التداخل بين الفقهي والأخلاقي عند الحنابلة

في أي شهر تشعر المرأة الحامل بركلات الجنين؟
يرى الحنابلةُ أن الجنين يمرّ بمراحل ثلاث، هي: النطفة والعلقة والمضغة، ومدةُ كل مرحلة 40 يومًا ثم تُنفخ فيه الروح (غيتي إيميجز)

ثمة صورة شائعة عن المذهب الحنبلي، وهي أنه مذهب نصيٌّ أقرب إلى ما يسمى في حقل الأخلاق "نظرية الأوامر الإلهية" (Divine Command Theory)، ومن ثم سأحاول في هذا المقال اختبار هذا الانطباع من خلال مثال محدد داخل المذهب الحنبلي، وهو الإجهاض؛ لأوضح من خلاله أن ثمة تداخلا بين الفقهي والأخلاقي.

يتأسس الفقه الحنبلي عامةً على النص من قرآن أو حديث أو أثر؛ لأنه ينبذ الرأي المجرد وهي طريقة أهل الحديث. وعندما تتعدد النصوص وتختلف يحاول الفقيه الحنبليُّ إعمال جميع النصوص ما أمكنَه ذلك وحمل بعضها على بعض، ولكن فقهاء المذهب المتأخرين اعتنوا بتعليل المسائل وبيان وجه الحكم فيها من خلال نظرٍ يَنتظم جميع الأحكام بما ينسجم مع قواعد المذهب وأصوله.

يرى الحنابلةُ -كباقي الفقهاء- أن الجنين يمرّ بمراحل ثلاث، هي: النطفة والعلقة والمضغة، ومدةُ كل مرحلة 40 يومًا ثم تُنفخ فيه الروح، فيُصبحُ نفسًا. فإجهاض النطفة -عندهم- مباحٌ؛ لأنها لا قيمة لها، أما إجهاض العلقة والمضغة فهو محرَّم ويشتد التحريم بعد نفخ الروح في الجنين. وتشمل هذه الأحكام الخاصة بالإجهاض -في المذهب الحنبلي- الأحوال الطبيعية والاستثنائية، ولكن وُجدت فتاوى معاصرة صدرت عمن ينتمون إلى المذهب الحنبلي تجيز الإجهاض في حال وجود خطر متَيَقَّن على الأم ولو بعد نفخ الروح؛ نظرًا للمفاضلة هنا بين حياتي الأم والجنين؛ فحياة الأم متيقنة بينما حياة الجنين مظنونة، والأم أصل والجنين فرعٌ. أما تَشَوّه الجنين -مثلا- فليس عذرًا شرعيًّا للإجهاض عند الحنابلة.

تدور هذه الأحكام التي أجملتها بإيجاز هنا، على 3 أوصاف تمت مراعاتها في المذهب الحنبلي، وهي:

  1. انعقاد النطفة ولدًا بِتَحولها إلى علقة، والعلقة أولى أحوال الحمل؛ مما يعني أنه صارت له حُرمة تجب مراعاتها.
  2. التخليق، وهو ظهور صورة إنسان في الجنين أو جزء منه، أي أنه بدأ يتخلق إنسانًا وهذا وصفٌ يُكسبه حُرمة إضافية؛ لأنه يعني أنه بدأ في الترقي الإنساني وأنه سار إلى التمام.
  3. نفخ الروح فيه والذي يعني اكتمال إنسانيته وتحوله إلى "نفس" (personhood). وتختلف أحكام الجنين -وهي كثيرة استقصيتها في دراسة منشورة لي- بحسب هذه الأوصاف الثلاثة: وجودًا وعدَمًا. وقد أثبت الحنابلةُ للجنين نوع استقلالية، وقلت هنا: "نوع استقلالية"؛ لأنها ليست تامة؛ فحياة الجنين ليست كاملة ما دام يتحرك بغيره، أي غير قادر على التحرك بنفسه.

