أردوغان مزعج للغرب لكن لا غنى عنه

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (وكالة الأناضول)

نادرا ما يُثار جدل أو أزمة داخل حلف شمال الأطلسي ولا تتصدر تركيا الواجهة، وكان اعتراضها مؤخرا على خطط ضم فنلندا والسويد إلى الناتو قبل تسوية اللحظات الأخيرة أحدث تبعات التصدّع المرير في العلاقات التركية الغربية.

بالنسبة لمعظم القادة، الذين جلسوا منتصف الأسبوع الماضي في غرفة واحدة للمصادقة على المفهوم الإستراتيجي الجديد للحلف للعقد المقبل، ليس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحده من يتحدّى الغرب. هناك أيضا زعيم دولة عضو في الحلف يُشارك في قمّتهم ومُجبرون على الإنصات له وتبادل المصافحات والابتسامات المصطنعة معه رغم أنّه لا يُخفي اعتقاده بأن عصر التفوق الغربي انتهى.

رجب طيب أردوغان، الذي يقود تركيا منذ ما يقرب من عقدين، هو رئيس استثنائي بكل المقاييس، إذ لم يعتد الغربيون على التعامل مع هذا الصنف من الزعماء الأتراك طيلة فترة الشراكة الممتدة لعقود طويلة. لقد قاد بلاده نحو تغييرات هائلة في الداخل وفي علاقاتها الخارجية. إنه شخصية مشاكسة تُتقن فن اللعب على حافة الهاوية ولا تترك فرصة لإذلال الغربيين وانتزاع مكاسب منهم. لكنّه حليف قوي لا غنى عنه عند الحاجة.

منذ أن قرر الطرفان تهدئة الخلافات بينهما مطلع العام الماضي، كان الغربيون مترددين في العمل مع أردوغان لاعتقادهم بأن الاضطرابات الاقتصادية التي تُعانيها بلاده قد تُطيح به في الانتخابات المقبلة. لكنّ التحولات الكبيرة التي طرأت على المشهد الدولي منذ تلك الفترة عكست الاتجاه الغربي. وأثار الانسحاب الأميركي من أفغانستان شكوكا حول مكانة أميركا العالمية وتعزّزت بشكل أكبر مع ميلها إلى فك ارتباطها مع منطقة الشرق الأوسط.

قلب الهجوم الروسي على أوكرانيا الحسابات الجيوسياسية العالمية رأسا على عقب وأصبحت أولوية الغرب توحيد الحلفاء في كل مكان حتى أولئك المزعجين منهم. وأصبح التعامل مع أردوغان أمرا لا مفر منه وإن كان بثمن. كانت قمة الناتو الأخيرة ورضوخ فنلندا والسويد لشروط تركيا مقابل سحب اعتراضها على انضمامهما إلى الناتو رسالة واضحة بأن الغرب بدأ يميل إلى التخلي عن تردده إزاء أردوغان. لم يسبق أن تعهّدت دول غربية بهذا الوضوح بوقف دعمها لوحدات حماية الشعب الكردية السورية واستعدادها للعمل على تسليم مطلوبين إلى أنقرة وتعديل قوانينها الخاصة بمكافحة الغرب لتُلبي هذا الغرض.

خلال أسابيع من المفاوضات بين البلدان الثلاثة برعاية الأمين العام للناتو، حرصت واشنطن على البقاء بعيدة كي لا تُضطر إلى الدخول في مزاد مقايضات مع أردوغان على قضايا ثنائية بينهما. لكنّ عناد أردوغان أجبر بايدن في نهاية المطاف على ممارسة نفوذه لتسوية المسألة. من المفهوم أن المسؤولين الأميركيين سارعوا إلى نفي أن تكون الإدارة قد قدّمت تنازلات لتركيا في قضايا أخرى مقابل إقناعها بالتخلي عن فيتو توسيع الناتو.

