التعددية الدينية والاحتكار والعلمنة

مسجد آيا صوفيا الكبير في إسطنبول (الأناضول)

لدينا العديد من المشكلات في المجال الديني، وبعض هذه المشكلات تجعل المتدينين قلقين وحذرين بشأن حالة عدم الفهم، أو الفوضى، أو العلمنة التي تنتشر، إلا أن أولئك البعيدين عن الدين تروق لهم هذه المناقشات الدينية جدا ويرونها فرصة في حد ذاتها لتنفير الناس من الدين، مستخدمين حجج المتدينين أنفسهم لقلبها عليهم، وهذا الأمر مقلق للغاية.

على أرضية تزداد فيها التعددية الدينية في بيئة صحية، فإن المناقشات بين الأديان لا تبعد الناس عن الدين أو تنفرهم منه، بل على العكس تماما، وبفضل هذه المناقشات؛ يمكن لجميع الأديان التعبير عن نفسها بوضوح ومناقشة الأسس والحجج والمبادئ بحرية تامة لجميع الأطراف. لا خلاف أن القرار يعود لكل فرد في ما يتبناه وفي ما يتركه، وإذا كان محتوى العقيدة التي ينتهجها في الدين هو محتوى صحيح أو لا. في الأصل النقاشات التي تدور حول مواجهة تصورات عقيدة الأديان الأخرى إيجابية، ولكن عندما تصبح هذه المواجهات روتينًا للحياة اليومية، فإنها ستؤدي حتمًا إلى بعض الارتباك أو الجهل.

لا توجد علاقة تامة بين الدين والسِلم الاجتماعي أو العقلي، وبمعنى أدق يمكن أن نقول إن هناك علاقة ولكنها ليست مستقلة عن كل ما حولها من العوامل الأخرى، أي أن الدين يجلب السلام والطمأنينة ولكن إذا توفرت معه البيئة الخصبة لذلك

ألا يعد "سورين كيركيغارد" المؤلف الدانماركي واللاهوتي وأول فيلسوف ديني كتب نصوصا نقدية حول الدين المنظم والمسيحية والأخلاق تحديا كبيرا لمجتمع يدين كامله بالمسيحية؟ هذا التحدي هو الذي أقلق المجتمع وسلطته وفلاسفته وأثرى المناخ العام؛ إذ انتقد بشدة تطبيق المسيحية كدين للدولة، خاصة ما تفعله كنيسة الدانمارك. وناقش الأخلاقيات المسيحية، ومؤسسة الكنيسة، والاختلافات بين البراهين الموضوعية البحتة للمسيحية، والتمييز النوعي اللانهائي بين الإنسان والله، وعلاقة الفرد الذاتية بيسوع المسيح، وكان هذا من نتاجه أن استفز عمله ومناقشاته وأطروحاته عواطف الأفراد ومشاعرهم عند مواجهتهم خيارات الحياة.

الدين -بالطبع- ليس مجرد تأكيد أنه شكل من أشكال العقيدة الفردية التي يجب أن يحياها الناس منفردين، ولكنه بالأحرى مادة لاصقة تربط علاقاتنا الإنسانية ونظامنا الاجتماعي. في الواقع؛ هذه الوظيفة المهمة والمقلقة للدين كانت موجودة دائمًا، لكن هذا دائمًا ما يتم نسيانه، ويبدو أنه من المرغوب فيه أن يُنسى. يمارس المتدينون نوعا من الإزعاج المستمر للناس باسم الدين، ويقولون إن الدين هو الذي يجلب السلام بين الناس؛ ولذلك يبقون النقاش في الدين حيًّا دائما ومطروحا في كل وقت، أما السياسيون فيحاولون إقصاء هذا البعد، لأنهم يفكرون دوما في أن الدين يتعارض مع السلطة والإدارة، وهم يمثلون السلطة لذلك يجب ألا يكون للدين مكان في نفوس الشعوب.

هناك أيضًا نوع من الانزعاج الذي يجتاح العالم، ويشير إليه أستاذ الفلسفة بجامعة إسطنبول "نجدت سوباشي" باسم "الإرهاق الديني". فهل هذا الإرهاق الديني يعود لانشغالنا الشديد بالدين؟ أم بسبب اختلاف المعاني والتوقعات في الأديان؟ أم بسبب الصراعات المرهقة بين الناس الذين يتصارعون باسم الدين؟ أم بسبب المشاجرات التي تقوّض معنى الحقيقة؟ من الواضح أن هذا التعبيرات من شأنها إثارة الأفكار، وتعكير صفو التصورات "الروتينية"، وإرهاق العقل.

