ردّ على ثورة القبعات برواية "الرجل الذي ينشئ وردة".. عن الأديب راسم أوزدينورن

الكاتب والمؤلف التركي راسم أوزدينورن (الأناضول)

توفي مؤخرًا راسم أوزدينورن، أحد أهم الأسماء في الأدب الإسلامي في تركيا، وذلك عن عمر يناهز 82 عامًا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، توفي سيزاي كاراكوتش، وقبله بوقت قصير توفي نوري باكديل. وهكذا رحل كتّاب عظماء -في وقت قصير- كان لهم دور مهم في تنشئة أعضاء الحزب الحاكم في تركيا الآن.

وشهدت تركيا وفاة العديد من علماء المسلمين وشيوخ الطرق، ولكن الأسماء الأكثر قربًا للعالم الفكري الإسلامي في تركيا هم الأدباء والشعراء. وعلى الرغم من أن هؤلاء الأدباء لم يتلقوا تعليمًا جادًا في العلوم الإسلامية، فإنهم جمعوا بين التعليم الغربي والمعرفة الإسلامية التي اكتسبوها، وكان لهم تأثير مهم على الأجيال الناشئة؛ حيث يعتبرون من أبرز ملامح الحركة الإسلامية في تركيا، وذلك رغم بعض أوجه الضعف فيهم والمزايا التي قدموها في نفس الوقت، ورغم عدم حصولهم على تعليم شامل في العلوم الإسلامية، فإنهم أضافوا بصمة في العالم الإسلامي، وأدوا إلى تنمية الفكر الإسلامي القوي.

وكان للشاعر ظريف أوغلو -الذي توفي عام 1987 عن عمر يناهز 47 عامًا- قصيدة شهيرة بعنوان "سبعة رجال جميلين"، فالرجال الذين يذكرهم في هذه القصيدة هم أصدقاؤه، ومنهم: نوري باكدل، وعاكف إنان، وإردم بيازيت، وسيزاي كاراكوتش، فيما كان راسم أوزدينورن آخر الأسماء الباقية على قيد الحياة من هؤلاء الرجال السبعة الجميلين، والذي اشتهر بقصصه ومقالاته.

وإذا كنتُ سأقدم أيَّ شهادة في حق الراحل راسم أوزدينورن، فلا بد أن أذكر أنه كان كاتبًا مسلمًا مهتمًّا بالتفكير والحياة بطريقة إسلامية، كما أنه واجه "ظالم عصره" الذي حاول أن يحكم على المسلمين بالعزلة والعدم، بكلماته الجميلة وأدبه وقصته.

وكتب أوزدينورن روايته الشهيرة "الرجل الذي ينشئ وردة"، ليصف حالة المسلمين الذين دخلوا في عزلة استجابة وتجنبًا لـ"ثورة القبعات"، التي أجبرت الجيل على ارتداء القبعات بالإكراه في تلك الفترة. وفي ظل هذا التصنيف، عزز العالم وجود المسلمين الملتزمين في العصر الجديد بالأدب، حيث جعلهم يتذكرون تجاربهم، وخلق لهم أفقًا ومصدر تحفيز للأجيال الناشئة، وتولى مهمة رواية قصة هؤلاء الرجال وخلق شهادة للأجيال القادمة، أي أنه أسس الأرضية الأدبية لظهور موضوع المقاومة والصعود من جديد.

بالطبع هناك الكثير مما يمكن قوله عن شخصية أوزدينورن وحياته ككاتب، لكن كان أهم صفاته التواضع، فقد كان يعيش كإنسان عادي جدًّا، وأعتقد أن انفتاحه الاستثنائي على تعلم ما لا يعرفه ترك ذكرى وأثرًا على الجميع تقريبًا، فجوهر قصة حياته في تواضعه وإخلاصه للكلام والأدب والكتابة، وبالطبع لله ورسوله والمؤمنين في الحياة العادية.