لكنّ لقاء بايدن مع أردوغان وإعلانه صراحة دعمه لبيع مقاتلات F16 إلى أنقرة وحثّ المشرعين الأميركيين على تمرير الصفقة يُشير إلى أن الإدارة الأميركية اضطرت في النهاية إلى تقديم شيء لأردوغان. سبق أن التقى بايدن بصفته رئيسا للمرة الأولى أردوغان في بروكسل قبل نحو عام واتّفقا على إصلاح العلاقات. كان هذا التحول المفاجئ في مقاربة بايدن لأنقرة نابعا بالدرجة الأولى من الحاجة الأميركية لدور تركي في تشغيل وتأمين مطار كابل أثناء وبعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان. لكنّ هذه الحاجة سُرعان ما انتهت بعد 3 أشهر فقط بفعل الانسحاب المذل وسيطرة حركة طالبان على السلطة.

في عام 2017، أدّى شراء تركيا منظومة "إس 400" (S400) الصاروخية من روسيا إلى غضب واشنطن التي قررت طردها من برنامج تصنيع مقاتلات "إف 35" (F35) وفرض عقوبات على مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية. منذ تلك الفترة، تحوّلت تركيا إلى حليف منبوذ في الكابيتول هيل. لكنّ الاتجاه تغيّر بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، وساعد الدعم التركي السياسي والعسكري لكييف والدبلوماسية مع موسكو، أنقرة على تحسين صورتها في الكونغرس وبدأ المشرعون من كلا الحزبين يُبدون استعدادهم لتمرير صفقة مقاتلات "إف 35" (F35) في حال استمرت أنقرة في دعم أوكرانيا.

في حين أن الموقف التركي من الصراع الروسي الأوكراني ينبع بشكل رئيسي من علاقة أنقرة الوثيقة بكييف وتوجّسها من مساعي روسيا للهيمنة على منطقة البحر الأسود، إلا أن أردوغان قدّم هذا الموقف أيضا على أنّه مصلحة للغرب ويؤكد على أهمية تركيا في الصراع الجيوسياسي الغربي مع موسكو. ومنذ تلك الفترة، بدأ القادة الغربيون يتواصلون مع أردوغان وزار زعماء أوروبيون أنقرة.

لا يملك الغرب في الوقت الراهن رفاهية مواصلة نزاعات جانبية مكلفة مع شريك رئيسي لا تقتصر أهميته فحسب على صعيد دعم أوكرانيا وموازنة تأثير روسيا في منطقة البحر الأسود وأمن الطاقة للأوروبيين، بل أصبح قوة رئيسية في محيطه الإقليمي، ويعمل منفردا على مواجهة الفراغ الذي أحدثه تراجع التأثير الغربي في بعض المناطق

تركيا هي عضو رئيسي فعال في الناتو وتمتلك ثاني أكبر جيشه فيه. مع ذلك، تتبنّى بعض الدول الغربية منذ سنوات سياسات عدائية ضدّها. قدّمت الولايات المتحدة ودول أوروبية الأسلحة لوحدات حماية الشعب الكردية رغم صلاتها الواضحة بحزب العمال الكردستاني المُصنف إرهابيا لديها. كما عززت الولايات المتحدة وجودها في اليونان وأنشأت قواعد عسكرية فيها بذريعة مواجهة روسيا، لكنّ الحقيقة أن هذه القواعد موجّهة ضد تركيا أيضا وتهدف لرفع التكاليف على أردوغان جراء سياساته الخارجية المتعارضة مع الغرب.

لا تزال واشنطن ترفض إلى الآن تسليم فتح الله غولن إلى أنقرة. رغم أن الدول الغربية تُحمل طريقة إدارة أردوغان لتركيا وسياستها الخارجية مسؤولية تراجع العلاقات، إلا أن هذا الاتّهام يعكس في بعض جوانبه محاولة الغرب للتنصّل من مسؤولياته عن إيصال العلاقات إلى هذا المستوى المتأزم ودفع أنقرة إلى توثيق شراكتها مع موسكو.