شكلت الأوصاف السابقة تعليلات عقلية لأحكام الإجهاض عند الحنابلة، وإن قام المذهب على المنهجية النصيّة بالدرجة الأولى، ويمكن تلخيص ملامح منهج الحنابلة في هذه المسألة من خلال عدة نقاط:

  • الأولى: أن الحنابلة يَتَتَبعون النصوص من القرآن والسنة أولا، وقد تَعددت أقوال إمام المذهب أحمد بن حنبل؛ نظرًا لكثرة الأحاديث النبوية واختلاف رواياتها، مع وجود أحاديث تفصيلية تتصل بموضوع بداية وأطوار الخلق وأحكام الجنين، وقد شكّل حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في تقسيم أطوار ومراحل تخلق الجنين حديثًا مركزيًّا عند عامة الفقهاء من مختلف المذاهب الفقهية، حتى قال عنه الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت: 795هـ): حديثٌ "تلقته الأمة بالقبول". ونصه كالآتي: قال عبد الله بن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ …" (رواه البخاري ومسلم وغيرهما).
  • الثانية: أنه بالإضافة إلى إشارتي السابقة في مطلع هذا المقال إلى محاولتهم إعمال جميع النصوص في الموضوع الواحد، فإن فقه الحنابلة -كما في مسألة الإجهاض وغيرها- يولي أهمية كبيرة لأقوال الصحابة؛ خصوصًا إذا كثر القائلون بالرأي المعين.
  • الثالثة: أن البحث في الجنين وما يتصل به من أحكام مسألةٌ دينية مرتبطة بقضية الخَلْق وأطواره، وتنبني عليها أحكام دينية عقَدية وفقهية كالعِدة للمرأة الحامل، والصلاة على الجنين المُجهَض ودفنه ونَفخ الروح فيه وكتابة الملَك قدَر الجنين ورزقَه وعملَه وجزاءَه، ولذلك عالج ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ) أحوال النطفة وأحكامها من المبدأ إلى الغاية، ثم ختم بقوله "هذا آخر أحوال النطفة التي هي مبدأ الإنسان، وما بين هذا المبدأ وهذه الغاية أحوالٌ وأطباقٌ قدّر العزيز العليم تَنَقّل الإنسان فيها وركوبَه لها طبقًا بعد طبق حتى يصل إلى غايته من السعادة أو الشقاوة".

وتأسست أحكام الجنين -عند الفقهاء الحنابلة- بالاستناد إلى تلك المنهجية بمعزل عن مناقشة علم أهل الطب في زمنهم، ولكن بعض متأخري الفقهاء نقلوا بعض أقوال أهل الطب وناقشوها في سياق معالجة أحكام الجنين أو شرح الأحاديث النبوية المتعلقة به، ويمكن لتلك المناقشات أن توضح لنا منهجية الفقهاء في تقرير هذا النوع من الأحكام، وابن القيم كان أحد أهم هؤلاء؛ فقد نقل نصوصًا عن أبقراط (ت: 370 ق.م) ثم تَعقَّبها وبيّن ما فيها من مخالفة لنصوص الوحي ولفهم الفقهاء لتلك النصوص. كان ابن القيم حادًّا في ردّه على كلام أبقراط عن مراحل تخلق الجنين؛ بحجة مخالفته لكلام الوحي الإلهي، بل إنه تَوَسع في نقد منهجية أبقراط ومن تابَعه من الأطباء في التعرف على مراحل تَخَلق الجنين، وفاضَلَ بينها وبين منهجية الفقه القائم على الوحي.

مسألة الجنين كلها دائرةٌ في إطار قضية الخلق الإلهي وهي مسألة دينية، والإجهاض جزء من نظام الخلق مبدأً وانتهاءً، ولذلك كان الإجهاض مخالفةً لمراد الحكمة، فثمة ملَك موكَّل بالنطفة، وقد اختلف الفقهاء في توقيت تَعَهده لها بحسب اختلاف الأحاديث، ولكن بعضهم انتهى إلى القول: إن "الملائكة ملازمة ومراعية لحال النطفة في أوقاتها" المختلفة.

