من حكايات النخبة المصرية (5) | عن "الليبرالي" الذي يعشق الاستبداد

مظاهرات 30 يونيو مهدت للانقلاب
مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر (الجزيرة)

كان ذلك عشية انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 وتحديداً بعد أن ألقى الجنرال عبد الفتاح السيسي بيانه الذي قام فيه بعزل الرئيس الراحل محمد مرسي، وتعطيل العمل بالدستور بدقائق قليلة، وذلك حين اتصلت بأحد الرموز السياسية "الليبرالية" في مصر لأعبر له غضبي وصدمتي مما جرى تلك الليلة، وقد وصفته بأنه "انقلاب" صريح على ثورة يناير وعلى أول رئيس مدني منتخب في تاريخنا الحديث، ففوجئت برد فعله، حيث كان في قمة الفرح والسعادة ومنتشياً ومدافعا عما جرى، معتبراً أن ما جرى قبل ذلك بأيام، وكان يقصد في الثلاثين من يونيو، هو "ثورة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بل وتمادى في وصف الجنرال السيسي قائلاً إنه "أعظم قائد مصري في تاريخنا الحديث منذ محمد علي". هكذا قالها بكل فخر واقتناع. وقتها أُسقط في يدي، ولم أستطع الرد عليه سوي بالصمت وإنهاء المكالمة. وكان ذلك آخر تواصل بيننا منذ وقتها.

كان وقع كلماته عليّ أصعب وأشدّ من كلمات السيسي نفسه في بيان الانقلاب. فالسيسي كان طامعاً في السلطة ومتوثباً للقفز عليها حين تتأهل الظروف، بينما صاحبنا "الليبرالي" لم يكن له فيها ناقة ولا جمل. بل إنه كان من أبرز المخالفين والمعارضين لمبارك أواخر عهده. وقد كان النائب الوحيد في البرلمان المصري (كان عضواً معيناً في مجلس الشورى وقتها) الذي تجرأ واعترض صراحة على تعديل المادة 76 من الدستور المصري عام 2005 والتي كانت تمهد الطريق لتوريث السلطة لجمال مبارك. وهو موقف أثنى عليه كثيرون وقتها لشجاعته وجرأته. فلم يكن لأحد أن يفعل ما فعله بسبب الخوف من رد فعل مبارك ورجاله.

كما أنه أيضا كان من أوائل المشاركين في "الجمعية الوطنية للتغيير"، وعلى علاقة وطيدة بمؤسسها الدكتور محمد البرادعي، وشارك معه في الصفوف الأولى لثورة يناير، وكانا سوياً يداً بيد في المظاهرة الحاشدة التي خرجت من مسجد "الاستقامة" يوم جمعة الغضب في الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011.

منذ انقلاب يوليو/تموز 2013، والرجل لا يتوقف عن كيل المديح للسيسي وذلك في كل شاردة وواردة. وقد شاهدته بالصدفة قبل أيام في حوار تلفزيوني بمناسبة ما يسمى "الحوار الوطني"، وذلك بعد أن تم إخراجه من "ثلاجة الانقلاب" التي تجمّد فيها على مدار السنوات الست الماضية، وهو يكرّر نفس الترهات والأضاليل حول "ثورة 30 يونيو"، كما يسمّيها

فكيف يمكن للرجل أن يتحول بهذا الشكل المفزع وأن يصبح من أشد المدافعين عن حكم العسكر؟! وكيف ينقلب على مواقفه وشعاراته الليبرالية التي كان يكرّرها في أحاديثه الخاصة والعامة؟!  قطعاً هو ليس وحده في ذلك، فكثير من رموز النخبة المصرية بليبرالييها ويسارييها، ومن بينهم أعضاء في "الجمعية الوطنية للتغيير" ذاتها، انقلبوا على أنفسهم، وعلى أفكارهم ومبادئهم، وتحالفوا مع العسكر من أجل إسقاط أول رئيس مدني منتخب، وذلك دون أن يهتز لهم جفن. ولكن صاحبنا "الليبرالي" تحديداً كان يدّعي دوماً أنه من المؤمنين والمنظرّين لليبرالية، والتي تعني بالأساس احترام الحرية والتعددية والديمقراطية.. إلخ.