في الواقع، كان النهج العدائي الغربي لأردوغان قصير النظر وينبع من سوء تقدير كارثي لمخاطره. لقد أدى إلى جعله أكثر عدوانية تجاه الغرب، كما تسبّب بإفساد بعض التحولات الإيجابية المهمة التي طرأت على العلاقات التركية الغربية في عهده. بدأت تركيا مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في أولى سنوات حكم أردوغان، لكنّها وصلت بعد ذلك إلى حائط مسدود بفعل قضايا غير مرتبطة بالعضوية وتعززت قناعة لدى الأتراك بأن الأوروبيين لا يريدونهم جزءا منهم.

كما دعم أردوغان في عام 2004 خطة الأمم المتحدة لتسوية الأزمة القبرصية، لكنّ القبارصة اليونانيين عارضوها بتحريض من أثينا. وعلى صعيد المسألة الكردية، التي برزت كإحدى المسائل الأساسية المُفسدة للعلاقات، فإن أردوغان تبنى نهجا جريئا معها بإبرام اتفاق سلام مع حزب العمال الكردستاني في 2013، لكنّه لم يصمد لأكثر من عامين بفعل تبعات صعود المشروع الانفصالي الكردي في سوريا كنتيجة للدعم الغربي له، والذي أعاد تأجيج النزعة الانفصالية لحزب العمال.

إن خطوات غربية الآن من قبيل مضي الولايات المتحدة في بيع تركيا مقاتلات (F16) ومعالجة هواجسها إزاء الوجود العسكري الأميركي في اليونان وتبني مقاربة مختلفة إزاء القضايا التي تُهدد أمن ومصالح أنقرة، والدّفع باتجاه إعادة ترميم الثقة بين تركيا واليونان ودعم مشاريع التعاون في مجال الطاقة بين دول حوض المتوسط وإشراك تركيا فيها، والأهم، قبل كل ذلك، التخلي عن رهن مستقبل العلاقات بانتخابات تركيا، كلّها خطوات من شأنها أن تفتح آفاقا جديدة في العلاقات.

لا يملك الغرب في الوقت الراهن رفاهية مواصلة نزاعات جانبية مكلفة مع شريك رئيسي لا تقتصر أهميته فحسب على صعيد دعم أوكرانيا وموازنة تأثير روسيا في منطقة البحر الأسود وأمن الطاقة للأوروبيين، بل أصبح قوة رئيسية في محيطه الإقليمي، ويعمل منفردا على مواجهة الفراغ الذي أحدثه تراجع التأثير الغربي في بعض المناطق. وسيكون من الصعب الرهان على إمكانية عودة العلاقات التركية الغربية إلى ما كانت عليه خلال العقود الماضية، إلاّ أن العمل الجاد مع زعيم تركي قوي بدلاً من معاداته قد يُساعد الغرب في عكس المسار.

لا يشكل تعزيز الوحدة والتناغم داخل حلف شمال الأطلسي مصلحة للغرب فحسب، بل يُساعد تركيا أيضا في تقوية موقفها في شراكتها مع روسيا ويحد من اعتمادها عليها في تأمين مصالحها الأساسية على صعيد احتياجاتها العسكرية والطاقة وبعض مصالحها الإقليمية الرئيسية.

إن التحوّل الكبير الذي أحدثه أردوغان في سياسة تركيا الخارجية، وإن تصادم مع الغرب في بعض القضايا، يُشكل تحدّيا لطموح روسيا في تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما أضحت أنقرة منافسة لموسكو في الفضاء السوفياتي السابق كجنوب القوقاز وآسيا الوسطى.

ورغم الخلافات التركية الغربية، فإن أنقرة لا تزال ترى نفسها جزءا من المنظومة الغربية وكانت تُدافع عن أهمية حلف الناتو، حتى في الوقت الذي كان فيه زعماء غربيون يُشككون بجدوى بقاء هذا الحلف ويعتبرونه ميتا دماغيا.