النقطة المنهجية الرئيسة التي يقررها ابن القيم هي أن تَنَقلات النطفة عبر مراحلها المختلفة لا تُدرك إلا بوحي أو مشاهدة، وهذا الوحي هو الذي قسّم أطوار الجنين إلى 3 مراحل؛ كلُّ مرحلة 40 يومًا حتى كأنك "تشاهده عيانًا"؛ وعليه فإن طبّ أبقراط المخالف لهذا المعنى يَفتقر -بحسب ابن القيم- إلى المشاهدة؛ فأبقراط "ليس معه عِيان"، بل غاية ما معه "قياس فاسد وتشريح لا ينبني على مشاهدة". فعلمُ الأطباء مبنيٌّ على التشريح وهو قاصرٌ عن إدراك ما وراء ذلك من مبدأ الحمل وتَغَير أحوال النطفة. أي أن المسألة تُختَصر -في نظر ابن القيم- في معرفة بشرية غير معصومة في مقابل الوحي الإلهي المعصوم. فمعرفة الأطباء البشرية تتعدد مصادرها بين أمور طبيعية فيها الحق والباطل، وأمور رياضية قليلة الجدوى، وأمور الهيئة التي باطلها أضعاف حقها، وهم يستندون في كل ذلك إلى كليات وأقيسة، وتشريح واستقراء غير يقيني، ثم إن معرفتهم ليست تجريبية تَتَتبع كل حالة بعينها من بداية التلقيح إلى نهاية الحمل.

هذا التصور عن منهجية الطب التي تخطئ في مقابل الوحي الذي لا يخطئ نجدُه بعد قرون عند الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 2001) أحد كبار شيوخ الدعوة الوهابية في السعودية، فهو يحتج بأن قول الأطباء ليس وحيًا لا يخطئ، بل إن تقريرهم قد يكون خطأً، ولذلك فالحكم للشريعة عند التعارض؛ مهما ترتّب عنها؛ لأن أي نتيجة تترتب على اتباع الشريعة هي من صنع الله وليست من فعلنا نحن البشر، و"فرقٌ كبير بين فعل الله وفعل البشر". أما منهجية "التحسين العقلي" فهي -بحسب ابن عثيمين- مرفوضة؛ لأن كل فعل مخالف للشرع فليس بحسنٍ. وإن كان ابن القيم معذورًا في تشخيصه لطب زمنه؛ فإن ابن عثيمين لا يُعذر في تجاهله التطورات الهائلة التي وقعت في ميدان علم الطب ومنهجياته التي جعلت من كلام ابن القيم جزءًا من التاريخ، والخوض فيها خارجٌ عن مقصودي في هذا المقال.

ولما لم تكن النصوص الصريحة لتفي -وحدها- ببناء منظومة أحكام الإجهاض لدى الحنابلة، لجؤوا إلى آليات منهجية أخرى لاستنباط أحكام خاصة بالإجهاض، كالقياس على النصوص والاستنباط منها، ومن هنا شكّل التعليل منهجية مهمة في تركيب منظومة الأحكام في أبواب الفقه وفروعه حتى يستقيم ما أسميه النظام الفقهي ويتحقق له الاتساق الداخلي ويصبح معقول المعنى والمبنى. ويمكن لنا من خلال تتبع تعليلات أحكام الإجهاض عند الحنابلة الوقوف على نوعين من الاعتبارات ذات التأثير في بناء الأحكام، وهما: العلل الأخلاقية والمعاني الدينية، ويمكن رصد الأمور الآتية في تفاصيل أحكام الإجهاض عند الحنابلة:

  • مركزية الروح: ولذلك أجمعوا على حرمة إجهاض الجنين في هذه المرحلة، ورتّبوا عليه عددًا من الأحكام الدنيوية والأخروية كالصلاة على الجنين المجهض وتكفينه ودفنه وأنه يُبعَث يوم القيامة وغير ذلك. وليس كل جنين مُجهض يُصلى عليه؛ إذ لا بد أن يكون نفسًا بوجود الروح فيه، والروايات عن الإمام أحمد تدل على أن الروح تُنفخ في الجنين في مدة العشر بعد تمام 4 أشهر.
  • الحياة الاعتبارية: فرغم أن الحنابلة اعتبروا الجنين -قبل نفخ الروح فيه- كالجمادات فإنهم حرّموا إجهاضه قبل نفخ الروح؛ لأنهم رأوا فيه حياة اعتبارية تبدأ منذ لحظة الانعقاد (وهي بداية تَحول النطفة إلى علقة)؛ إذ بها يتحول إلى حَمل ويدخل في مرحلة الوجود، ولذلك كانت النطفة -عند الحنابلة وهي ماء الرجل وماء المرأة على رأي الجمهور- غيرَ محترمة أو هدرًا؛ لأن تَحَولها إلى حياة غيرُ مُتَيَقَّن، ولكنهم مع ذلك لم يُثبتوا للعلقة -وهي نقطة الدم الجامدة- أحكامَ الحمل (كالنِّفاس والعِدة وغيرهما)؛ لأنهم لم يروها حملاً حقيقيًّا وإن كانت في الوقت نفسه حياة معتَبرة، وذلك من باب الاحتياط الديني.

وللشافعية هنا مصطلح خاص يعبرون به عن نحو هذا المعنى، وهو "حريم الروح"؛ أي المدة التي تَسبق نفخ الروح، وهي ترجمة لفكرة الاحتياط. وهذا الاحتياط للدين يدفع الفقهاء أحيانًا للقول بقول ضعيف في المذهب؛ رعايةً لعلة أو معنى أخلاقي أو ديني، كما رتّبوا بعض الأحكام على المضغة؛ لأنهم رأوا أنها مَظِنَّة التخلق فيُحكَم لها بحكم المضغة المخلّقة، بل إن هذا الاحتياط هو ما دفع ابنَ الجوزي الحنبليَّ (ت: 597هـ) إلى تحريم الإجهاض بدءًا من مرحلة النطفة (في الأربعين الأولى)؛ لأنه "مُتَرَقٍّ إلى الكمال سارٍ إلى التمام، فتَعَمُّد إسقاطه مخالفةٌ لمراد الحكمة" الإلهية، أي أنه بلغتنا مشروع إنسان (in progress). ومع ذلك، فإن هذا الاحتياط لا يُلغي الفارق بين الجانب الاعتباري والجانب الحقوقي هنا، فرغم ثبوت جملة من الأحكام للجنين فإنه لا تثبت له أحكام الدنيا إلا بخروجه؛ فلا تصلح له وصية ولا ميراث ولا يجب ضمانه إذا لم يَظهر منه شيءٌ، أي بأن يتحقق وجوده فعلا بأي صيغة كان ما دام فيه صورة إنسان ولو خفيةً.

  • الآدمية: ألحّ الفقهاء كثيرًا على مسألة التخليق (أي التشكل) ومبدأ خَلْق إنسانٍ والصورةِ الخفية للآدمي ونحو ذلك من العبارات، فالآدميّة أو مبدأ تَشَكُّلها يستوجب الاحترام؛ لأنه سارٍ إلى التمام حتى يصبح جسدًا مكتملا ويتهيأ لاستقبال الروح، وجاء في الحديث أنه "حين تخرج روح المؤمن يتلقاها ملَكان يُصعِدانها"، ويقال لها "صلى الله عليكِ وعلى جسدٍ كنتِ تَعمُرينه" (رواه مسلم).
  • الخَلْق الإلهي: مسألة الجنين كلها دائرةٌ في إطار قضية الخلق الإلهي وهي مسألة دينية، والإجهاض جزء من نظام الخلق مبدأً وانتهاءً، ولذلك كان الإجهاض مخالفةً لمراد الحكمة، فثمة ملَك موكَّل بالنطفة، وقد اختلف الفقهاء في توقيت تَعَهده لها بحسب اختلاف الأحاديث، ولكن بعضهم انتهى إلى القول: إن "الملائكة ملازمة ومراعية لحال النطفة في أوقاتها" المختلفة.