الجمال والتأليف وراسم أوزدينورن

نحن نعيش في وقت يمكن فيه لأي شخص استخدام لوحة المفاتيح أو حتى هاتف محمول أمامه للكتابة ونشر ما يكتبه بكل سهولة للجميع، لكن السؤال هو: هل يمكن أن نطلق على كل هؤلاء "مؤلفين"؟ هناك حاجة لتجديد النقاش الذي دار منذ فترة طويلة بين الفلاسفة أو علماء الاجتماع حول معنى كلمة "كاتب" أو "مؤلف"، وأثناء تلك المناقشات التي تدور بين العلماء تم الإعلان عن كتاب "وفاة المؤلف"، حيث قيل فيه -في ذلك الوقت- إن المؤلف يمكنه فقط أن يعكس نوعًا من الوعي الاجتماعي والتاريخي بما قاله، وإنه لم يعد المؤلف شخصًا أو سلطة تعتبر معرفتها وكلماتها أكثر خصوصية من الآخرين، وإنه لا يملك سلطان أن تكون له الكلمة الأخيرة.

وتتناقض قصة "وفاة المؤلف" مع حقيقة أن عدد المؤلفين قد ازداد بشكل كبير، لكن مؤشر هذه الوفاة ليس الزيادة في عدد المؤلفين، بل فقدان مكانة المؤلف كسلطة، لشخصي، ولا بد من إعادة النظر فيما إذا كان هذا أمرا جيداً أم سيئاً!

مع ذلك، وبغض النظر عن مقدار تناقص أبعاد السلطة، فإن فكرة المؤلف الذي يتبنى فكرًا وأسلوبًا حقيقيًا لا يبدو أنه تم التخلي عنها تمامًا، فالأمر كله يتعلق بتوقعات القرّاء وقدرة المؤلف على أن تكون له تلك السلطة.

بطبيعة الحال، فإن رؤية أوزدينورن على أنه ليس أكثر من مؤلف تتطلب مجحفا جدا في حقه، فهو ليس مجرد مؤلف أو كاتب بالمعنى المعتاد، ولكنه مؤلف من طراز فريد وخاصٍ جداً، حيث إنه يرى أن المؤلف لا بد أن يعبّر عن "السلام الوجودي" الكامل، بحيث لا يمكن أن يُنسب إلى المعرفة التي ينتجها أو اللغة التي يتحدثها، وأن المؤلف لا بد أن يشعر بذلك بتواضعٍ كامل نابع من الأدب الإسلامي الذي لا بد أن يعتبره المؤلف منهاجاً له.

لقد وجد أوزدينورن قارئه الخاص، حيث كان يكتب كما لو أنه يجري محادثة خاصة معه، يكتب وكأنه يعلم أن راحة البال ممكنة فقط من خلال هذا الحوار الخاص، كان يكتب بنوع من السلام الكامل، مدركًا أن السلام الوجودي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق مع القارئ إلى الأبد.

قرأ أوزدينورن بعمق العديد من الكتّاب الوجوديين. هذه القراءة مع نكهته الخاصة جدا في الكتابة ونشأته أيضا، أدت إلى تأثير عظيم في جزء كبير من الشباب المسلمين. كان الذين يقرؤون نصوص أوزدينورن لا يشعرون بأنهم عالقون في مستنقع أو ضائعون في طريق معقد.

لدى أوزدينورن بعض السمات التي يحملها الكثير من المثقفين المسلمين من جيله، فقد كان رجل أدب وعالم اجتماع في نفس الوقت، وكان من أهم أسماء الجيل الفكري الذي عمل كرائد رأي بالوكالة عن المسلمين والعلماء الذين حرموا من علمائهم، وشكّلت مقالاته في الفكر الإسلامي -التي كتبها في منتصف الثمانينيات- كتابًا مرجعيًا مهمًا، صاغ منظور الفكر الإسلامي والشباب في العديد من القضايا.

عسى الله أن يتغمد الكاتب راسم أوزدينورن برحمته، ويجعل مثواه الجنان العُلى. أعبر عن تعازيّ لأقاربه ولكل المسلمين.