائم على القواعد". وخصصت الخطة الهدف الخامس من الأهداف التي اقترحتها للتركيز على "التمسك بالنظام الدولي القائم على القواعد"، النظام الذي يدعم أمن الحلفاء وحريتهم وازدهارهم، والذي بدأ يتعرض لضغوط من الدول الاستبدادية، مثل روسيا والصين، اللتين لا تشاركان الحلف وشركاءه القيم التي يرتكز عليها، ولذلك سيستثمر الناتو حتى عام 2030 في زيادة وتعميق شراكاته بما يتماشى مع قيمه ومصالحه لحماية "النظام الدولي القائم على القواعد".

وعلى المنوال ذاته، حذّرت وثيقة السياسات الدفاعية الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية -التي أعدّها الحلف في يونيو/حزيران الماضي- من أن طموح الصين المعلن وسلوكها الحازم يهدّدان بصورة منهجية "النظام الدولي القائم على القواعد" والمجالات ذات الصلة بأمن الحلف، حيث تعمل الصين على توسيع ترسانتها النووية بزيادة عدد الرؤوس الحربية وأنظمة التوصيل المتطورة.

إعلان الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2014 أن الشؤون الآسيوية ومشاكلها يجب أن يديرها الآسيويون ويحلّوها بدلا من القوى الخارجية؛ هو إعلان يشبه تصريح الرئيس الأميركي جيمس مونرو (1817-1825) الذي أدلى به قبل قرنين من الزمان، حين أعلن أن الولايات المتحدة ستعارض أية محاولات أوروبية لإعادة استعمار الأميركتين بدءا من 1823، وكانت بريطانيا حينها أكبر إمبراطورية في العالم.

أما وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن فهو على نهج رئيسه لا يترك مناسبة -في لقاءات ثنائية أو متعددة، إقليمية أو دولية، أو محاضرات في الجامعات أو مؤتمرات صحفية- إلا ويتحدث فيها عن التحديات التي تواجهها الدول الديمقراطية من الأنظمة الاستبدادية، التي تعمل جاهدة على تقويض "النظام القائم على القواعد"، هذا النظام الذي يُعد ضروريًّا وأساسيًّا لأمن وازدهار الدول الديمقراطية، من دون أن يقدم توضيحا محددا للمقصود بهذا النظام. فهو يتحدث عن أهميته للدول الديمقراطية، وعن ضرورة العمل مع الحلفاء والشركاء للدفاع عنه، مشيرا إلى أن الهدف من الدفاع عن "النظام القائم على القواعد" هو حماية حق جميع البلدان في اختيار طريقها الخاص، خالية من الإكراه والتخويف.

مع تأكيد أن الاستقرار في أوروبا على المحك، وأن "النظام الدولي القائم على القواعد" يتعرض للاختبار على أيدي روسيا والصين، وأن الولايات المتحدة ستعمل على محاسبة روسيا على حربها في أوكرانيا، هذه الحرب التي تستهزئ بميثاق الأمم المتحدة، و"النظام الدولي القائم على القواعد" الذي جلب الاستقرار والتنمية العالميين على مدى 75 عامًا الماضية.

ما النظام الدولي القائم على القواعد؟

لا يوجد في مواثيق الهيئات والمنظمات الدولية التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومعاهداتها واتفاقياتها ما يُعرف بـ"النظام الدولي القائم على القواعد"، ومع ذلك فقد أشارت عبارة وزير الخارجية الأميركي التي قال فيها إن "النظام الدولي القائم على القواعد هو الذي جلب الاستقرار والتنمية العالميين على مدى 75 عامًا الماضية"؛ في محاولة لربط مسمى "النظام الدولي القائم على القواعد" بالنظام الذي تأسس بقيادة الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والذي عرف حينها بالنظام الدولي الليبرالي (LIO) الذي تقوم قواعده على أساس الليبرالية السياسية والاقتصادية والأممية الليبرالية، وتنظم علاقاته الدولية مجموعة مؤسسات دولية متعددة الأطراف، على رأسها الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية، ومجموعة مواثيق وعهود، مثل ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والعهد الدولي لحقوق الإنسان، وتحكمه مجموعة مبادئ، كالديمقراطية والمساواة والحرية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والتعاون الأمني والتعاون النقدي.

وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة بينه وبين الولايات المتحدة، استخدم الرئيس جورج بوش الأب عبارة "النظام العالمي الجديد"؛ معلنا حقبة جديدة تتربع فيها الولايات المتحدة وحدها على سدة عالم أحادي القطب، عبّر عنه الرئيس بوش بقوله: لا بديل عن القيادة الأميركية للعالم. وكانت حرب الخليج عام 1991 بمثابة الاختبار الأول للنظام العالمي الجديد.

فبينما كانت الولايات المتحدة تقود ما تسميه "الحرب على الإرهاب" في العقدين الماضيين كانت روسيا الاتحادية بقيادة الرئيس فيلاديمير بوتين تسترجع توازنها، وتعيد تموضعها السياسي في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وتعيد بناء قوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وفي الوقت نفسه، كانت الصين تحقق إنجازات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية هائلة ومتسارعة، جعلتها المهدد الأكبر المباشر للولايات المتحدة، وللنظام الدولي الليبرالي القائم.

وطيلة العقدين الماضيين، كانت الولايات المتحدة تراقب الصعود المتسارع للصين في كافة المجالات، حتى بلغ بها الأمر حدا لا يمكنها السكوت عليه، بعد أن تيقنت تماما من أن قيادتها للعالم تواجه تهديدا حقيقيا بعد أن شرعت الصين في القيام بمبادرات عالمية مستقلة ومنافسة لمؤسسات وأنشطة النظام العالمي القائم، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) ومبادرة حزام واحد طريق واحد (One Belt One Road)، وتعلن بكل إصرار وقوة أنه لا بد من مراجعة النظام الدولي الليبرالي القائم، وتأسيس نظام عالمي جديد يتحرر من هيمنة الولايات المتحدة والديمقراطية الغربية وعدم تمكنها من تحقيق مكاسب في هذه البلدان الآسيوية.

من هنا جاء إعلان الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2014 أن الشؤون الآسيوية ومشاكلها يجب أن يديرها الآسيويون ويحلوها بدلا من القوى الخارجية، وهو إعلان يشبه تصريح الرئيس الأميركي جيمس مونرو (1817-1825) الذي أدلى به قبل قرنين من الزمان، حين أعلن أن الولايات المتحدة ستعارض أية محاولات أوروبية لإعادة استعمار الأميركتين بدءا من عام 1823، وكانت بريطانيا حينها أكبر إمبراطورية في العالم.

في العقدين الماضيين، ظهر مصطلح "النظام الدولي القائم على القواعد" في استخدامات متفرقة على ألسنة السياسيين، من دون أن يكون له أي أثر في القانون الدولي، أو أي دلالة محددة، وما زال مصطلحا غامضا، يحتاج إلى كثير من التوضيح والإجراءات. ولعل كلمات الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما -في مقاله في صحيفة واشنطن بوست في مايو/أيار 2016- ما يوضح قليلا المقصود من هذا المصطلح، حيث يقول "يجب على أميركا أن تكتب القواعد، يجب على أميركا أن تحتل الصدارة، وعلى الدول الأخرى أن تلتزم بالقواعد التي وضعتها أميركا وشركاؤنا، وليس العكس". "لقد تغير العالم، والقواعد تتغير معها، يجب على الولايات المتحدة أن تكتبها، وليس دولًا مثل الصين".

فهل يرجع إكثار إدارة الرئيس بايدن وحلفائها من استخدام هذا المصطلح إلى رغبة بايدن في متابعة تنفيذ ما ذكره باراك أوباما؟

(يتبع)

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.