ونظرًا لهذا المعنى الديني فقد تم التفريق بين الإثم المترتب على الإجهاض المحرّم وبين الدية والكفارة الواجبة في حال الجناية عليه، فالإثم الديني واقعٌ في حال الجناية على العلقة والمضغة غير المُخَلَّقة مع أنهم لم يوجبوا الدية والكفارة على الجاني عليهما. والكفارة الواجبة في الجناية على الجنين الذي فيه صورةُ آدمي هي عقوبةٌ مقدَّرة حقًّا لله تعالى، فيها معنى العقوبة الزاجرة، وفيها معنى العبادة؛ لأنها تتأدى بالصوم، وهي من آثار أن الجناية عليه مخالفةٌ لمبدأ الحكمة ومرادِ الخالق فوجبت الكفارة حقًّا له سبحانه وتعالى.

هكذا يتداخل الفقهي والأخلاقي في بناء الأحكام والمسائل، فأحكام الإجهاض -عند الحنابلة- تقوم على نوعين من الاعتبارات ذات التأثير في بناء الأحكام التقويمية، وهما: العلل الأخلاقية (كالحياة الاعتبارية، واحترام الآدمية وغيرهما)، والاعتبارات الدينية (كنفخ الروح، والخلق الإلهي، والكفارة، والصلاة عليه، والزكاة عنه، وغيرها).

وتتيح هذه القراءة الأخلاقية للفقه الخروج من النزعة النقلية التي سيطرت على المشتغلين بالفقه والفتوى من المعاصرين إلى دائرة التعليل الأخلاقي، ومن التفكير الجزئي في مسألة أو فرع إلى التفكير بالنسق ككل، ومن دليل المسألة المفردة إلى المنطق الداخلي الذي حكمَ فروع الباب الواحد المختلفة، ومن الاستغراق في النزعة العملية إلى الجمع بين المستويين النظري والعملي جمعًا يضبط اختلاف الأحوال في ضوء المبادئ والقيم النظرية الحاكمة للباب الفقهي الواحد.

فالبنية الفقهية الأخلاقية لأحكام الجنين دارت على منظومة من الحقوق والقيم. فعلى مستوى الحقوق راعت النقاشات الفقهية الحقوق الثابتة للجنين نفسه والحقوق الثابتة لغيره بوجوده، وهي حقوق تتوزع بين الحقوق المالية (الميراث والوصية والعتق وغيرها) والحقوق الدينية (الصلاة عليه، والدفن، والكفارة، وغيرها)، وحقوق الناس وحقوق الله (كالإثم، والكفارة، وفطر الأم الحامل، وغيرها). وعلى مستوى القيم فإن منطق التفكير الفقهي في الجنين دار على جملة اعتبارات قيمية تتلخص في احترام مادة الحياة (انعقاد المني)، ومبدأ تشكل الإنسان (التخليق) وبداية الحياة الحقيقية (نفخ الروح) التي تتميز عن حركة النمو والاغتذاء، وهو نقاش يراعي درجات متعددة لتقويم الحياة وتحديد مستوى الاعتداء عليها والجزاء الواجب بحسب الجرم الواقع، كما أن النقاش لم يهمل ضبط علاقة الجنين بأمه، ولذلك اعتُبر نفسًا من وجه دون وجه؛ لأن استقلاليته ليست تامة، كما أنه في الوقت نفسه ليس عضوًا من الأم؛ لأن له كينونة خاصة توجب له حقوقًا مستقلة.

هذا النقاش يكشف عن بعد أكثر تركيبية من النقاش الفلسفي العلماني المعاصر حول ما يسمى "الحمل غير المرغوب فيه"؛ فهو يدور بين حق المرأة في التقرير الذاتي وبين ضرورة حماية الجنين، كما يدور حول حياة جنينية تختلف فيها وجهات النظر بين فريقين: الفريق الأول يصف الحياة الإنسانية في هذه الحالة بعبارات حيادية (خالية من الأحكام المسبقة) كوصف الجنين بأنه "تَجَمّع خلايا"؛ بخلاف "المولود" الذي يشكّل المرحلة الأولى التي يُتَحَدَّث فيها عن شخص له كرامة إنسانية (personhood)، والفريق الثاني يصف إخصاب الخلايا بأنه البداية الفعلية لسيرورة متطورة تتمتع بالتفرد وتُنظم نفسها بنفسها، وهو ما يمكن وصفه -بيولوجيًّا- بأنه نموذج إنسانيٌّ أو شخصٌ بالقوة، ومن ثم صاحب حقوق أساسية.