كنت أعرف الرجل معرفة شخصية، وذلك بحكم علاقتنا المهنية. فقد عملت معه بمؤسسة الأهرام وذلك قبل قيام ثورة يناير بعدة سنوات، وكانت بيننا علاقة إنسانية ومهنية مميزة، وكان من الأشخاص الداعمين لي على المستوى المهني، وهو ما أعترف به دوماً. كما أنني أعرف جيداً أنه لم يكن طامعاً في منصب أو راغباً في سلطة. بل على العكس، فقد رفض عروضاً عديدة بأن يكون وزيراً حسب علمي. كما أنه أيضا لم يكن وقتها متطرفاً في خصومته السياسية مع الإسلاميين مثلما كانت، ولا تزال، هي الحال مع الناصريين وبعض أهل اليسار.

ولكنه انقلب وتحوّل بشكل جذري بعد الثورة، وأصبح أكثر عداء للديمقراطية، وأكثر قرباً ودفاعاً عن الاستبداد، وذلك إلى الدرجة التي خرج فيها مدافعاً وداعماً بشكل صريح لحكم المجلس العسكري، بل ومطالباً، في أحد حواراته مع جريدة "الشروق" المصرية، بضرورة بقاء العسكر في السلطة لمدة عامين أخرين على الأقل. وهو الحوار الذي عاتبته عليه حين التقينا على العشاء أوائل أبريل/نيسان 2012 أثناء زيارتي للقاهرة، حيث كنت وقتها أقيم في بريطانيا، وفاجأني تمسكه برأيه ودفاعه عنه بشكل عجيب. وقد كان بعض أفراد أسرته حاضرين معنا في اللقاء، ومتفاجئين من موقفه وتصريحاته الصادمة حول بقاء العسكر في السلطة.

ولذلك فلم يكن غريباً أن يصبح لاحقاً من أهم الداعين والمؤسسين لجبهة الإنقاذ الوطني التي تشكلت أواخر العام 2012، وأن يصبح من أكثر المطالبين بإزاحة الرئيس مرسي من السلطة، والمطالبين بعودة العسكر للحكم مرة أخرى. بل والأنكى أنه كان من المدافعين عن الفض الدموي لاعتصام "رابعة العدوية" الذي اعتبره في تصريحات تلفزيونية أنه قد تم "بشكل كفء وشكل متحضر".

ومنذ انقلاب يوليو/تموز 2013، والرجل لا يتوقف عن كيل المديح للسيسي وذلك في كل شاردة وواردة. وقد شاهدته بالصدفة قبل أيام في حوار تلفزيوني بمناسبة ما يسمى "الحوار الوطني"، وذلك بعد أن تم إخراجه من "ثلاجة الانقلاب" التي تجمّد فيها على مدار السنوات الست الماضية، وهو يكرّر نفس الترهات والأضاليل حول "ثورة 30 يونيو"، كما يسمّيها، وكيف أنها أنقذت مصر من حكم جماعة "الإخوان المسلمين"، وقامت بتأسيس "نظام سياسي مدني"!! ولا يكترث الرجل، على ما يبدو، بآلاف المعتقلين في السجون المصرية من كافة التيارات السياسية ومن فصيله الليبرالي مثل الناشط علاء عبد الفتاح المحبوس ظلماً وقهراً، ولا لمئات وربما آلاف القتلى الذين سقطوا على مدار العقد الماضي، ولا لجرائم الاختفاء القسري التي وثقتها منظمات حقوق الإنسان، ولا لجرائم القتل خارج إطار القانون، ولا للمحاكمات الجماعية التي أساءت لسمعة القضاء المصري، ولا لحالات الموت داخل السجون التي يتم تسجيلها أسبوعياً، ولا لحالة الانهيار الاقتصادي التي تمر بها البلاد نتيجة للحكم الدكتاتوري الفردي. كل هذا لا يعنيه وكأنه يحدث في بلد آخر!!

قطعاً هذا ليس موقفاً طبيعياً أو عادياً، خاصة عندما يأتي من شخصية بحجم الرجل وتاريخه، وإنما هو أقرب إلى حالة مرضية تعشق الاستبداد وتدافع عنه، إن لم يكن حباً فيه، فأغلب الظن أنه نكاية في خصومه السياسيين، حتى وإن كان الثمن هو ضياع البلاد وخراب أحوال العباد كما يحدث حالياً في مصر.