لا توجد علاقة تامة بين الدين والسِلم الاجتماعي أو العقلي، أو بمعنى أدق يمكن أن نقول إن هناك علاقة ولكنها ليست مستقلة عن كل ما حولها من العوامل الأخرى، أي أن الدين يجلب السلام والطمأنينة ولكن إذا توفرت معه البيئة الخصبة لذلك. ويمكن أن يحوّل الناس الدين إلى سلعة يمكن شراؤها وبيعها عن طريق تقديمها مغلفة بوعود السلام في المجتمع، مستخدمين حقيقة واقعة أن الدين يجلب السلام لكنهم يقدمونها بالطريقة التي تؤدي إلى الإرهاق الشديد للناس. إن تحويل الدين إلى سلعة سوقية لا يتوافق أبدا مع طبيعة الدين، ويجعله أبعد ما يكون عن تأديته دوره. إن حدوث الجدل بين الادعاءات الدينية أمرٌ طبيعيٌ تماما، ولكن خروج الأمر عن حده يؤدي بكل تأكيد إلى فقدان الدين واحدة من أكبر وظائفه في النفس الإنسانية، ويجب ألا ينتشر الشعور بالإرهاق الديني عند الناس.

أسوأ ما في الأمر أن تأخذ جماعة دينية -أو وجهة نظر دينية معينة- سلطة الدولة وتحاول القضاء عليها من دون الدخول في أي نقاش مع الجماعات الدينية الأخرى؛ إذ إن الخطاب الديني الذي يتضمن خطابات تبسيطية، أو مبالغا فيها، أو عصبية، هو خطاب ساذج قد يحدث دويا كبيرا في وقته، ولن تكون له أبدا أي مكانة مستقبلية في نفوس الناس.

في الواقع؛ إن محاولة احتكار الدين من قبل جشع يرى الدين سوقا لا يخدم فهمه الديني على المدى الطويل، وفي معظم الحالات لا يملك رواد الأعمال الاحتكاريون هؤلاء رؤية إستراتيجية طويلة المدى، فيلجؤون إلى هذه الطريق لأنهم لا يثقون في فهمهم الديني وحججهم وأدلتهم وصدقهم، وبما أن الصادقين ليست لديهم خسائر في القضية الدينية، فلا داعي لأن يتخذوا موقف المدافعين، لكن فقط يجب أن يظلوا ثابتين داعين إلى مبادئهم بحكمة وثقة واستمرار.

الدين دين الله، وواجب من يؤمن بالدين أن ينقل ويبلّغ الدين بوضوح، من دون أي ضجة أو تعصب أو إكراه، والأمر متروك للناس في تلبية هذه الرسالة، لأنه لا إكراه ولا خداع في الدين، وقد ذكر ذلك في القرآن الكريم أنه (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْد مِنَ الْغَي"، وفي آية أخرى في خطاب موجه للنبي محمد صلى الله عليه وسلم (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ".

أخيرا، إن علمنة العالم أو الخروج عن الدين هي تفضيلات الناس بالكامل، ولا داعي لأن يتعصب المؤمن حين يرى هذه الاختيارات من الناس، والمسلم سيخبر الناس بكل ما يعرفه على أنه الدين الحق، لكن أثناء القيام بذلك لا يحق للمسلم اللجوء إلى طرق متعصبة أو إزعاج الآخرين، أو أن يأخذ أي فائدة مالية مقابل الدعوة؛ مثل جميع الأنبياء الذين رويت قصصهم في القرآن على أنهم لم يطلبوا أجرًا أو مكافأة أو منفعة مقابل دعوتهم الناس.

وبالتالي؛ يجب أن يكون السؤال الأهم ضد جميع الحركات التي تدّعي الدعوة للحقيقة: هل تتم الاستفادة من الحركة الدينية التي تدعو إليها؟ هل تتحول هذه الحركة الدينية إلى مصدر للربح الاقتصادي؟ ما نوع المنفعة التي توفرها هذه الحركات للأشخاص الذين يدعونهم؟ ولماذا يتصرف الأشخاص الذين لا يسعون وراء السلطة بجشع وتعصّب في مناقشة الدين، ويلجؤون إلى خطابات الكراهية والحماسة بتسرع واجتهاد لا يتماشيان مع كرامة الدين وحقيقته؟